As Safir Logo
المصدر:

دفتر بيروتي

كلية الطب في بيروت العام 1920
المؤلف: العارف اسامة التاريخ: 2006-12-29 رقم العدد:10589

أثناء المعارك الحربية التي كانت تدور في بيروت بين المنطقتين الشرقية والغربية في غمار الحرب الأهلية التي شهدها لبنان، وحين كانت لغة المعارك تتحول إلى التبادل العشوائي للقصف كانت زوجتي تطلب إلي أن أنقل العائلة إلى مكان آمن. وكانت المشكلة هي إلى أين نذهب؟ وبالرغم من أننا كنا دوماً نعثر على مكان ما، إلا أن زوجتي كانت تكرر لي دوماً: أنها تأسف لأنها تزوجت من بيروتي مع أنها هي أيضاً بيروتية، وكانت تقول: لو أنني تزوجت من شخص من غير بيروت لأمكننا الالتجاء إلى مدينته أو قريته لنحمي أنفسنا. أما وأننا نحن الاثنين بيروتيان فأن مصيرنا دوماً أن لا نعثر على مكان طبيعي آمن نلجأ إليه. هؤلاء البيروتيان أنا وزوجتي اذا ما فتشت عن أصولهما تجد أنهما مستجدان في بيروتيتهما، فهي من عائلة علايلي التي يرجع نسبها إلى جزيرة كريت اليونانية. أما أنا فمن أصول تركمانية حيث إن نسبي يعود إلى قرية من قرى دياربكر تدعى يني بقجة نزح أهلها التركمان نزوحاً جماعياً إلى سوريا في قرية أسسوها فيها على أنقاض مدينة كان الصليبيون قد بنوها وتدعى زارا تيمناً باسم مدينة يوغوسلافية انطلقت منها إحدى الحملات الصليبية، وتقع هذه القرية في قضاء تلكلخ، وهي في مكان قريب من ضفاف النهر الكبير الذي يحد سوريا ولبنان. وتلك هي حال أغلبية أهل بيروت إذ نادراً ما تعثر على شخص تعود أصوله إلى بيروت منذ عهد الفينيقيين أو الرومان، فكلهم جلب على حد تعبير أهل بيروت. وكيف يمكن غير ذلك خصوصاً إذا عرفنا أن عدد سكان بيروت كان عام 1821 خمسة آلاف نسمة فقط. صديقي كمال تعود أصوله إلى أورفه في تركيا، وجلال يعود نسب والدته إلى ماردين، أما جيرار فأرمني تعود أصوله إلى أضنه في تركيا، وجمال ينتسب إلى إحدى العائلات الألبانية الارناؤوطية.... الخ. وهذه هي حال أغلب العائلات البيروتية، فآل العيتاني والحص وبيهم وادريس من أصول مغربية وآل شاتيلا قدموا إلى بيروت من وادي التيم، وأما آل التويني فمن حوران في سوريا وكذلك آل فرعون، وفي حين أن آل مجدلاني قد قدموا من راشيا فإن البعض يقول إنهم من العاقورة. كما أن آل الصحناوي قدموا من دمشق وكذلك آل قساطلي، أما آل اده فقدموا من بلاد جبيل وآل سرسق من البربارة في حين أن آل بسترس هم في أصولهم قبارصة يونانيون.... الخ. ويشار إلى أن هناك عائلات بيروتية مسيحية كثيرة من أصول حلبية قدموا إلى لبنان في الستينيات من القرن المنصرم وقد سكن القسم الأكبر منهم في منطقة بدارو مثل آل توتونجي وعبجي وكنيدر، ويقال إنهم يتصرفون باستعلاء على موارنة لبنان ذوي الأصول الفلاحية في حين أنهم ينتمون جميعهم إلى عائلات بورجوازية حلبية. إلا أن بيروت على ما يبدو ذات صدر رحب فما إن يسكنها أحد حتى تطبعه بطابعها وتضفي عليه من حنانها فينسى أصوله والمنطقة التي جاء منها وتستغرقه تلك المدينة ويأنس إليها ويشعر بحرارة الانتماء إليها حتى أنه يصل في مرحلة من المراحل إلى التعصب لها وعدم الترحيب بالقادمين الجدد إليها حتى أنه ينسى أنه هو أو أبوه أو جده كان يوماً من الأيام قادماً جديدا. ومن نتائج ذلك أن البيروتي إذ يعتز ويفخر بانتمائه إلى بيروت يفاجأ مع الأيام بأنه يفقد هذه الميزة خصوصاً في مرحلة الهجرة الكثيفة إلى بيروت منذ الخمسينيات بعد اغتصاب فلسطين، ومع بدء حركة التصنيع الخجولة في المناطق المحيطة ببيروت، إذ استوجبت تلك المرحلة نزوح عائلات من سائر أنحاء الجبل والجنوب والبقاع لتلتحق بالعمل في هذه المصانع وسكنت قرب أماكن عملها في بيروت وأصبح هؤلاء بدورهم بيروتيين. إلا أن هؤلاء خلافاً لأهل بيروت القادمين إليها من خارج لبنان، منذ القرن التاسع عشر حتى أوائل القرن العشرين، توزعوا الولاء بين بيروت والمناطق التي قدموا منها، فأصبح ابن عائلة القبيسي مثلاً القادم من إحدى قرى محافظة النبطية موزع الولاء بين بيروت التي يعتبر نفسه منتمياً إليها حتى أنه نقل نفوسه لها وبين قريته التي يزورها في المناسبات ولكن التي ما يزال يحن إليها ويشعر بانتماء لها أيضاً. وهكذا ابتدأ ابن بيروت الكامل الولاء لها يضيق ذرعاً بهؤلاء الموزعي الولاء بين بيروت وقراهم التي أتوا منها ويراهم طارئين ويتهمهم بعدم الإخلاص لهذه المدينة التي حضنتهم. على أنه في الستينيات من القرن الماضي وبسبب عملية البدء بتحديث بيروت وبسبب التكاثر السكاني فيها بنتيجة حصول هجرات الفلسطينيين بعد 1948 والسوريين والمصريين بعد سنوات التأميم عام ,1961 صار هناك نوع من الهجرة المضادة إذ انتقلت عائلات بيروتية عديدة إلى الضاحية الجنوبية من بيروت وسكنتها وخصوصاً في منطقتي برج البراجنة والغبيري، ويبدو أن هؤلاء الذين تركوا السكن في بيروت وارتحلوا إلى ضاحيتها الجنوبية فلأن إمكانياتهم المادية لم تعد تسمح لهم بالعيش في بيروت التي ارتفعت فيها أسعار البناء وكذلك اكلاف المعيشة. وفي مرحلة لاحقة ولأسباب اقتصادية وأمنية نزحت منذ بداية السبعينيات آلاف العائلات البيروتية إلى منطقة عرمون حتى اعتبرت هذه الأخيرة بحق أحد أكبر أحياء بيروت في حين أنها لا تقع في بيروت. إن هؤلاء الأهالي الذين نزحوا من بيروت وغادروها هم ضحايا الطفرة العقارية التي شهدتها أسعار الأبنية في بيروت التي جعلت أهاليها لا يقدرون على السكن فيها، وتتحمل الحكومات المتعاقبة في لبنان تلك المسؤولية لأنها لم تضع خططاً لإبقاء هؤلاء في المناطق التي ولدوا وعاشوا فيها ضمن خطة سكنية، ولأنها كانت تجهد في التفتيش عمن يدفع سعراً أغلى في هذه المدينة البهية التي ما كان يمكن أن تكون كما هي عليه لولا هؤلاء الأهالي. ونعود لنشير إلى أن الاكتظاظ السكاني في بيروت عمره أقل من مئتي عام، ففي سنة 1821 كان عدد سكان بيروت خمسة آلاف نسمة كما أشرنا، وكانت صيدا وطرابلس مدناً أكثر أهمية منها، وفي عام 1840 أصبح عدد سكانها ثلاثين ألف نسمة. ويعود السبب في تحول بيروت إلى مدينة كبيرة إلى أن التجار الفرنسيين كانوا قد اختاروا عكا وصيدا مركزاً لتجارتهم في المنطقة، إلا أنهم اختلفوا مع والي عكا أحمد باشا الجزار لأنه كان معارضاً للامتيازات التي يحظون بها وبسبب احتكارهم بعض المواد، وتصاعد الخلاف بينهم إلى أن وصلت الأمور إلى طردهم من هاتين المدينتين، فانتقل هؤلاء التجار الفرنسيون إلى بيروت واتخذوها مركزاً لتجارتهم واستعملوا مرفأها الذي لم يكن كبيراً لتهريب بضائعهم إلى المنطقة. وقد أدى ذلك إلى أن قنصل فرنسا في صيدا لحقهم واتخذ بيروت مركزاً له، كما انتقل إلى بيروت قناصلة انكلتره وسردينيا وتوسكانا، وتحولت بيروت بذلك إلى مركز تجاري. وفي تلك المرحلة طرحت قضية استخدام مرفأ أساسي في المنطقة ليكون مفتاحاً للدخول إلى المنطقة العربية كلها، وعلى ذمة الزميل الصديق الأستاذ خالد لطفي وقع الخيار على مرفأ صيدا ليصار إلى توسيعه والانطلاق منه، إلا أن أهالي صيدا المحافظين رفضوا توسيع مرفئهم لخشيتهم من أن تصبح صيدا محطة للبحارة مما قد يؤثر على الأخلاق بشكل سلبي لأن سمعة البحارة كانت أنهم يبحثون في المرافئ عن المتعة بعد تمضيتهم أوقاتاً طويلة في البحر. وهكذا وقع الخيار عندئذ على مرفأ بيروت وجرى تلزيم السيد يوسف مطران عملية توسيع هذا المرفأ عام 1887 وكذلك شق طريق دمشق بيروت عام 1859 التي كان لا بد من قيامها لنقل البضائع إلى الداخل السوري، كما جرى مد خط سكك حديد بيروت دمشق حوران. كل ذلك جعل مرفأ بيروت المركز الذي منه تدخل المنتجات الأوروبية إلى سوريا وعبره تخرج المنتجات السورية. من جهة أخرى ساعد بيروت على تطورها ونموها تحولها سنة 1887 إلى مركز للولاية وتحولت إلى مركز يعج بالموظفين العثمانيين الذين يديرون منها أو عبرها خمسة سناجق هي سنجق بيروت وعكا والبلقاء وطرابلس واللاذقية. وفي عام 1866 أنشأ الآباء الإنجيليون في بيروت الكلية السورية التي عرفت في ما بعد بالجامعة الأميركية. ويذكر أن أول رئيس لهذه الجامعة صرح عند إعلانه القرار بفتح هذه الجامعة أنه أتى إلى بيروت ليفتتح جامعتين ملمحاً إلى أن الآباء اليسوعيين سيسارعون إلى إنشاء جامعة أخرى في بيروت كي لا يخسروا السباق على المسيحيين في المنطقة مع البروتستانت. وهذا ما حدث إذ قام الآباء اليسوعيون بنقل كليتهم من غزير إلى بيروت التي تحولت في ما بعد إلى جامعة القديس يوسف وأنشأوا مطبعة كبيرة تابعة لها، مثلما قامت بعثة كنسية أميركية بإنشاء مطبعة كبيرة أخرى في بيروت أكبر وأهم ونقلوها من أزمير حيث أقيمت أولا. ويبدو أن حظ بيروت يفلق الصخر لأن الجامعة الأميركية كان مقدراً لها أن تنشأ في مدينة حمص على ذمة الدكتور إبراهيم السلطي حيث يوجد عدد كبير من المسيحيين، وكانت البعثة التبشيرية الإنجيلية تهدف إلى تحويلهم إلى المذهب البروتستانتي، إلا أن الرأي استقر بعد ذلك على إنشائها في بيروت. إلا أن الغريب أن عدداً لا بأس به من موظفيها والعاملين فيها جاء من محافظة حمص نفسها خصوصاً من قضاء تلكلخ حيث يوجد ما يعرف بوادي النصارى. ومن هذه المنطقة جاء أيضاً عدداً لا بأس به من رواد الحداثة ممن ارتبطت أسماؤهم بالجامعة الأميركية في بيروت مثل يوسف الخال وفؤاد رفقة وآل اليازجي وحليم بركات وغيرهم. وهكذا في أقل من مئتي سنة أصبح عدد سكان بيروت يتراوح بين مليون ومليون وخمسمئة ألف بعد أن كانوا عام 1821 خمسة آلاف نسمة فقط. ويعرف عن أهالي بيروت إيمانهم بالعروبة، ولم يعرف عنهم يوماً أن اتخذوا موقفاً مجانباً للصواب في قضية قومية. إلا أن علاقتهم بجارتهم سوريا كانت دوماً مشوبة بعدم الثقة بحكوماتها. وباستثناء مرحلة انتصار الثورة العربية عام 1915 حيث كانوا مؤيدين لأن يكون الأمير فيصل ملكاً على الدول العربية ومركزه دمشق، ومرحلة الوحدة المصرية السورية التي أيدوها بقوة بسبب حبهم لجمال عبد الناصر، فإن الحذر كان يشوب علاقتهم بدمشق بالرغم من وجود صلات عائلية واسعة بينهم وبين السوريين. ويبدو أن هذا الموقف وتلك الحساسية بين اللبنانيين عموماً والسوريين، يرجعان إضافة إلى الأسباب السياسية المعروفة العائدة لعدم قبول سوريا باستقلال لبنان عنها إلى غلبة الروح القبائلية في العالم العربي بين أبناء كل بلدين متجاورين: بين مصر والسودان مثلا، والجزائر والمغرب أيضا، وبين تونس وليبيا، ولبنان وسوريا، وبين سوريا والأردن، وبين هذين البلدين مع السعودية ، وهذه الأخيرة مع الكويت ومع قطر... الخ. وبالرغم من الشعور بالانتماء العربي لهذه الشعوب إلا أن هناك حساسية دفينة بين أهالي كل بلدين متلاصقين في حين يجمع أهالي كل بلد عربي ودّ مع أبناء بلد عربي آخر بعيد عنهم. ولا أدري ما يمكن تسمية هذه الحساسية التي تصل أحياناً إلى حدود الكراهية. إلا أن عروبة أهل بيروت فيها شيء من الفولكلورية، ولقد حدثني والدي المرحوم عارف العارف أن أستاذه في الكلية الإسلامية الشيخ مصطفى الغلاييني كان علماً من أعلام العروبة وعالماً لغوياً كبيرا، إلا أن والدي كان يحس بأنه بالرغم من إيمانه بقضية العروبة إلا أنه كان يفضل اللبناني على السوري، وبين اللبنانيين كان يفضل البيروتي على ابن البقاع مثلا، وفي بيروت كان يفضل ابن الحي الذي يسكن فيه على أبناء الأحياء البيروتية الأخرى، وهو أمر يثير الاستغراب.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة