ابن الجوزي معروف بهذا الكتاب، رغم أنه في الأساس معروف ببراعته في الحديث والوعظ. ولم يكن ابن الجوزي أول عالم كتب كُتَبَ الملاهي والتسليات. إذ أنه كسلفه الجاحظ قصد من هذا الكتاب كما ورد في مقدمته له إلى أن يروح الإنسان قلبه بالنظر في سير هؤلاء المبخوسي الحظ فإن النفس قد تمل من الدؤوب في الجد، وترتاح الى بعض المباح من اللهو . سبق لابن الجوزي أن جمع كما ذكر في مقدمته أخبار الأذكياء إلا أنه أثناء ذلك وجد نفسه نصب أخبار الحمقى والمغفلين فجمعها أيضاً، لكنه لا ينسى الحديث والعلم أثناء روايته لأخبار الحمقى، فهو حتى في هذه مُحدِث ومنهجه فيها منهج العلماء. يبدأ بلفظ الحماقة ويحدد اشتقاقه ومعناه الحماقة مأخوذة من حمقت السوق إذا كسدت ، فالأحمق مقصوده صحيح، ولكن سلوكه الطريق فاسد ورويته في الطريق الوصال الى الغرض غير صحيح ، هوذا تعريف مبني على المنطق ولا يستطيعه إلا المناطقة. ومن التعريف القاموسي الى العقلي فالحمق غريزة لا شفاء منها ولا طب لها كما يقول. ومن ذلك الى أسماء الأحمق وصفاته الجسيمة، وهنا يحضر علم الهيئة السائد في زمان ابن الجوزي فالرأس الصغير والعنق الطويل واللحية الطويلة وصغر الأذنين من صفات الحمق. أما علامات الحمق فهي بحسبه سرعة الجواب، وترك التثبت، والإفراط في الضحك، وكثرة الالتفات... . بعد أن يتجسّد الأحمق لغوياً وجسمانياً ونفسياً. يعرج ابن الجوزي على أصناف الحمقى وهو يصنفهم هنا بحسب طبقتهم الاجتماعية ومهنهم، لكن التصنيف يتبع سلماً من أعلى الى أسفل. ولما كان ابن الجوزي محدثاً عالماً فقد بدأ بأمثاله من العلماء متتبعاً في ذلك تراتباً مختلفاً. يبدأ بحمقى القراء والمصحفين ولا يبالي في أخباره بذكر آيات مصحفه. أي مغلوطة القراءة ولا يجد في ذلك إثماً. بل لا يبالي بذكر أخبار فيها مزاح على الدين والقراءة، كذلك المحدّث الأحمق الذي روى عن النبي عن جبرائيل عن الله. بعد رواة الحديث المغفلين ينتقل الى مغفلي الدولة، الولاة والقضاة والكتاب والحجاب، ثم ينتقل من تراتب السلطة الى المغفلين من المؤذنين والأئمة (أئمة المساجد) ثم ينتقل الى مغفلي الأعراب، ومَن تقصّد الفصاحة منهم، ويجد غفلة وعقماً في مخاطبة العوام بفصحى معربة. ثم يذكر حمق المعلمين ولهم في الحمق، كما ورد عند الجاحظ، باب واسع. كتاب ابن الجوزي في باب الهزل أي كتب المزاح والتسلية، والفكاهة وهنا الكوميديا العربية. هذا النوع من الأدب، حتى ولو كتبه علماء ومحدثون، متحرر ونقدي بطبعه. إنه على نحو غير مباشر سخرية من التشدد الديني والاستبداد السياسي والحذلقة الثقافية، هكذا فعل الجاحظ سلف ابن الجوزي وفعل هو. ولنا أن نذكر هنا خبراً عن والٍ أرق واستدعى ولده إليه، فلما ورد عليه قال إنه بات الليلة ساهراً في أمر هو مفكر فيه إلى الساعة، ولما استفسر الابن عنه. أجاب الوالد: اشتهيت أن يصيرني الله من الحور العين ويجعل في الجنة زوجي يوسف النبي . أما أخبار المعلمين فمشهورة ولعل ابن الجوزي نقل عن الجاحظ خبر المعلم الذي أخذ ينبح ليحسب تلميذه الهارب أنه كلبه فيأتي إليه.