ينتمي الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية ورئيس مركزها القانوني عبد الرّحمن الصّلح الى حلقة العائلات السياسية العريقة في تاريخ لبنان: والده رئيس الوزراء السابق سامي الصّلح وخاله رياض الصلح. عاش طفولة صعبة في ظلّ وفاة والدته بلقيس وهو لما يزل طفلاً في شهره الثاني فربّته امرأة مسيحية من الكحالة تدعى خولى مكرزل هو وشقيقته مي. ذاق في شبابه طعم القلق على والد انغمس في السياسة وبذل في سبيلها من وقته وماله، لكنها لم تبادله الوفاء فتعرّض لمحاولات اغتيال عدّة واضطهد إثر ثورة ,1958 لأنه ساند الشرعية اللبنانية ضدّ المخابرات السورية المتمثلة آنذاك بعبد الحميد السراج، فأحرق منزله في برج أبي حيدر، ولم تنصفه سوى ذاكرة البيروتيين واللبنانيين الذين عرفوه أباً للفقراء في أكثر الأزمات الغذائية صعوبة. هادئ حتى بطرافته، وهذا ليس غريباً، فالرجل ديبلوماسيّ تمرّس في مهام كثيرة من باريس الى القاهرة وعمان والنمسا وسواها، وهو سياسي من طينة الأوادم وقد باع والده رزقه لتمويل السياسة، ولم يستدر الأخيرة من أجل الثراء. ذكريات من الطفولة ولد عبد الرّحمن الصلح في 13 كانون الأول عام ,1934 لكن في هويته مدون أنه ولد عام ,1929 إذ كبّر سنه بعد أن أراد والده ترشيحه في مرحلة من المراحل للانتخابات النيابية، وكان تحت السّن. كان والده مدّعي عام التمييز ورئيساً أول في القضاء قبل أن يصبح رئيساً للوزراء، وتزوّج من بلقيس الصلح شقيقة رئيس الحكومة الراحل رياض الصلح. لم يكن عبد الرّحمن قد بلغ الشهرين من العمر حتى توفيت والدته فلعب سامي الصّلح دور الوالد والوالدة وامتنع عن الزواج ثانية خوفاً على سعادة ولديه. لم يشعر بنقص في الحنان أو بقلّة الاهتمام إذ كان محاطاً جيداً كانت جدّتي نظيرة والدة رياض تزورنا كل يومين آتية من منزلها في رأس النبع إلى برج أبو حيدر حيث منزلنا، عاملتني كإبن لها وأغدقت علي العطف والمحبة . ويضيف: إهتمام والدي كان كبيراً الى درجة أنه زوّدها علينا، فكنّا نأتي من المدرسة لنرى أن اساتذة لتعليم اللغات في انتظارنا مما لم يترك لنا فسحة للاسترخاء . تابع دراساته الابتدائية والثانوية في المدرسة العلمانية للصبيان ثم انتقل الى المقاصد بعد أن أصبح والده رئيساً للجنة التعليم، ثم إلى الآي سي بعد أن اختلف والده مع عمر الداعوق الذي رفض اقتراحاته لتطوير المقاصد عبر استقدام أساتذة لتعليم اللغات الأجنبية. بعد إنهائه المرحلة الثانوية انتقل الى جامعة القديس يوسف حيث درس الحقوق. يذكر عبد الرّحمن الصلح خاله رياض وكان يعطف عليه ويهتم به، ويذكر أنه بعد المحاولة الأولى لاغتيال رياض الصلح رافق والده سامي الصلح الى سوريا حيث التقى الأخير الرئيس أديب الشيشكلي: إكتشف والدي أن علاقة الشيشكلي بالقوميين السوريين كانت متينة فطلب من رياض عدم التنقّل كثيراً حتى تهدأ الأوضاع . أبو الفقراء طالما رافق عبد الرّحمن والده الى محكمة الجنايات سيراً من برج أبو حيدر كان يحبّ الالتقاء بالناس على الطرقات وهم كانوا يقصدونه الى منزله ليلاً ونهاراً بلا ضوابط أو مواعيد مسبقة، وكان يقصد السرايا الكبيرة سيراً خلافاً للعادات المتبعة حالياً. هذه المحبّة الصادقة للناس دفعتهم إلى تلقيبه ب أبي الفقراء . وترسّخ هذا اللقب بعد أن زار دمشق عام 1943 وكان رئيساً للوزراء وذلك لجلب كميات من القمح بعد انقطاعه فامتنع السوريون عن إعطائه القمح، وكاد يصل إلى طريق مسدود والبلد على شفير مجاعة والتجار يخبئون القمح في المخازن انتظاراً لفرصة بيعه بسعر أغلى. إستحصل سامي الصلح على بضع شاحنات جعلها تسير أمام سيارته وصرّح خلافاً للواقع أن كميات كبيرة من القمح ستتوالى الى لبنان، وأمر السلطات المعنية بمداهمة المستودعات حيث يخبئ بعض التجار المحاصيل وانخفضت الأسعار وأنقذ الناس من المجاعة. إلى ذلك كان الصلح يقدّم شهراً إضافياً للموظفين كلما عيّن رئيساً للحكومة، ومعروف عنه أنه أنشأ تعاونيات للموظفين وللفقراء والمحتاجين فأطلق عليه هذا اللقب. الديبلوماسي في أواخر الخمسينيات بدأ عبد الرّحمن عمله الديبلوماسي كملحق في القاهرة ثمّ فرنسا فألمانيا إلى أن عيّن سفيراً في النمسا عام 1967 ثم في عمّان وفي طهران حيث كان في بعثة مكثت هناك لشهرين فحسب. في عمان تعرّف الى الرئيس رفيق الحريري ثم عاد والتقاه لاحقاً. عبد الرحمن الصلح نجل سامي الصلح أحد أعمدة الدّوحة الصلحية التي ساهمت في صنع استقلال لبنان والتي ارتبطت حقبة سياسية في لبنان بها تبدو اليوم غير موجودة بفاعلية على الساحة السياسية اللبنانية، فعلى من تقع مسؤولية ذلك؟ وما مدى صحة القول بأن صعود نجم الرئيس الشهيد رفيق الحريري جعل دور العائلات البيروتية ومنها آل الصلح يتراجع؟ يجيب: صارت السياسة مرتكزة على الخدمات، وهذا ما ركّز عليه الرئيس الحريري منذ بداياته السياسية فترك أثراً طيّباً في قلوب الكثيرين. لم يقصّر الحريري في تقديم الخدمات التي لا تحصى وأحياناً قدّم خدمات لم يعلم بها أحد مما ترك أثراً كبيراً، هذا وقد مرّت مرحلة منع فيها الوجود السوري في لبنان بعض العائلات من القيام بدورها فضلاً عن انكفائها وتقصيرها . لعب الصلح أدواراً ديبلوماسية عدّة. في عام 1983 قبيل حرب الجبل حمل رسالة من الرئيس أمين الجميّل الى الرئيس المصري حسني مبارك وأبلغه بأن الوضع خطر جداً في لبنان، وتمنى عليه المساهمة في حل الأزمة اللبنانية قبيل هذه الحرب فسأله مبارك عن موقع سوق الغرب، فحدّده له الصلح مقترحاً إرسال كتيبة مسيحية درزية بقيادة ضابط درزي لطمأنة السكان هناك أعجبت الفكرة الرئيس مبارك، لكنّها لم تنفّذ في لبنان وحصل ما حصل . كذلك ساهم الصلح بإعادة العلاقات المقطوعة مع مصر في عهد الحكومتين، حكومة الرئيس العماد ميشال عون وحكومة الرئيس سليم الحص: كنت أتلقى تعليمات من الجهتين، أنفّذ المقبول منها وأهمل غير المقبول. إقتنع الرئيس الحص أنه من الواجب إعادة مصر إلى الحظيرة العربية للعب دورها فلم يمانع ومثله فعل الجنرال ميشال عون ومشى الأمر، فأجمع اللبنانيون على مصر بعدما عجزوا عن التوافق على قضاياهم الداخلية . عبد الرّحمن الصّلح هو اليوم أمين عام مساعد ورئيس المركز القانوني العربي في لبنان التابع لجامعة الدّول العربيّة، وشارك أخيراً عن كثب في المشاورات التي أجراها أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى لحلّ الأزمة اللبنانية. إنه رجل ديناميكي وديبلوماسي محنّك يصف الصلح موسى، مضيفاً: هذه الديناميكية أعطت زخماً للجامعة وللمتعاطين معها، وموسى يتمتع بجرأة الاقتحام . يعتبر الصلح أن موسى وضع الأسس لحل للأزمة اللبنانية الراهنة. ? هل صحيح أنه في زيارته للشام رفض السوريون المحكمة الدولية؟ } لا اظنّ ذلك، وأعتقد أنهم لم يدخلوا في التفاصيل معه. وهو كان مزوّداً بدعم سعوديّ مصري عربي بكلّ ما للكلمة من معنى. لقد تمكّن من شق طريق اساسي للحل ووضع هيكليّته بالنسبة الى المحكمة الدولية. طلب تأليف لجنة قانونية من كلا الطرفين ثم تطرق الى حكومة الوحدة الوطنية وتفاصيلها وبرأيي أن أي مبادرة جديدة لن تخرج عن الأفكار التي طرحها موسى. ? هل سيعود بعد أن غسل يديه من الأزمة اللبنانية؟ } هو وضع الأسس وعلى اللبنانيين البناء. ? هل ترى أن الأزمة الراهنة شبيهة بأزمة 1958 عندما انقسم اللبنانيون بين حلف بغداد ومشروع أيزنهاور والتجديد لرئيس الجمهورية آنذاك كميل شمعون؟ } إذا كان المقصد التوصل الى شعار لا غالب ولا مغلوب فالأمر ممكن، لأن أي حال لن يكون مقبولاً ومرضياً إلا إذا اعتمدنا هذا الشعار. من غير الجائز أن يخرج أي فريق من هذه الأزمة وهو يشعر بأنه مغلوب. إغتيال بطبق المغربيّة ! كان عبد الرحمن خارج منزل والده في برج أبي حيدر عندما أحرقه مسلحون قادمون من سوريا لأن العملية لم تكن محلية ولم يحقد أحد على سامي الصلح داخلياً وهو كان يدرك جيداً، كان والدي يعلم بالخطر المحدق به ويومها كان عتب على قوى الأمن التي لم تمنع المعتدين من التجني والاعتداء . تعرّض سامي الصلح مرّات عدّة لمحاولات اغتيال أبرزها في قهوة العجمي إذ سمّم له في طبق المغربية، لم يكن والدي يأكل اللحمة وجد نثرة لحمة في صحنه فامتنع عن تناوله وأنقذ نفسه من الموت تسمماً فيما تناول كولونيل في قوى الأمن طبقه وكذلك الصحافي أحمد شومان فنقلا الى المستشفى ونجوا بأعجوبة من الموت بعد شهر من العلاج . في مرّة ثانية كان ينزل من منزله في المنصورية فأطلقت عليه النار من سيارة فلم تصبه بل أصابت سيارة تقلّ امرأة حاملاً وأردتها. طلب سامي الصلح في حينه من نجله السفر إلى الخارج قبيل تعرّضه لهذه الأحداث، لأنه كان خائفاً عليه وكان ملحقاً في باريس. كان سامي الصلح في أعماق أزمة 1958 ودفع غالياً ثمن مواقفه إذ اتهم بالتحيّز وخرّج عن دينه وأحرق منزله وتعرّض لمحاولات اغتيال وأخرج من البلد شبه منفي، لكنّ البيروتيين أعادوا إليه الاعتبار عندما انتخبوه عام 1964 بأكثرية ساحقة نائباً عن بيروت وهو توفي في عام .1968 كان السؤال الأخير الذي سأله سامي الصلح قبيل وفاته حين كتب الفصل الأخير في مذكراته بعنوان سوف لن يرحمهم التاريخ عرض فيه الوضع القائم في البلاد، وتساءل: لا بدّ لي من طرح السؤال مجدداً والألم يحزّ في نفسي: إلى أين، الى أين يا لبنان؟ . يجيب نجله بعد 38 عاماً: رأى والدي في تلك الحقبة أن مصير لبنان يتلخص بما عنون به مذكراته: العبث السياسي والمصير المجهول ، اليوم أرى أن استمرار الأزمة في هذا الشكل المتصاعد يضع الكيان اللبناني برمّته في خطر . الصلح يرشّح المعوشي للرئاسة إضطهد سامي الصلح إسلامياً، لأنه وقف في وجه تيار جمال عبد الناصر الذي أدرك في ما بعد أن البعض إستغل الثورة لمآرب خاصة، وكانت للرئيس المصري حساسية تجاه الرئيس شمعون. لا للتجديد، لا لحلف بغداد، لا لمشروع ايزنهاور . على هذه اللاءات الثلاث قامت ثورة 1958 التي استمدّت دعمها المالي والسياسي والعسكري من الخارج، كما أعلن ذلك بعض قادتها في ما بعد. أعلنت الحكومة مراراً أنها ضدّ التجديد وأنه لن يتمّ مهما كلّف الأمر، ورفض سامي الصلح علنا ورسميا الانضمام الى حلف بغداد أو أيّ أحلاف أخرى التزاماً بموقف مجلس رؤساء الحكومات العربية المنعقد في القاهرة عام 1955 والذي شارك فيه ممثلا لبنان. أما مشروع إيزنهاور، فلم تبادر المعارضة بعد وصولها الى الحكم في العهد الجديد إلى طلب إلغائه، واستمر لبنان بالإفادة منه، ناهيك عن أن شعار المعارضة عندما تسلّمت السلطة كان قطف ثمار الثورة، لكنها لم تلبث بعد حين أن تراجعت عنه وعادت إلى الحال التي كانت عليها قبل اندلاع هذه الثورة تحت شعار لا غالب ولا مغلوب ، وذلك لضمان مشاركة الأطراف الأخرى في الحكومة ووقف مسلسل الأحداث وإعادة الأمن الى البلاد ، كما أورد الصلح في مذكراته. ويقول نجله اليوم: وقف والدي ضدّ التجديد لشمعون وهذا ما أسرّ لي به مراراً قائلاً إن التجديد لا يجب أن يمر، وقال لي مراراً يا ليت البطريرك المعوشي يكون رئيساً للجمهورية، لأنه اقتنع به كرجل وقبضاي وصاحب مواقف وهو ظلم في هذا الخصوص وبدليل أن حكومتي لم تقدّم مشروع قانون لتعديل الدّستور. ووقف ضدّ حلف بغداد بتأثير من الهاشميين. أما عن مشروع أيزنهاور فيقول: كان والدي مع مشروع أيزنهاور، لأنه تأثر بالرئيس أيزنهاور الذي لعب دوراً في إجلاء القوات الإسرائيلية والبريطانية والفرنسيّة التي احتلّت قسماً من قناة السويس. إعتقد والدي أن العرب يستطيعون الإفادة من مدرسة أيزنهاور ورأى أن معاداة مشروع أيزنهاور تخدم إسرائيل التي تريد احتكار أميركا. مشى بمشروع أيزنهاور لكن ثمة أخطاء شخصية مثل التقسيمات الانتخابية جعلت المعارضة تستغلها تحت ستار معارضة مشروع أيزنهاور. ثمة تصريح لريمون إده أحد أقطاب المعارضة يقول فيه لجريدة الشعب عام 1961: الحكومة اللبنانية لم تلغ مشروع أيزنهاور (على أيام الرئيس فؤاد شهاب) ولبنان يقبض المساعدات الأميركية بموجبه، وجاء قول إده في مطلع العهد الجديد بعد انتهاء ولاية شمعون. ويتساءل الصلح: إذا كانت المعارضة أعلنت الثورة على أساس أن هذا المشروع هو خيانة، فلماذا لم تلغه في المجلس النيابي الجديد، وحصلت أول حكومة في العهد الجديد على مساعدات بموجب هذا المشروع؟ فكيف يمكن الإبقاء على أمر استوجب ثورة؟! هذه قصة فظيعة لا يتحدّث عنها أحد . في آخر أيامه كان لدى سامي الصلح تصوّر بأن البلد قادم على كوارث ومن الصعب أن يصطلح الوضع في ظل وجود سياسيين أصحاب مصالح ورجال لا يفكرون ولا يعملون إلا لمصالحهم ويسيطرون على مقدّرات البلد، والناخبون يساقون كالغنم الى صناديق الاقتراع . يضيف الصلح في هذا الخصوص: المستغرب في هذه الأيام الصعبة بأن معظم السياسيين يمتلكون ثروات طائلة، صارت السياسة مورد رزق في ما كانت سابقاً مورداً للخدمة العامة. رئيس الجمهورية السابق ألفرد نقاش كان قاضياً مات في دير، ولم تكن عائلة خير الدين الأحدب تمتلك مالاً لنقل جثمانه من مرسيليا الى بيروت فتبرع تاجر كريم من آل الأشقر بنقل الجثمان . يضيف: بالعودة إلى الدّوائر العقارية نكتشف أنه كانت لوالدي عقارات كثيرة فباع نصفها لتمويل عمله السياسي. الدوائر العقارية تشهد بذلك أما بعض السياسيين ومن الطوائف كلّها فيملكون ثروات طائلة جنوها من مال الشعب. وهذا ما يجعل الإنسان يقول في الماضي كانت توجد بساطة وطهارة في العمل السياسي وهي غير موجودة اليوم إطلاقاً . عبد الرّحمن الصلح متزوج من مي ياسين وله منها سامي ورياض.