يعيش اهالي منطقتي عين سعادة والمنصورية حالة من الخوف والقلق على مستقبل ابنائهم هذه الحالة ليس سببها الوضع السياسي المزري الذي تمر به البلاد بل أعمدة وخطوط التوتر العالي، بقوة 220 ألف فولت، التي عاد العمل بها الاسبوع الماضي، لتمر بين منازلهم ومدارسهم وكنائسهم. قصة هذه الخطوط قديمة وتعود الى العام 1997 حين اصدر مجلس الوزراء المرسوم رقم 10009 الذي يعتبر الاشغال العائدة لانشاء خط هوائي بتوتر عال 220 ك.ف. بصاليم عرمون من المنافع العامة وسمح باستملاك اقسام العقارات مع جميع الحقوق اللازمة لتنفيذ الاشغال المذكورة، وهو جزء من مشروع كهرباء الربط السداسي الذي سيربط لبنان بالأردن وسوريا وغيرها من الدول العربية. ومنذ صدور المرسوم اعترض الأهالي عليه لما يسببه مرور الأعمدة وخطوط التوتر العالي من أذى صحي وبيئي عليهم، وقاموا بتنظيم مجموعة تحركات في المنطقة أدت الى توقيف العمل بالمشروع لفترات مؤقتة. الا ان المسؤولين عن المشروع عادوا وأطلقوا وتيرة العمل فيه في الاسبوع الماضي، حيث لم يتبق منه سوى مرحلة تركيب خطوط التوتر على خمسة أعمدة في المنطقة، رغم اعتراضات الأهالي. يؤكد فادي فرنّ احد سكان منطقة عين نجم ووالد لطفلين (13 سنة و11 سنة) والذي تمر خطوط التوتر من فوق منزله مباشرة ان هناك 312 شقة سكنية متضررة من هذا المشروع، لافتا الى ان هذه الخطوط تمر فوق المنازل وقرب الشرفات وفي الزواريب بين البنايات وتقترب في بعض الأماكن الى نحو خمسة وستة امتار منها اي ان صاحب المنزل يستطيع ان ينشر غسيله عليها! . ويشير فرنّ الى ان المساحة التي اعترض الأهالي على مرور هذه الأعمدة عبرها لا تتعدى كيلومترا واحدا وكان من المفترض ان تسلك هذه الأعمدة طريقا آخر (خط مستقيم) إلا أن لعبة سياسية بين أحد وزراء الطاقة وصاحب الأرض النافذ ادت الى تعديل مسار هذا الخط. كان يجب ان يمر هذا المشروع على موازاة خطوط التوتر 150 الف فولت و66 الف فولت لكنه قفز فوق هذين الخطين ومرّ فوق المنازل تفاديا لأرض المسؤول . ويلفت جاره طوني الصدي (والد لثلاثة أطفال 6 سنوات، 7 سنوات و9 أشهر) الى انه اختار السكن في هذه المنطقة لأنها منطقة حرجية وقريبة من العاصمة بيروت الا ان مرور هذه الأعمدة وخطوط التوتر قرب منزله نغّص حياته وأصابه بحالة من الهلع على صحة أطفاله، لا سيما بعد معرفته ما تسببه اشعاعات هذه الخطوط من أمراض سرطانية. بين العمودين 9 و12 يشير فرنّ الى ان الأهالي طلبوا من شركة كهرباء لبنان قياس المسافة بين العمودين 9 و12 (تمر في مناطق عين سعادة، عين نجم والمونتيفردي) وهي المنطقة المتضررة من زرع هذه الأعمدة، وجرى قياسها برفقة مهندسي الشركة وتم سلوك الطريق الاسفلتي العام فتبيّن ان مسافة تمرير هذه الخطوط من تحت الارض لا تتجاوز كيلومترا واحدا، لافتا الى ان احدى الشركات المصنفة فئة أولى والمتعاقدة مع الدولة أكدت للأهالي ان كلفة تمرير المشروع من تحت الارض لا تتخطى مليون دولار وانها مستعدة لتنفيذه بهذه القيمة في حال فازت بالمناقصة، لا سيما ان بلديات المنطقة كانت تعهدت حفر الطريق وتزفيتها، وهو ما أكده اهالي المنطقة. ويلفت الصدي الى ان المنطقة كانت تتغذى بالكهرباء 24 ساعة يوميا بعد مجيء المحقق الدولي ديتليف ميليس الى منطقة المونتيفردي المجاورة، الا انهم بعدما عادت صرخة الاهالي للارتفاع ضد تنفيذ المشروع جرى تحويل خط كهرباء منطقة عين نجم وصارت الكهرباء تنقطع 20 ساعة يوميا، مؤكدا ان وفد لجنة متابعة الاهالي والمدارس زار مدير عام مؤسسة كهرباء لبنان كمال الحايك منذ فترة فوعدهم بعدم تركيب خطوط التوتر ريثما يبت مجلس الوزراء بالموضوع لنعود ونفاجأ بالعمال يركبون الخطوط مستغربا الكذب المستمر من قبل المؤسسة واستغلالها لغياب الوزير الأصيل ووضع البلد السياسي. مدارس متضررة من الشبكة من جهته، يشير امين عام المدارس الكاثوليكية في لبنان الأب مروان ثابت الى ان هناك ست مدارس متضررة من الشبكة وهي المون لاسال (3000 تلميذ)، مدرسة الكفاءات الأولى ومدرسة الكفاءات الثانية (2500 تلميذ)، الحكمة هاي سكول (2000 تلميذ)، مدرسة القلبين الأقدسين (2500 تلميذ)، راهبات الوردية (250 تلميذ) اضافة الى مركز الامانة العامة، علما ان هناك اربعة أعمدة توتر عال ملاصقة لهذه المدارس. ويشدد ثابت على ان الجهة المناسبة لتحديد الخيار الأسلم لمرور هذه الخطوط يجب ان تكون طبية كما يطالب باعادة هذه الأعمدة الى مسارها الأساسي او تمرير خطوط التوتر من تحت الأرض. مخاطر محتملة لإصابة الأطفال باللوكيميا في شهر شباط من العام 2006 تقدم رئيس قسم صحة المجتمع والعائلة في كلية الطب في الجامعة اليسوعية الدكتور سليم أديب بمطالعة علمية حول كل ما نشر في موضوع خطوط التوتر العالي بطلب من نواب منطقة المتن وبعلم من كهرباء لبنان التي لم تعارض ابداء الرأي في تقرير كانت حصلت عليه من شركة كهرباء فرنسا (EDF) حول الموضوع، مبينا استنادا على دراسات اجنبية كيف ان التعرض لهذا النوع من الخطوط (220 الف فولت) قد يتسبب بالاصابة بسرطان الدم اللوكيميا عند الأطفال. ويشير أديب في مطالعته الى ان الوكالة الدولية للبحوث في السرطان (منظمة دولية مركزها في مدينة ليون في فرنسا) تعتقد ان التعرض لهذا النوع من الموجات الكهرومغناطيسية (الحقول الناتجة عن 220 الف فولت) يمكن ان يسبب السرطان. ويلفت الى انه يجب اخذ مخاوف الأهالي بعين الاعتبار لأن هذه منطقة سكنهم مفضلا العمل بمبدأ الحرص اسوة بالدول المتحضرة التي تلجأ اليه عندما لا يمكنها الجزم بوجود خطر هام ومستمر على الصحة على المدى الطويل، ومشددا على ان الدولة الحريصة تسهر على الحد من الخطر على المواطن وليس على زيادته، خاصة اذا تواجدت بدائل تقنية سليمة وعملية بإمكانها ان تضع حدا لشك المواطنين وهلعهم. ويرى اديب ان خلايا الأطفال تتكاثر بسرعة لأن الطفل يكون في فترة نمو، وفي فترة تكاثرها تكون الخلية حساسة وتتأثر بكل الاشعاعات التي تحولها من خلية طبيعية الى خلية غير طبيعية، وتقاس هذه الاشعاعات بمقياس الميكروتسلا (وحدة قياس التعرض السام للأشعة الكهرومغناطيسية)، لافتا الى ان المعدل الاوروبي المسموح به للتعرض لهذه الاشعاعات هو 0.4 ميكروتسلا وما دون. ويذكر اديب ان الارقام التي اعطتها شركة كهرباء فرنسا (EDF) في تقريرها الموجه لكهرباء لبنان تتخطى هذا المعدل بشكل واضح (حيث تصل الى 1.40 ميكروتسلا بجانب منزل يبعد 22 مترا عن خط التوتر في منطقة بصاليم)، مشددا على ان دراسة يابانية أكدت ان هناك علاقة ما بين التعرض لخطوط التوتر 220 الف فولت وظهور السرطان عند الأطفال لا سيما في المسافة التي تقل عن 40 مترا (في بعض مناطق عين نجم تصل المسافة الى عشرة أمتار). كما أكدت دراسة قام بها قسم الصحة الوقائية في كلية العلوم الصحية في جامعة كيوشو في اليابان وصدرت عام 2004 ان المناطق التي تقع 50 بالمئة من مساكنها ضمن حدود ال300 متر حول خط التوتر 220 الف فولت تبين تزايد خطر تعرض اطفالها للاصابة بمرض اللوكيميا (سرطان الدم) الى الضعف (2,2) وترتفع النسبة الى 3 أضعاف في المناطق التي عاش فيها الأطفال لفترة أطول (تصل الى 4,3). ويختم أديب بالتذكير بأن الدولة تجاوبت في الماضي مع مطالب الأهالي فعمدت الى تغيير خطط البنية التحتية تماشيا مع الارادة الشعبية ، فبدل اعادة تأهيل مدرج المطار القديم على حساب تهديم مناطق سكنية واسعة على طريق المطار، تم استحداث مدرج جديد في البحر لمراعاة مطالب الأهالي. ثلاث مخالفات يطالب المحامي جورج دمّوس وهو أحد المحامين الموكلين في القضية في دعوته ضد الدولة اللبنانية ومصلحة كهرباء لبنان بإبطال المرسوم 10009 لثلاثة اسباب: اعوجاج التخطيط، ومخالفة مبدأ المساواة، ومخالفة نظرية الميزانية. ويفسّر دمّوس هذه المخالفات الثلاث، فمخالفة مبدأ الاعوجاج تعني انه على الخطوط ان تمتد بشكل مستقيم ازاحوا الخطر فرفعوا الضرر عن أناس ووضعوه على اناس آخرين (الاعوجاج من العمود 9 حتى العمود 12)، ومخالفة مبدأ المساواة تظهر بعدم المعاملة بالمثل مع المدن الكبرى (بيروت، وصيدا، وطرابلس) حيث تمر خطوط التوتر العالي من تحت الأرض. اما مخالفة نظرية الميزانية فتتبين من ان الاستملاك لم يلحظ الثمن الاجتماعي الذي يفرضه بما فيه الاضرار البيئية والصحية، مؤكدا ان قيمة العقارات في المنطقة ستنخفض لأن أحدا لن يشتري عقارا يمر فوقه عمود وخط توتر وهذا ضرر مادي أساسي لأنه يصعّب على صاحب العقار الاستفادة من عقاره، مشددا على ان الاضرار غير المنظورة تتخطى الأضرار المنظورة اذ انه لن يتم التعويض عن فقدان وتدني القيمة الشرائية للعقار. حق المواطن بالمراجعة والاعتراض وكانت نقابتا المهندسين في بيروت والشمال قد نظمتا بتاريخ الحادي عشر من أيار 2006 لقاء حول طاولة مستديرة تناول النقاش فيه موضوع تأثير مرور خطوط التوتر العالي فوق الأماكن المأهولة، في بيت المهندس في بيروت ضم اللقاء اختصاصيين وأكاديميين في مختلف الادارات والمؤسسات العامة والخاصة والجامعات المعنية بالموضوع ومما جاء في توصياته: ضرورة اشراك المواطنين المعنيين وسكان الجوار في مناقشة أية دراسة للأثر البيئي قبل إقرارها، فيكون لهم حق المراجعة والاعتراض، او على الأقل الحق في اختيار مكان آخر للسكن، وبالتالي الطلب الى وزارة البيئة الاسراع بإصدار المراسيم التطبيقية العائدة لدراسة الأثر البيئي للمشاريع والمنصوص عنها في قانون حماية البيئة 444/.2002 تجنب مرور خطوط التوتر العالي فوق المناطق المأهولة، خاصة المكتظة سكانيا في المستقبل، هذا بالرغم من انه لا اثباتات أكيدة على أثرها الصحي بعد، ولكن لا توجد اثباتات ايضا على سلامتها، فيما يبقى الأثر النفسي السلبي على المواطن. من جهة اخرى أكدت مصادر بيئية، ان الموضوع يحتاج الى قوانين جديدة ومواصفات تصدر عن مؤسسة المواصفات والمقاييس (ليبنور) تحدد النوعية والابعاد وتشمل هوائيات الخلوي ايضا. ولحين صدور هذه القوانين، يفترض تطبيق مبدأ الاحتراس عند وجود الشك، ولا سيما اذا كان البديل متوفراً.