صدر له مؤخراً في باريس كتابان بالفرنسية: حصار الحلم الأخير و مواجع النسر العجوز . ساهم في إحياء أنشطة الخرطوم عاصمة للثقافة العربية العام 2005 من خلال معرض وتصميم شعار المناسبة. له جداريتان في مطار الخرطوم الدولي. صاحب تجربة امتدت من العام .1963 أقام أكثر من عشرين معرضاً فردياً في السودان، وعرض في دول عربية وأجنبية عدة، وكتب بحوثاً ضمّنها رؤيته الجمالية، التي تتلخص بأن اللوحة التي تؤسس لصورة جديدة لا بد من أن تعتمد على مخزون الثراث الثقافي العربي والإسلامي. ورداً على الرسوم الكاريكاتورية الدنمركية المسيئة للرسول محمد ابتكر خطاً جديداً أطلق عليه تسمية البردة ، استلهمه من قصيدة البردة للإمام البوصيري التي كتبها في القرن الثالث عشر في مديح الرسول، والتي ألهمت العديد من الشعراء الذين كتبوا مدائح نبوية، وقد كان البوصيري خطاطاً أيضاَ. تجتمع ألقاب عدة في شخص واحد هو أحمد عبد العال. الفنان التشكيلي السوداني الذي يعد بين كبار رواد الفن التشكيلي في السودان. مؤسس ل مدرسة الواحد في السودان. عميد كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا. قاد الهيئة القومية للثقافة والفنون، فبنى داراً للثقافة والفنون، قبل أن يتركها ويترك حزب الأمة. حامل دكتوراه بدرجة شرف في موضوع الأصول الجمالية للحضارة الإسلامية، دراسات حول معارف ابن عربي من جامعة بوردو العام .1987 حائز الميدالية الذهبية لرواد الفنون التشكيلية العرب في القرن العشرين العام .1999 ترتكز لوحته على عقيدة التوحيد والوحدة والواحدية في الفن. التوحيد الذي يرتقي إلى نظرية وحدة الروح ووحدة الوجود الصوفية، فاللوحة عنده صورة جمالية لكون واحد، بل اختزال لتاريخ الفن وأبعاده الثلاثة، الماضي والحاضر والمستقبل. متعلق بالتراث العربي الإسلامي من دون تعصب أو عزل، بل بانفتاح تجربته على ما يحدث في العالم من جديد. يتعامل مع عالم مفكك، مشتغلاً على توحيده من خلال توحيد روح عناصر الصورة. في صورته يلتقي الفن والعلم، الجماليات والخلفية النظرية، فجزء من مساحة الوهم يتحول لصالح الموضوع، على أن الخيال يذهب دائماً في رحلة الكشف عن النفس وعن الوجود. فنان مؤثر وحاضر في الساحة التشكيلية العربية. معه هذا الحوار حول تجربته ونظرياته: منذ البداية كانت تجربتك تجمع بين التراث الفني العربي والإسلامي، من جهة، والحداثة التشكيلية الغربية، من جهة ثانية، وفي الوقت نفسه كنت من مؤسسي ما سمي مدرسة الخرطوم . كيف وضعت البذور الأولى لتجربتك؟ } أثناء تحصيلي في كلية الفنون الجميلة والتطبيقية في الخرطوم ما بين العامين 1967 و,1978 ساهمت، على مستوى الفكر والتطبيق، في ما كان يعرف يومذاك ب مدرسة الخرطوم ، وهي ليست مدرسة في المصطلح الأوروبي، بمعنى إصدار بيان، إنما كانت مناخاً عاماً عمل فيه العديد من الفنانين، وبينهم قواسم مشتركة. كانوا يؤسسون لأعمال ذات قسمات تتصل بالثقافة الوطنية في السودان، خصوصاً أن أبكار الرواد الذين ابتعثوا من كلية الفنون إلى إنكلترا، وبينهم من عاد في الخمسينيات والستينيات، كانوا يشعرون بالمباينة الكبيرة بين ما تدربوا عليه أكاديمياً في إنكلترا وبين مرائي الحياة في السودان. فاتجهوا إلى المحاورة التشكيلية، مستمدين عناصر التأليف من الأعمال الشعبية ومن الحرف العربي في الآيات القرآنية وفي المأثورات، ومن الزخرف العربي الإسلامي، ومن الزخارف المحلية الأفريقية. كان ذلك الجهد محاولة لخلق حالة، لكن كان ينقصه الجهد الفكري، أي التنظيم، بحثاً عن الخلفيات الحضارية، ودرساً لنقاط التقاطع أو التلاقي مع عالمنا اليوم. بدأت منذ ذلك الزمن الباكر إثبات دفع فكري تسانده التجربة التطبيقية، فاتجهت أول ما اتجهت إلى البحث في الفكر الصوفي الإسلامي على اتساع تجربته في الزمان والمكان، خصوصاً أن الشخصية السودانية الحاضرة في طور السيرورة، لكن كانت بذرة معارفها الأولى من التصوف الإسلامي. كون صغير يمكن أن نقول إن التصوف لعب في فضاءات الدين. كيف أقمت نسيج العلاقة بين الفن الإسلامي والتصوف؟ } فكرت في التصوف بوصفه التعبير الجمالي عن الدين الإسلامي، وتحركت التجربة بهذه المعاني، إلى أن تحددت فكرياً في أطروحتي للدكتوراه الموسومة الأصول الجمالية في الإسلام: دراسة في فكر الشيخ محيي الدين بن عربي ، التي أنجزتها في فرنسا. هنا كان الانتباه إلى تعدد صور الوجود. كل صورة في الوجود هي مرآة تحمل قدراً نسبياً من جمال مطلق. هذا الجمال المطلق، على تفاوت صوره، لا سبيل إلى إدراكه أو تذوقه إلا بجهد روحي. في التجربة اليومية العادية نلتقي الجمال، لكن يظل هناك قدر من الكفاح الروحي للارتقاء بمستوى القدرة الإنسانية لالتقاط ما هو جميل على مستوى البصر وعلى مستوى الذهن، وهنا يمتد صراط الجمال دقيقاً، حيث من الممكن جداً أن نوفق بين صور الوجود من حيث المبنى ومن حيث المعنى. فالجمال له من الدلالات ما يمكن أن يفسر المسيرة البشرية بأكملها منذ صدورها إلى رجعاها. هنالك من النظرات ما يمكن أن نتأمله على مستوى الحركة، فالكون كله متحرك، لكن نتثبت من أن هناك تفاوتاً في الحركة، فالجماد، مثل الصخر، تجمدت جزئياته، لكن على مستوى سلم الحياة، نجد النبات، مثلاً، بجزئيات متحركة، ما يعني النمو والازدهار ودورة الحياة عموماً. هذه المعاني كلها مركوزة بالأصل في الإنسان، فالرؤيا الإنسانية هي بين آيات الآفاق، أي ما نراه مشهوداً وملموساً، وبين آيات النفوس. ويوم يتم لقاء آيات الآفاق بآيات النفوس، يظهر جوهر المعرفة على المستويين الجمالي والفكري. إذاً، كي نبدع الجمال كفنانين، أعتقد أنه لا بد من الجهد المعرفي. وهذا الأخير في أسمى مراقيه هو جهد روحي بالمعنى الواسع للكلمة. ألهذا السبب، إذاً، نلاحظ في أعمالك وحدة الروح وتناثر الموضوع أو الصورة؟ } الكون مرآة لجمال لا يمكن أن نقتنصه إلا بقدر من التواضع. أقول هنا إن هنالك من الأمم ما يحيط بنا في النبات والحيوان والجمال وحتى في الفراغ، إذ إنه من المسلم به توحيدياً أن لا فراغ في الكون. لهذا فإن ما تراه من إشارات وصور يعبر عن رغبة في القول إن الكون معمور بالصور، واللوحة نفسها ما هي إلا كون صغير له قدر من الاستقلالية، يخلق معاييره ومقاييسه داخل أبعاد اللوحة، وليس خارجها. فإذا ما رأينا، مثلاً، سمكة تسبح في فراغ عريض، أو غطته على شكل قمر في مرحلة الهلال، فهي إشارة إلى ذكرى كان الكون فيها في حالة رتق أعقبتها حالة فتق. وإذا رأينا سمكة في الفضاء، فهي إشارة إلى مرجعها الأولي، فهي والقمر وصورته والظلال كلها واحد، وما تبدل سوى المواقع والأماكن والأزمنة. هل نستطيع، برأيك، أن نتحدث عن فن إسلامي حديث، أقصد أن يكون حديثاً من داخله؟ } كان يجب أن تتحقق هذه الحداثة قبل سنين وسنين، لكن عندما ضاقت الرؤيا ضاقت العيانة ثم ضاقت الصورة. خذ، مثلاً، في واحدة من تجارب الحداثة العربية، وهي الحروفية، بحثاً عن الهوية الحضارية، انطلق أكثر الفنانين العرب نحو تجريد الحرف العربي، وكانت انطلاقة نحو باب مسدود، إذ إن الحرف العربي كحرف مفرد، بالرغم من كثرة الحديث عن جمالياته، لا يوجد مبرر حضاري لاقتلاعه من بيئته اللغوية والروحية. في الثقافة الغربية سبقت التجربة في استخدام الحرف اللاتيني بصورة مجردة، لذا كان لا بد من التأمل في خلفيات الحرف العربي الروحية والجمالية. ولنتذكر بإيجاز وضعية الحرف العربي قبل نزول القرآن (خطوط أمة النمارة)، فهو كان في غاية الفقر الجمالي والوظيفي، بالرغم من غلو بيان العرب في العلوم واللغة. لكن ما إن تم استدعاء هذا الحرف الفقير إلى خدمة النبأ العظيم (القرآن) حتى انطلق به المسلمون تجميلاً ومعايير وأدبيات. ثقافة القرن إلى اين وصلت التجربة الحروفية في السودان؟ } في مطالع الستينيات، وكما أشرت سابقاً، وجد الحرف مناخاته التجريدية، على مستوى الأعمال ، في اللون والتصميم والخزف، وشكلت الحروفية يومذاك مبحثاً في ملاقاة الزخرف الأفريقي، كما ذكرت. المبحث ذاته كانت تقابله في عالم الأدب مدرسة الغابة والصحراء ، لكن بعد أن تطورت الأفكار، في البحث عن التراث بالمعنى الجاد والعميق، تعددت المباحث في أن الحرف العربي من الممكن جداً أن يوجد في العمل التصويري أو الملون، ويصبح في الوقت ذاته من متعلقات الصورة، لا الصورة ذاتها. تقصد صيغة وضع الحرف تماماً كما تصوره في لوحتك؟ } أنا شخصياً أدعو إلى أن نبحث تشكيلياً في صوغ الصورة من جديد، فتجربة الحضارة العربية الإسلامية، منذ 14 قرناً، كان مركزها الحرف، وقد تنامت حول الحرف بيئتان: الشكل العضوي (الأرابيسك) والشكل الهندسي (المنمنمات والمسدسات و...). ماذا كان يعني هذا؟ كان يعني الآتي: الحرف يمثل القابل التشكيلي الأول للكلام الإلهي ومن حوله النبات يمثل عضوياً ظاهر الوجود، والأشكال الهندسية تمثل البنيان الداخلي للوجود. هنا كاد فن الحضارة العربية يصير علماً، لفرط تعلقه بتجربة تصوير الوجود على مستوى الحق ، وليس على مستوى التجربة الحقيقية للفنان. وهنا نلاحظ، أيضاً، أن فن الحضارة العربية تفادى طوال عصوره تسجيل تناقض الإرادات على مستوى السلطة والحياة الاجتماعية والحروب، إذ كان متجهاً نحو إثبات معادلة أخرى هي تجربة الموازنات الكونية، في الإيقاع والتوازن وتكرار الأجزاء والنظائر. كان هذا الفن أثراً من آثار الانفعال العميق للهيمنة القرآنية. هنا لا بد، مع إيقاع عالمنا المعاصر، أن نتحول من الحرف إلى تأليف الصورة من جديد. وبهذا، من الممكن جداً أن يصبح الحرف من متعلقات الصورة لا الصورة ذاتها، حيث تتسع الرؤيا وتحتشد كل العناصر، من تجربتنا الحضارية التي تعنينا، ومن تجارب الآخرين، لمعرفةً وجودنا وتقديراً لوجود الآخر. وفي اعتقادي أننا بهذا المعنى سوف نسهم في فنون الألفية الميلادية الثالثة، إذ إنه من الواضح أن الصورة ، بمعناها الواسع، سوف تشكل الملامح الأساسية لثقافة القرن الحالي، وينبغي ألا نتخلف عن صنع هذه الصورة مع الآخرين. ارتهان للتراث؟ لكن عن أي صورة تتحدث، فالفن انتقل من الصورة العامة الموجودة في الخارج إلى الصورة الخاصة الخارجة من داخل الفنان؟ } علينا الاستفادة من منجزات هذا القرن والقرون السابقة في فهم معنى الصورة، على مستوى التسطيح أو التجسيم أو الزخرف أو اللون، وإعمار الفراغ، لكن يتم كل ذلك بحاسة توحيدية، إذ إننا لا نتخاصم مع العالم، لكن علينا جمع العالم، وجمع شتات الصور، في كل مفرداتها، سطحاً وملمساً لصياغة صورة تجد موقعها في إبداع الإنسانية الجديدة. إن النظر إلى تاريخ المدارس الغربية المعاصرة قد يفيد، بمعنى أنها ذات صلة بفكر جمالي محدد وبواقع اجتماعي وثقافي محدد، لكنها، قطعاً، لا تشكل سلطة علينا، وعلينا أن نفطم أنفسنا من كل الارتهانات، ولا يتم ذلك إلا بإعمال الفكر. أي ارتهانات تقصد، في عصر العولمة الذي نعيش؟ } بدأت هذه الارتهانات التي أعنيها منذ إيفاد المبعوثين إلى أوروبا لتعلم الفنون، ثم لحق بذلك إنشاء كليات الفنون على نماذج كليات الفنون في فرنسا وإيطاليا وإنكلترا. أن نتعلم الطب، هذا ممكن لأنه علم، لكن المعنويات والجماليات لا يمكن أن نأخذها من الآخر، فهي ترتبط بالذات والذات العميقة لا السطحية، وترتبط بالماضي والحاضر والمستقبل، فحوار الآخر لا يعني التدامج النهائي فيه كما يظهر في كثير من التجارب الفنية العربية منذ أواسط هذا القرن. من جهة أخرى، هناك ارتهان للتراث نفسه، فاستنساخ التراث أيضاً، لا معنى له، إذ تقيد الزمان بما لا يقاس إلى الأمس، وقد تغيرنا نحن بما لا يقاس إلى أجيال الأمس، إذ علينا أن نجدد معرفتنا بأنفسنا ومعرفتنا بالعالم. هل تعني الصورة بالنسبة إليك ارتهانات ذاتية أم أنها تتردد بين الذات والموضوع؟ } الصورة تقع في مسافة بين الذات الفردية للفنان وبين تحقيقه لأعلى قدر من الموضوعية، حيث تنفسح الرؤيا للمتلقي في إدراك الصورة الجديدة، وكأنما هي مشاعة أو متاحة لكل العيون، إدراكاً وتذوقاً، لا يحدهما حد شخصي. وبالجملة، تتسع قراءة الصورة ولا تضيق بأحد. نفهم أنك من الداعين إلى التوازن بين الذاتي والموضوعي؟ } مستقبل الأشياء لا بد من ان يمشي في اتجاه التوازن ما بين الذاتي والموضوعي. هذا القدر من الموضوعية ضروري لمواجهة العالم.