لكي تستمر، يجب أن تكون حقيقياً Pour durer; il faut etre vrai. أرنست رينان ليست العمارة مجرد أبنية تنشأ لحل مشكلة وظيفية او غيرها وحسب، بل هي مظهر حضاري وقومي، وهي التي تحدد الشخصية الثقافية لشعب من الشعوب او أمة من الأمم.. وعلى الرغم من المميزات الكبيرة التي اختصت بها العمارة التقليدية العربية، فان التطور التقني والاجتماعي جعل هذه العمارة قاصرة عن إدراك الحاجات الجديدة لجمالية البنيان العربي المستحدث، لأن هذه الجمالية مؤسسة على المفهوم الغربي لعلم الجمال وليست على المفهوم العربي... انطلاقا من هذه المفاهيم، لا بد للزائر لمدينة النبطية ان يلاحظ هذا الخلط العشوائي، الذي يسود المظهر البنائي للعمارة المستحدثة، هذه العمارة الاعتباطية التي بلا جذور، والتي غابت عنها كل مظاهر الجمالية التي كانت سائدة في بيوتها العريقة والجميلة والمنتشرة في أرجاء هذه المدينة العاملية. لقد كان النسيج المعماري، في بلدة النبطية، منذ الستينيات، حيث كنت أزورها باستمرار وأمضي فيها فترة العطلة الصيفية عند بيت جدي (المجلس الثقافي للبنان الجنوبي حاليا)، نسيجا معماريا متلألئا، ومتأقلما مع جدلية الروح المتلائمة مع المفهوم العام للبعد السكني Habitat، المحافظ على روحية المكان وجغرافيته... لقد كانت نماذج بيوتها المنتشرة بين أحيائها، من حي النصارى (أو حي الميدان)، الى حي السراي، الى حي البيّاض، تشكل نمطا جميلا وجذابا لعمارة البيوت اللبنانية، التي كانت سائدة آنذاك في ربوع المدن اللبنانية، هذا البيت المغطى بالقرميد المرجاني الأخاذ، كله عافية وهناء ورغد عيش، مع بساطة في الفرش وفي المكان... صحيح ان العمارة العربية التقليدية الأصيلة، قد اهتمت بجوانية البيت او الدار، باعتباره هو المحور الأساس للنزوع الانساني نحو الاستقرار، واعتبار ان السكن هو العنصر الأهم لراحة الانسان واتصاله بالخالق عبر البهو الداخلي للدار، هذا الداخل الذي يمثل متعة للساكن. لذلك، فقد لجأت العمارة العربية الى ان تولي اهتمامها الكلي للداخل اكثر من الخارج، ولقد كان الداخل هو المرآة التي تعكس من خلالها روح الساكن وبعده الفكري والديني... ولكن العمارة اللبنانية قد اهتمت بالشكلين معا، لقد كانت الدور والبيوت في الجبل اللبناني (او ما يسمى بالريف اللبناني) اذا صح التعبير، هي درر موشّاة بعنصر الاناقة الخارجية بعناصرها كالقرميد الأحمر الجذاب، وفرنداتها الممتلئة بالزهور والورود (الجيرانيوم تحديدا في مدينة النبطية)، ومندلوناتها الأنيقة المظهر والرشيقة... لقد تميزت العمارة اللبنانية الريفية عن العمارة العربية الاصيلة انها راعت المظهر الجمالي الخارجي، مع التقيد التام بالعمارة الوظيفية في الداخل. من هنا نرى ان العمارة اللبنانية الريفية، لعبت دورا بارزا في إغناء الفن المعماري العربي المعاصر، بحيث أصبحت شاهدا ثرياً وحياً يدل على هذا التفاعل الغني بين جمالية الخارج للبناء ووظيفية الداخل، كل هذا جعل من العمارة الريفية اللبنانية نغما جميلا يُضاف الى سلّم الموسيقى في العمارة العربية... هجمة الباطون لكن الهجمة الشرسة للباطون، جعلت العمارة اللبنانية الريفية تنهار امام هذه البشاعة... فالعمارة الحديثة غيّرت بشكل كبير العادات والتقاليد، كما غيّرت العلاقات الاجتماعية بين الناس الى علاقات توتر ومجافاة، بعد ان كانت علاقة حميمية هادئة، انها عمارة تصادمية تنتهك لغة العين وتفترس جمالية المكان... لا شك ان المشهد المعماري تراجع كثيرا، وأول هذا التراجع، هو غياب الهوية المعمارية للمهندس، هل هو مهني أم مثقف، فنحن نريد بالمفهوم العام معماريا مثقفا واعيا مدركا لأبعاد العمارة الروحية والذاتية، نريد معماريا صاحب لغة معمارية، وهذه اللغة هي منتج اجتماعي، كما يجب ان تكون الثقافة المعمارية كمدينية Urbaine بامتياز، والذي يريد ان يؤسس لمفهوم معماري حداثي، يجب ان يدرك تكامل العمارة مع المكان والمشهد والموقع الطبيعي... صحيح ان مجمل مدننا هي مدن تاريخية مصنفة، وصحيح تماما ان العمارة لا تستطيع ان تكون خارج المعاصرة وان بدت أنها تميل نحو التراث والتموضع... ومن ثم فإنها منتج اجتماعي وانتروبولوجي. كان المعماري يدرك تماما ان عمارته هي الضوء الداخلي الذي يضيء على مساحة ذاكرته الزمنية، وهي صورة للموروث التاريخي والانساني الذي يؤطر حياته ضمن هذه الفسحة من الأرض ليكوّن فيها ذاته وعائلته التي هي محور كونه... لقد كان أجدادنا أكثر قدرة على التواصل الروحي والانساني والاجتماعي، مما جعل عمارتهم مرآة لهذه المفاهيم التي تجاوبت مع الرؤية الجغرافية للمكان وللمناخ الحميمي الذي يرتبط تماما بروحانية التجاوب الفعلي بين التمازج المكاني والمناخي لتصبح بعدها عمارة هادئة في جمالية متناغمة مع الذات والروح والمكان... ان النبطية، كانت إحدى هذه المدن الريفية اللبنانية التي كانت العمارة فيها متآخية تماما مع ذاتها ومتناغمة مع مفهومها الاجتماعي والجمالي، ذات عمارة بيئية جميلة، هادئة سليمة ومنمّقة. وكنت في كل مرة أزورها، أحس ان للمكان صلاة وجمالية، لا أعهدها في مدن اخرى، مدينة صغيرة بيوتها المنتشرة في أرجائها، كل بيت له خصائصه وعبقه التاريخي المتلائم مع روح المكان والانسان، تنضح بثراء معماري جميل، بيوتها الحجرية والمشطوفة المزروعة في حي الميدان، او حي السراي او حي البيّاض وفي التلال المطلة على سوق المدينة. قلّما وجدت في هذه المرحلة (الستينيات) عمارة متنافرة مع بنيانها، بل كنت أرى عمارة متماوجة بأناقة، تنعش فينا ذاكرة منسية وواقعا تاريخيا معاشا، فهنا بيت بهيج بك، وآل الفضل، وهناك بيت ميرزا، وبيت آل الصباح وبيت آل ضاهر وبيت آل فخر الدين... لكن ما جرى من تشويه وكأنه متعمّد، جعل المدينة، تنحدر نحو الفراغ الروحي والجمالي، وذلك بسبب هذا الكم الهائل من البنى الذي ليس له أية وظيفة، سوى تفاقم البشاعة في جو مشبع بالفوضى المعمارية التي لا أصول لها، ولا وعي ثقافي، ولا وظيفة جمالية، فما هي إلا اجترار مبرمج لعمارة تكاد تكون ذات لغة تافهة، عمارة فيها كثير من الثرثرة وعدم التوازن الكيفي، ما بين التأليف الوظيفي وعدميته... هي عمارة بلا روح وبلا عنوان، عمارة ذات بعد آخر، لا علاقة له بالبعد الكياني والتاريخي والجغرافي لمواطن عاش هاجس التجرد الحسي لواقع مدينة كانت مركزا تجاريا رائدا لمنطقة تضم عشرات القرى والدساكر... فالبعد الجمالي للعمارة الريفية، كان يرتكز على أسس واعية ذات بعد إنساني واجتماعي، فالمبنى المصمم جيدا يؤثر بالراحة والسمو على الفرد والمجتمع، ولقد كانت مخططات المنازل التي كان فيها كثير من البراعة والابداع، كان أساسها هو تأمين استخدام الفضاء الداخلي بكفاءة لخلق بيئة خصوصية للحياة الأسرية، الذي أصبح الآن مفقودا في طروحات المعماريين الجدد، الذين يكررون ذاتهم دون وعي ثقافي وإبداعي في جمالية معمارية لا تثق بذاتها ولا بوعيها التاريخي والانساني.. إذ أن العمارة أصبحت ذات رؤى تجارية بحتة عبثية وقبيحة لا تخدم الزمان ولا المكان، ولا الفضاء الداخلي، ولا الخارجي... فمن الصعوبة بمكان التفكير في هوية معمارية، من دون الحديث عن الهويتين السياسية والاجتماعية، وقبلهما الهوية الثقافية...