As Safir Logo
المصدر:

<حكايات إيتالو كالفينو> ترجمة نجلاء والي ترجمة أدبية للتراث الشعبي

المؤلف: جابر عناية التاريخ: 2007-02-20 رقم العدد:10630

الكتاب: حكايات إيتالو كالفينو الكاتب: إيتالو كالفينو الناشر: دار شرقيات المترجم: نجلاء والي عن دار شرقيات صدر الجزء الأول والثاني من حكايات إيتالو كالفينو حكايات شعبية إيطالية تتوفر فيها المادة العلمية الوفيرة في بُعدها الزمني عن بداية نشأة الحكاية. عمل كالفينو في كتابه على جمع كمية من القصص والنوادر، مستمعا بلهفة وشغف الى كل الافتراضات التي اقترحتها المذاهب الأدبية في هذا المجال، ودائما في مأمن من التنظير الذي يذهب بمتعة قراءة هذه النصوص. استحواذ النصوص على كالفينو، لم يأت استحواذا سطحيا أو ظاهريا، بل نجده لدى قراءتها قد وقع في أسر حقيقي وشغف فعلي لهذه الحكايات التي كانت تضعه أمام خاصيتها الأكثر سراً: تنوعها اللانهائي وتكرارها غير المحدود. الحكايات الشعبية الإيطالية تراث ثري متغيّر نجده في هذين الجزءين الشيقين وقد تأرجح بين الواقع والخيال بشكل جعله في مصاف التراث الشهير للبلدان الجرمانية والشمالية والسلافية من تميزه في خصائصه العامة البادية في اللطف والروح واختصار الهيكل وطريقة تركيب الحكاية أو التكرار لنوع من الحكايات أو حكاية بعينها. حكايات تنقلك الى عالم الطفولة، والغابات والقصور المسحورة والعوالم المتغيرة دائما بفعل التحول والتغيّر والسحر. حيوات أفراد وقصص نجدها وقد اضطربت وتبدلت بحب سحري أو اختفاء مفاجئ. التيمة الأساسية للقصص، هي الاختيارات البسيطة الأولية بين العدل والظلم. كذلك عمل كالفينو على التركيز على سرد حكايا فيها اختبارات عبور مصاعب وعرة لتحقيق السعادة بشكل عام، وعلى قصّ بعض من حياة الشعوب التي تجمدت في قوالب ثابتة لتأتي الحكاية وتجعل كل شيء ممكناً. قصص الشباب تتركز تيمة القصص أيضا، على فترة الشباب، تلك المرحلة من العمر التي يصنع فيها الإنسان قدره، غير أننا نلاحظ في مجمل الحكايات على نوع من التكرار في حوادثها، في رغبة كالفينو الى إعطاء تفسير عام للحياة، خصوصا حياة الفلاحين الذين يبدو تكرار الحوادث في حياتهم هنا، كما لو كان فهرسا لأقدارهم. هناك ايضا في الحكايا المنتقاة من قبل كالفينو، الشكل الذي يلخّص كل شيء، وهو التقسيم الحاد القاطع للناس بين ملوك وفقراء، ولكنهم متساوون في الجوهر تحكمهم قوى معقدة مجهولة يستلزمها الكثير من الجهد للتحرر وتحقيق الذات. هناك ايضا الوفاء بالوعد ونقاء القلب، خصلتان أساسيتان للنجاة والنجاح وهناك الجمال كدليل على النعمة وهو قد يكون مختبئا تحت ثوب من القبح كما في قصة جسد الضفدعة . من معايير عمل كالفينو، ثمة طابع الأمانة والاختزال في نقل الحكاية الشعبية والوحدة الاسلوبية لعديد القص المتضارب. الجزء العلمي من هذه الحكايات عمل عليه من سبق كالفينو من كاتبي الحكايات الشعبية الذين جمعوا بصبر وجلد خلال قرن من الزمان، المادة التي كانت أولية لعمل كالفينو، والتي اختار منها ما يقارب الخمسين نوعا من القص، أجملها وأكثرها ندرة ثم عمد الى ترجمتها من اللهجات التي جُمعت بها وهي الايطالية في الغالب ما أفقدها باعتراف كالفينو نفسه جمالها الأصلي، غير انه أعاد صياغتها بالعذوبة الأصلية محاولا ان يُثري الحكايات المختارة ببعض من مخزون الروايات المختلفة بقدر استطاعته، محتفظا بوحدة الحكاية لجعلها أكثر ثراء وتشبعا، مضيفا عليها بشكل طفيف من الخيال، النقاط أو المفاصل التي بدت مبتورة أو هلامية. جمع الحكايات هدف كالفينو من كتابه إذاً، تقديم كتابه في جمع الحكايات بطريقة سليمة مُعيدا الى الايطاليين وسواهم الرغبة بدراسة التراث الشعبي، وتسليط الضوء على الحكاية الشعبية وسد الثغرات الموجودة في هذا المجال عبر دراسته الذكية، الحديثة والمكتملة التي ركزت على هدفين: التعرض لكل الحكايات الشعبية الموثقة في اللهجات الايطالية، وتقديم حكايات كل المدن الايطالية، بالاضافة الى ما سماه كالفينو بالحكاية الحقيقية التي تحكي عن ملوك بلدان غير محددة، وقد اختار منها أكثرها تعبيرا وأقلها تقيدا بالقوالب المعروفة للحكاية، وأكثرها تشبعا بروح المكان. احتوى الكتاب أيضا على القصص الدينية والقصص القصيرة والتاريخية وحكايات عن الحيوانات، وبعض الأساطير المحلية، الى عناصر الرواية الشعبية التي قابلها في بحثه وتأثر بجمالها، أو ما تمثل المدن الايطالية. استبعد كالفينو الأساطير التي تتحدث عن تاريخ الأماكن والعادات أو الحكايات التاريخية لاعتباره أنها قصص بعيدة تماما عن ان تكون شعبية فروايتها مختصرة بدون تطور والحكي فيها ليس بلسان الناس ولا تعبّر عنهم حين تُروى بأسلوب مفخّم فيه الكثير من الحنين للماضي. توسكانا، سردينيا، مونتالي بيستيوزا، وكل المدن الايطالية في فولكلورها الحكائي، عمل عليه كالفينو في روح البلد الذي جاء منه وتدخل من حكاية لأخرى على حسب ما أملاه عليه النص ان بالدقة المتناهية أحيانا، أو باختيار نقطة انطلاق من حكاية ما، مغيرا بعض الإيحاءات فيها، مع إعطاء أبطال حكاياته المجهولي الاسم في الغالب، أسماء تُعد كافية للانتقال درجة في سلم التدخل الأدبي. كالفينو الذي يُعدّ واحد من أبرز الكتّاب الإيطاليين والذي رحل عام ,1988 يجمع عالمه الأدبي في الأساس بين تيارات مختلفة، ما بين الواقعية الجديدة، والأدب الرمزي الخيالي وأدب الخيال العلمي، وهو خاض بجدارة كتاب الحكايات الشعبية الذي هو عالم مغلق ظاهريا، ولكنه يتعدد هنا وينشأ عنه عدد لا نهائي من العوالم المحتملة، فليس هناك حد لعدد الحكايات التي يمكن ان يكونها أو يكتبها قارئ شغوف بالحكايات الإيطالية، وعندما يغلق الكتاب لا يتبقى أمامه سوى البدء في إنتاج نصوص اخرى كأحد الكتب اللانهائية التي نتجت عن الكتاب الذي بين أيدينا، وقد نجح كالفينو في قراءته وفهمه.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة