As Safir Logo
المصدر:

<سويداء المقاومة> للمجري لاسلو كراشنهو راكاي الخطر الذي لا اسم له

لاسلو كراشنهو راكاي
المؤلف: حبش اسكندر التاريخ: 2007-02-09 رقم العدد:10622

ما هي بالضبط سويداء المقاومة ، أي ما هو هذا الكتاب الذي نشره العام 1989 الكاتب المجري لاسلو كراشنَهوراكاي، والذي ترجم مؤخرا إلى الفرنسية؟ (صدر عن منشورات غاليمار )؟ هل هو استعارة سياسية، كتبت في سياق انهيار النسق الشيوعي في بلدان أوروبا الشرقية؟ هل هو كتاب سردي لامع ورحب، كُتب، مثلما نجد على الغلاف الأخير، تحت قبة ثلاثة من كبار كتاب العالم في القرن العشرين: فرانز كافكا وصموئيل بيكيت وتوماس برنهارد؟ هل يشكل كتاب تأملات ميتافيزيقية عن النظام والفوضى؟ هل معنى هذا أنه نيزك فريد في نوعه؟ قد يبدو أن التكلم بطمأنينة عن هذا الكتاب لا بد أن يحيلنا إلى تجربة تتطلب القوة، بالقياس إلى أن كل اقتراب أولي منه، عليه أن يحيل كل شيء إلى حيرة لا متناهية، بدءا من أسلوبه ذي الجمل المتمددة حينا، المتعرجة أحيانا أخرى، والتي تُسوّد ومن دون أن تتركنا نلتقط أنفاسنا الصفحات وتجعلها أشبه بكتلة عصية على الاختراق، إذ يبنيها لغاية الاختناق. كذلك لا بد أن نتوقف عند كاليري هذه الشخصيات المتبدلة والمتحولة داخل هذه الإنسانية. شخصيات هي أحيانا شخصيات مسكينة، وطورا هشة وفي مرات محدودة التفكير والنظر، بينما نجدها في حين آخر لامعة وذكية لدرجة الانبهار. كل ذلك في ديكور يتخذ شكل ضيعة لاهثة، متقطعة الأنفاس، تخيم عليها كآبة قاسية سرعان ما تنشر فيها ريحا من الرعب والقلق. ربما كنا نستطيع تلخيص حجة ذلك بعدة أسطر: ذات يوم، يصل إلى مدينة صغيرة فريق غريب، هو عبارة عن مجموعة من البائعين المتجولين الذين يعرضون هيكل أحد الحيتان. سرعان ما يحطم وجودهم هناك، هذا الجو اليومي الكئيب الذي كان يخيم على المدينة وعلى سكانها المحليين، كما شكل وجودهم هذا حجة للطموحين كي ينسجوا مؤامرة شيطانية، تقودهم بكل خجل وعار وقسوة إلى سدة السلطة. لكن لو بقينا فقط عند هذه القصة الصغيرة، التي تشكل تفصيلا من تفاصيل الكتاب، لبدا الأمر أشبه بجريمة حقيقية، ستصيب الكتاب بمقتل. إذ علينا أن نترك أنفسنا، وبأقل الأشكال كلفة، تسير وسط زواريب هذا الرواية المتشعبة، وسط هذه الضجة التي تتشكل من الكلمات ومن المونولوغات الداخلية. علينا أن نترك أنفسنا تعوم مع تيارات هذا الوعي المفكك الذي يتركنا وببراءة كلية، في كل لحظة من لحظات وجودنا نهب توازننا إلى قانون الجاذبية وإلى تناغم الأكوان والمجرات التي تلفنا وتحيط بنا. هذه الظاهرة، يشرحها لنا الكاتب في أحد مشاهد روايته، وهو مشهد مؤثر إذا جاز التعبير، حيث نجد جماعة من السكارى التي تفرض على نفسها مهمة تصميم رقصة اختفاء الكواكب من النظام الشمسي تحت ظل إحدى الشخصيات الرئيسية، شخصية فالوشكا، عبيط القرية . كل شيء بدأ مع السيدة بفلوم، امرأة في الستينيات من عمرها، ذات مظهر بورجوازي، كانت تعود إلى منزلها بالقطار بعد زيارة قامت بها لشقيقاتها. كانت مقدرا للرحلة أن تبقى عادية، لولا تحول كل شيء بسرعة، إذ يسود اللغط حولها، مثلما تسود الفوضى في القطار الذي بدا يتوقف باستمرار من دون معرفة السبب الفعلي لذلك. لم تكن لا عدوانية الحشد السوقي ولا نظرات القرويين الثملة في المقطورات، إلا بداية صعود هذا الخطر الذي أحاط بكل شيء. إذ حتى بعد نزولها من القطار، أحست السيدة بفلوم أنها مراقبة وأن هناك من يلاحقها، لذلك بدا أن اجتيازها لهذه المدينة الصغيرة، عند هبوط الليل، أشبه بعملية هروب يائسة. ثمة إشارات اخرى أضرمت فيها هذا الخوف وبخاصة مصادفتها لقافلة سيرك كانت تتقدم ببطء لامعقول، كذلك الملصقات التي كانت تعلن عن مجيء تلك المجموعة التي ستعرض هياكل الحوت. ما إن تصل إلى منزلها، لم تجد أي متعة في متابعة الأوبريت من على شاشة التلفزيون، لم تشعر بأي راحة، وما زاد الأمر سوءا، زيارة السيدة إيستير، رئيسة نادي نساء المدينة لها، وهي امرأة مليئة بالأخلاق المريبة . توجست شرا منها، وتيقنت أنها كانت على حق حين قالت لها إنها هنا من أجل حملة ضد التدمير عليها القيام بها لذلك هي بحاجة إلى فالوشكا، ابن السيدة بفلوم. ما هي هذه الحملة وأي خطر تشكله على هذه المدينة الصغيرة الواقعة في جنوب شرق المجر؟ ما هي طبيعة هذا الشر الذي يحوم فوق الجميع ويشعرهم بالقلق والانزعاج؟ ما هي أسباب هذه الثورة؟ لا نعرف من ذلك كله إلا صراع السيدة بفلوم التي تصارع هذا الخطر الذي لا نعرف له اسما. بعد ست سنوات من صدور تانغو الشيطان ، يعود القارئ الفرنكوفوني ليكتشف مع هذه السيمفونية الثانية التي يعزفها كراشنَهوراكاي (من مواليد العام 1954 في غويلا، يعيش حاليا في قرية صغيرة بالقرب من بودابست) قمة أدبية حقيقية ليبحر معها في لحظات لا مثيل لها حيث الموسيقى والدينامية الداخلية تسمح لنا بأن نقبض على معنى هذه الجملة التي تتصدر الكتاب: إنه يغرق / من دون أن يمر .

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة