خوان خوسيه ميلاس، الحائز جائزة نادال وهي من أهم الجوائز الإسبانية، يدخلنا من خلال روايته هذا ما كنا نسميه الوحدة الى حيوات مدينية يومية التي على الرغم من مظهرها البسيط لا تتوانى عن الكشف عن أعماقها المعقدة والمعتمة. إنها قصة كمعظم القصص التي يعيشها معظم العشاق أو الأزواج أو الأفراد المعاصرين الأوروبيين أو الغربيين عامة، حيث العزلة التي تتآكل كلا من الرجل والمرأة تحت السقف الواحد لها أساليبها وتعابيرها وخلاصاتها الخاصة بهم، أي أن هذه العزلة تصل الى ذروتها فتحدث حقا لأنها تأخذ مجراها الطبيعي فتبدأ وتتفاقم ثم تنفجر. انها قصة امرأة ورجل متزوجين ولهما ابنة بالكاد تراها والدتها أو تعرف عنها شيئا. إنها رواية عن العزلة، عن فردانية الفردية حيث لا مجال لأي تسوية أو تنازل أو تغاض، عزلة أخذت تنهش روح وجسد هذه المرأة، إيلينا رينكون، عندما ماتت والدتها. تلقت الخبر عبر الهاتف، من قبل زوجها، بينما هي كانت في صالة الحمّام، تزيل الشعر عن ساقيها وتستعد للحمّام. إلا أن هذا الخبر جعلها تستعجل، فتركت الساق الثانية بوَبرها وهكذا ذهبت الى المأتم. علّق كثيرا الكاتب على هذه الساق غير الحليقة أو غير المنتوفة وظل يدلّ عليها حتى مرحلة متقدمة من الرواية، وذلك لإدخالنا شيئا فشيئا في عزلة إيلينا رينكون، وأيضا في إحباطاتها المتكررة، في فوضى أحاسيسها وشبه جنونها والعبثية التي اقتبستها من خلال إدمانها الحشيش. وعلى الرغم من الحياة الميسورة والمترفة التي أمّنها لها زوجها، ظلت مضطربة كأنها تبحث عن ضالتها الى أن تركت البيت الزوجي لتعيش بمفردها. الحيطان المسدودة على الرغم من وفرة أو غزارة الروايات في هذا الموضوع والتي ملأت مكتبات القرن العشرين حتى اليوم، إلا أن خوان خوسيه ميلاس عرف كيف يخرج عن المألوف ليصنع رواية تتألق بفرادتها ولياقة الأسلوب وخفته، ما أوصل العمل الى التميز عن سواه. فلا نقع على أي مبالغات في مواجهة العزلة، أو في مواجهة انقطاع التواصل بين إيلينا وزوجها، وتبقى المعالجة خفية وذكية وخاصة جدا. فبكل هدوء يوصلنا الكاتب الى الحيطان المسدودة أو الى الشعور باللاجدوى أو الى مواجهة اليأس بسبب مرض، دون تراكمات أسلوبية متكررة ونافذة، اعتدناها مثلا في كتب أخرى. تبقى إيلينا رينكون الشخصية الأساسية التي حولها تتمحور بقية الحيوات التي تنتمي إليها. ابنة إيلينا رينكون على تواصل متقطع أو سيئ معها وبالكاد نراها. فقط والدها يراها ويعرف تفاصيل حياتها، والسبب أنه أكثر اهتماما من زوجته إيلينا وأقل برودة منها مع الابنة. والدة إيلينا رينكون تموت منذ الصفحة الأولى للرواية إلا أن شبحها يرافق إيلينا طوال الكتاب من خلال يوميات دوّنتها في خمسة دفاتر، وكان على إيلينا أن تقرأ أجزاء منها كلما أتاح لها وقتها ومزاجها، كلما وقعت في اليأس أو الضجر أو الكآبة والعزلة، وكلما ايضا انتابتها نوبة من الدوخة او الغيثان او الألم بعد سيجارة من الحشيش. هذه اليوميات كانت تؤاسيها بقدر ما كانت تبعث فيها الاضطراب، فقصة حياة الوالدة تأخذ شيئاً فشيئاً بالتفشي داخل روح ايلينا رينكون وتتبلور أسرارها الصغيرة يوماً بعد يوم ولكنها أسرار قاسية. فإضافة الى ان هذه الأم التي تعايش الرواية من خلال يوميات امرأة صامتة ومغبونة، فهي تؤكد لإيلينا انها على غرارها امضت حياتها كلها في عزلة تامة عن الزوج الذي مع ذلك قاسمته البيت، وانها اكتشفت ذات ليلة امام المرآة وهي تتعرى لأول مرة لتنظر الى جسمها، فتكتشف ورماً في ثديها، وانها لم تتفاهم يوماً مع ابنتها البكر ايلينا (على غرار ايلينا مع ابنتها هي)، وانها في غمرة كل هذه القسوة والوحشة اخترعت امرأة بديلتها او انعكاسها وصورتها ومرآتها. هذه البديلة الوهمية تتراءى لها كلما شعرت بعزلة خانقة فتحدثها من المقلب الآخر للعالم كما تقول في دفاترها. إذاً تعيش ايلينا رينكون محطات والدتها، تتفاعل معها وتصاب في كل مرة بالانزعاج والغيثان. تشعر في صميمها بأنها تشبه والدتها في كل شيء. ولأنها خافت من ان تنال المصير ذاته ولأنها رفضت الحياة الخاملة والتابعة لزوجها قررت في احد الايام، وفجأة، ان تفترق عنه وان تعيش في شقة بمفردها. شبح السبعينيات ويلمح الكاتب، ولو بأسلوب هادئ جداً، الى ان ايلينا وزوجها كانا في السابق، ربما في السبعينيات، مناضلين يساريين، إلا انهما بعد نجاحه هو في بعض العمليات التجارية المشبوهة وغير المشبوهة، غيرا نمط حياتهما من ناشطين ايديولوجيين الى مستهلكين اضافيين في برامج الاستهلاك اليومي الراهن. فبطريقة خفية يشير خوان خوسيه ميلاس الى التغيير الذي اصاب الإنسان الغربي خصوصاً، مع غياب الايديولوجيا والفلسفة عامة واستبدالهما بالبطاقة المصرفية البلاستيكية. إلا ان معالجة الكاتب الاساسية تدور حول المشاكل التي تعيشها المرأة العصرية. انها معالجة واقعية وبسيطة، اي غير متكلفة وغير مدعية، من دون ان يبتعد كلياً عن روح الفكاهة. فالأمر الاكثر غرابة وطرافة وعبثا في آن، هو ذلك المتعلق بالتحري والدور الذي لعبه في حياة ايلينا رينكون. خطرت لها فكرة غريبة في احد الايام، وهي ان توظف احد رجال التحري لصالحها فيراقب زوجها في سفراته. فأفادتها هذه المعلومات السرية بأن زوجها لم يكن في سفرة عمل انما في سفرة استجمام وغرام. الا ان ما يفاجئ القارئ، هو انها على الرغم من حماستها لمعرفة حقيقة الأمر بسبب انزعاجها من تصرفات زوجها وشعورها بأنه يكذب عليها، تلقت الخبر بلا مبالاة كبيرة، ومنذ ذلك اليوم اخذت تطلب من هذا التحري ذاته والذي لا يعرفها ان يراقب ايلينا رينكون، اي ان يراقبها هي! فأوج بنية وحبكة هذه الرواية تكمن في هذه العلاقة الغريبة بين رجل التحري وايلينا، وأسميها علاقة، اذ تطورت من إخبار جاف وموضوعي الى تعليقات طويلة وذاتية! فكان التواصل شبه غرامي بين الاثنين، هو يراقبها وهي لا تراه لكنها تتحمس له، هو يخبرها من دون ان يعلم انها هي التي تتلقى هذه المعلومات، هي تتصرف في يومها وهو ينقل لها كل يومها بتلك التفاصيل التي طبعا تعرفها. انها الحياة العبثية بامتياز، خصوصا ان كل هذه المطاردة لم تصل الى اي تواصل حقيقي. وانتهى الامر معه كما انتهى الامر مع كل شيء مما كان يربط ايلينا به. تقول ان الحشيش كان البديل عن والدتها، وزوجها يكتب لها قائلا انه يفضل ان يراسلها، إذ إن رؤيتها سوف تجرحه. اما ما تشعر به بعد انفصالها عنه واختيارها حرية الحياة، فيضعها في تساؤلات حول شيخوختها وحول ما يحوطها مما لم تنتبه إليه من قبل: اليوم يوم أحد والناس والاشياء يفضحون حالة العيد لهذا النهار. لطالما خفت من الآحاد في ساعات العصر إذ كانت دائما تبدو كأنها قوسان مفتوحان داخل حياتنا، او نوع من التوقف عما نقوم به يومياً. اني في حالة جيدة، في سلام مع ذاتي وأشعر بشيء من الحماسة لمعرفة ما ستكون عليه حياتي في السنوات المقبلة، لمعرفة كيف سأشيخ، كيف سأسمي كل ما يخصني (صفحة 186). هذا ما كنا نسميه العزلة لخوان خوسيه ميلاس والصادر سنة 2006 عن منشورات ديستينو، رواية تمتزج فيها متعة حبكة الرواية بمتعة الغوص العقلاني، بعيداً عن تفاصيل القصة، في اعماق السيكولوجيات كما في العبثية الخفيفة والطريفة التي اعتمدها الكاتب، جاعلاً من عمله نموذجاً راقياً عن الواقعية المتخيلة.