يوم اخترع الإمبراطور الصيني ياو لعبة وايكي للترفيه عن ابنه، لم يخطر له أنه وبعد أكثر من أربعة آلاف سنة ستصبح لعبته أون لاين وتنتشر في العالم متخطّية في زمن العولمة الحدود الجغرافية والثقافية. كذلك لم يتخيّل أن غو ستصبح التسمية الحديثة للعبة الاستراتيجيا الأقدم في التاريخ. فبعد أن غزت لعبة سودوكو (Sudoku) اليابانية الصحف والمجلات العالمية وكذلك شبكة الإنترنت، جاء دور غو (Go) لتكون اللعبة الثانية الشرق آسيويّة التي تدخل عالم الألعاب عبر الإنترنت من بابه الواسع. فهذه اللعبة التي لم تعرف انتشاراً عالمياً إلا بعد انتهاء الحرب الكونية الثانية مرشحة اليوم للاستفادة من ازدهار شبكة الانترنت ومن بحث الشركات الدائم عن لعبة جديدة تحقق لهم المكاسب مما يعد بارتفاع عدد ممارسيها حول العالم بالرغم من صعوبتها. شروط اللعبة في مقدّمته التمهيدية، يشرح موقع weiqi.com أن غو هي لعبة مشوّقة تتحدّى القوة الذهنية للإنسان. هي لعبة سهلة من ناحية امتلاك الأسس، لكنها صعبة من ناحية الغوص في أعماقها . وبحسب محترفي ألعاب الاستراتيجيا والعلماء، وبالمقارنة مع الشطرنج، تذهب غو بعيداً في تنمية الشقين الإبداعي والتجريدي في عقل الإنسان. وهي قد تكون بديعة من ناحية الرياضيات ومن الناحية الفنية، الأمر الذي يدفع للجوء إلى حقول مختلفة من الدراسة . و غو هي لعبة استراتيجيا تركيبيّة تجريديّة، الأكثر قدماً. وهي تمارس بشكل أساسي في الصين حيث تسمّى وايكي (Weiqi)، في كوريا وتدعى بادوك (Baduk) وفي اليابان حيث يُطلق عليها اسم إيغو (Igo). أما في بقية العالم، فقد ازدادت شعبيتها خلال السنوات الأخيرة. الحياة والموت هما من أهم قواعد ال غو . وتستلزم اللعبة لاعبين اثنين يحرّكان مداورة أحجاراً سوداء وبيضاء على لوحة تسمّى غوبان (Goban). أما هدف اللعبة الرئيسي فالسيطرة على أجزاء من اللوحة عبر إنشاء مناطق . يلعب الأسود والأبيض على لوحة حيث رسم 19 خطاً أفقياً و19 خطاً عمودياً لتشكّل شبكة مع 361 تقاطعاً. لكل لاعب عدد غير محدود من الأحجار. في البداية جميع التقاطعات تكون شاغرة. هدف اللعبة: إنشاء مناطق وهي كناية عن مجموعة من التقاطعات الشاغرة التي يسيطر عليها اللاعب. في نهاية الجولة، يوضع الأسرى (الأحجار الموضوعة اليد عليها أو الميتة) على تقاطعات مناطق الخصم. ومن ثم نحتسب نقطة واحدة لكلّ تقاطع حر (في المبدأ كل أسير وكل منطقة يساوي نقطة واحدة). والرابح هو الذي يمتلك نقاطاً أكثر. بداية اللعب تكون دائماً مع الأسود، ولكل لاعب دوره حيث يضع حجراً جديداً على تقاطع شاغر من اللوحة. لكل حجر أو لمجموعة أحجار عدد من التقاطعات المتاخمة الشاغرة.. ندعوها الحريات . لحجر واحد أربع حريات، ولحجرين متّصلين ستّ ولثلاثة أحجار ثمان وهكذا دواليك. إذا فقدت منطقة حريتها الأخيرة وتمّ أسرُها، تُنزَع من اللوحة. المنطقة الحيّة، يجب أن تحيط بها عينان اثنتان كي تصبح ممنوعة من الأسر. والمنطقة التي لا يمكنها أن تنال عينين هي ميّتة حتى لو لم يضع اللاعب الآخر أحجاراً في كل حرياتها. تنتهي اللعبة عندما تصبح الحدود التي شكلتها أحجار اللاعبين غير قابلة للتغيير، إذ لا يمكن ابتكار منطقة حيّة من وراء الحدود القائمة. عندئذ يرفض كل من اللاعبين وضع حجر جديد. من كونفوشيوس إلى الإنترنت إلى جانب رواية الإمبراطور ياو، روايتان حول أصل غو . الأولى تحكي عن الإمبراطور شون الذي أراد تثقيف ولده فاخترع وايكي ، أيضاً في العام 2200 قبل الميلاد. أما الثانية فتعيد الاختراع إلى القرن السابع عشر قبل الميلاد عندما أراد أحدهم ويدعى وو تسلية سيّده الإقطاعي. لكن، وبحسب أسطورة التنانين الخمسة ، تعود اللعبة إلى تنينين الأوّل (أسود) هاي زي والثاني (أبيض) باي زي.. اختلفا حول من هو الأقوى بينهما، فكانت لعبة غو . وقد أرسلت الآلهة تنيناً ثالثاً ليراقب اللعب على أن يسلّم تقريره بمجرّد انتهاء الجولة. وبما أن التنينين اللاعبين كانا خالدين، فهما كانا أيضاً صبورين للغاية. وما زالا يلعبان منذ آلاف السنين. ومع كل ألفية جديدة ترسل الآلهة تنيناً جديداً للمراقبة. واليوم تراقب اللعب خمسة تنانين! وتعود الكتابات الأولى حول غو إلى ما بين 722 و481 قبل الميلاد، حتى أن كونفوشيوس ذكرها في كتاباته. وقد تمّت إضافة اللعبة منذ القرن الثالث الميلادي إلى الفنون المقدّسة الثلاثة (الرسم، الموسيقى وفن التخطيط) التي يمارسها الأمبراطور وحاشيته، وذلك لغاية القرن التاسع عشر. وفي القرن الخامس، وصلت غو إلى كوريا لتبلغ اليابان في القرن السابع حيث تبنّت الطبقة الأرستقراطية اللعبة بسرعة. وفي القانون المدني لعام ,701 منحت الأرستقراطية نفسها حقّ اللعب وحرّمته على الرهبان. في ما بعد، امتدّت ممارسة غو إلى الرهبان البوذيّين وإلى الساموراي كتدريب على الاستراتيجية العسكرية. في القرن الثامن عشر بدأت تظهر الإشارات الأولى التي تتعلّق باللعبة في نصوص الرحّالة الأوروبيّين. تمّ نشر المقالة الأوروبية الأولى حول ال غو في العام .1710 لكن اللعبة لم تنتشر سوى في نهاية القرن 19 بشكل خاص في ألمانيا والنمسا هنغاريا. والنادي الأول تم إنشاؤه في العام 1895 من قبل ضباط في البحرية النمساوية الهنغارية، أما المجلة المتخصصة الأولى فتأسست في العام .1909 لكن، لم تنتشر غو في العالم سوى بعد الحرب العالمية الثانية. اليوم، في العالم أكثر من أربعين مليون لاعب (بالطريقة التقليدية)، مليون منهم أوروبيون. غير أن هذا الرقم مرشح للارتفاع ف للعبة تاريخ طويل وقواعد مشتركة. وليس هناك من حواجز ثقافية للاجتياز بحسب أحد مسؤولي مشغّل اللعبة NHN Corp في كوريا الجنوبيّة. وهذا المشغّل يعمل بشكل منفصل في كل من كوريا الجنوبية واليابان والصين، لكنه في صدد إنشاء منصة شاملة للعبة هذا العام. إذ تسعى شركات الألعاب لتأمين شبكات عالمية تصل مئات ملايين اللاعبين بعضهم ببعض، غالبيتهم في شرق آسيا.. ومن المتوقع أن تحقق غو نجاحاً باهراً عبر الشبكة، لأنه وعلى عكس لعبة الشطرنج لم يتمّ تطوير أية برامج كومبيوتر لمنافسة اللاعبين ذوي الخبرة. فتعقيد استراتيجيتها حال دون ذلك. وهنا إشارة إلى أن برنامجاً واحداً في كوريا الشمالية، وهو يعتبر الأفضل، تمكن من هزم لاعبين تحت مستوى الوسط. إلى ذلك، تساعد مواقع اللعبة عبر الإنترنت اللاعبين على إيجاد الشريك المناسب بسهولة. وهي تؤمن أيضاً مواد تعليمية وإرشادات للمبتدئين. وبالفعل، فقد وجد عدد من اللاعبين شركاء عالميين لهم في كل من الصين واليابان وتايلاندا، بحسب المتحدث باسم جمعية بادوك الكورية . يضيف أنه قريباً سيتم جذب شباب كثيرين لم يلعبوا أبداً ال غو حتى بصيغتها التقليدية . من جهة أخرى، يقول الخبراء إنه في حين أن القواعد هي نفسها، لكلّ بلد تقاليده وأساليبه الخاصة في اللعب، الأمر الذي يجعل من اللعب عبر الحدود أكثر تشويقاً. وفي أرقام أوردتها وكالة رويترز ، يوجد في كوريا الجنوبية وحدها اليوم ثلاثة ملايين لاعب أون لاين عبر مواقع مختلفة. أما في الصين حيث ربع الشعب فقط موصول بالإنترنت، فهناك مليونا لاعب. وفي اليابان حوالى 500 ألف وهو رقم منخفض نسبياً. هذا بالنسبة للبلدان الثلاثة المعنيّة مباشرة. أما في ما خصّ البلدان الأخرى، فلا أرقام حتى اليوم بانتظار ما ستؤول إليه نتائج التحول الجديد للعبة. [email protected]