نبض بيروت مرتفع وضغطها عال بفعل احتقان الشارع المتأتي من انسداد الأفق السياسي. إنه تشخيص نظري سهل لكنّ التوغّل في الشوارع البيروتية المكتظّة يسبب المرارة والحزن ويزرع الخوف: في قلب العاصمة يكتشف الإنسان لبنانات على مقاسات الطوائف وكأن اللبنانيين لم يتعلّموا شيئا من حروبهم وحروب سواهم على أرضهم. يصدح صوت الآذان من جامع البسطة التحتا، إنها صلاة الظهر. صوت المؤذّن يكسر صمت الحيّ البيروتي الغارق في سكون مريب على الرغم من عجقة السيارات. النساء يتسوّقن ما تيسّر من الفاكهة والخضار واللحوم قبيل الأعياد، ورجال يجلسون أمام دكاكينهم، سلوتهم الوحيدة سبّحات قديمة وهم يتأملون المارّة بصمت. تعلو على إحدى البنايات صورة عملاقة للرئيس الشهيد رفيق الحريري ونجله الشيخ سعد الحريري رئيس الأكثرية النيابية الحالية، تبدو الصورة أنها تعرضت لتمزيق طفيف على أطرافها ، لكنّ قصّتها لا تبدو بسيطة البتّة، يهمس الجميع بها من دون أن يجرؤ أحد على رفع صوته. البناية السكنية المعلّقة عليها الصورة تخصّ مختار محلّة الباشورة الحاج مصباح عدنان عيدو الجالس وراء مكتبه في الطابق الأول يستقبل مواطنين. يعلّق عيدو على الحائط وراء المكتب لوحة تمثل بطاقة هويّة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وفيها الاتي: الإسم: شهيد الوطن دولة الرئيس رفيق، الشهرة: الحريري، إسم الأب: لبنان العربي، إسم الأم وشهرتها: سيدة العواصم بيروت، محلّ الولادة: الوطن العربي، المذهب: وطني، الشعار: كلنا للوطن، رقم السجل: 10452 كيلومتر مربع، التاريخ: 1944/.2005 سكّان هذه المنطقة هم من البيروتيين السنّة والشيعة عاشوا أيام الحرب السوداء من دون أي مشاكل بينهما، المنطقة متوازنة من حيث العدد يقول الحاج مصباح. يبدو الناس في البسطة التحتا شديدي التحفّظ، المختار من جهته ينفي حدوث أي إشكال متأت من الخلاف السياسي في البلد بين الحكومة والمعارضة، أبناء المحلّة الأصليين لم يتأثروا بالجدل الحاصل والخربطات أتت من أشخاص من خارج المنطقة ، هذه الخربطات تمثلت بتمزيق الصورة المذكورة ثلاث مرّات، مما استدعى تدخّل العقلاء من السكان الأصليين وخصوصا الشيعة منهم لمنع بعض الشبان وهم من خارج المنطقة من الاعتداء على الصور مجددا تعبيرا عن رأيهم السياسي المخالف لتوجهات نجل الرئيس الشهيد. هكذا يعبّر اللبنانيون عن مواقفهم السياسية في الآونة الأخيرة، فبعد حرب تموز وتوقف الحوار بين المعارضة الممثلة ب حزب الله و حركة أمل و التيار الوطني الحر وتيار المردة وحلفائهم، وبين الحكومة الممثلة برئيسها فؤاد السنيورة و تيار المستقبل والحزب التقدمي الإشتراكي و القوات اللبنانية وحلفائهم، اختلفت وسائل التعبير التي اتّخذت منحى تصاعديا مع بداية اعتصام المعارضة في ساحتي رياض الصلح و الشهداء في الأول من كانون الأول: بدءا من تمزيق صور متبادل يصل الى حدّ التضارب والتعارك بين الشبان في الأحياء المختلطة المسلمة والمسيحية وينتهي الى تكسير وتحطيم ومشاغبات كما حدث في قصقص في بداية الإعتصام. ألطف أنواع التعبير السياسي السلمي هو كيل الشتائم للآخر المختلف برأيه السياسي، وأكثرها هدوءا التحفّظ التام عن إعلان الميل السياسي أو تلوينه حفاظا على المصالح وخصوصا في المناطق المختلطة. يعمل فؤاد جوني سائقا، يسكن في البسطة التحتا فيما هو من قرية رومين الجنوبية، أنا مع الحريري لأنه يمثّل لبنان الحق يقولها بالفم الملآن مضيفا: أنا لا أؤيّد الإعتصامات الجارية في وسط بيروت إذ لا أعرف ما الغاية من الشارع؟ ، يمثّل جوني المنتمي الى الطائفة الشيعية حالة نادرة أو غير مقنعة وسط اصطفاف شيعي كبير مؤيّد للخطّ الذي ينتهجه أمين عام حزب الله السيّد حسن نصر الله. جاره علي (اسم مستعار) يتطلّع يمنة ويسرة قبل إبداء رأيه، يجب مراعاة الجيران، ثمّ إنني بائع ولا أريد أن أقطع رزقي إذ إنني أتعامل مع الكثير من التجار الذين لا يقاسمونني الرأي . من مزّق صور الرئيس الحريري؟ علي الساكن في المحلّة منذ 25 عاما يجيب: من مزّق الصور شبّان غير محسوبين على أحد، أساؤوا الى حزب الله والى حركة أمل ولا أحد يعرفهم . يتأفف علي من قلّة البيع كان كثر من مسيحيي المناطق الشرقية يقصدون المنطقة للتبضّع صاروا يخافون اليوم بسبب الاحتقان الحاصل . يزداد الوضع تعقيدا كلّما ازداد الإختلاط في الأحياء ولكن أيضا ضمن العائلة الواحدة. علي متزوّج من سنّية وسأتزوّج سنّية ثانية يقول مازحا. لا يمكن أن تحزر ولاء الشوارع البيروتية، فما أن تطلّ صورة عملاقة للسيّد حسن نصر الله والرئيس نبيه برّي حتى ترى وراءها مباشرة صورة أخرى لرفيق وسعد الحريري، الصور تتكاثر بين برج أبي حيدر وبربور، شمالا ويمينا صور كبيرة لزعماء مثل الجنرال ميشال عون والإمام موسى الصدر والرئيس نبيه برّي وسواهم. حيّ اللجا أصفر وأخضر هنا في حيّ اللجا تزداد الحركة بعد الظهر فالناس يخرجون من أعمالهم ويقصد معظمهم ساحة الشهداء للاعتصام، إنه حيّ شيعي بامتياز والصور من لون واحد أصفر المقاومة وأخضر أمل والأعلام تباع بالعشرات. إنها حكومة حراميّة مستبّدة نصّابة ومحتالة يقولها السيد الذي رفض ذكر إسمه والذي يتحضّر للنزول الى ساحة الاعتصام، أسافر كثيرا ولا أريد أن أسبب المشاكل لنفسي لذا لن أذكر اسمي ، يسرع الى سيارته المكتظّة برجلين متوسّطي العمر يحمل كلّ منهما علما لبنانيا. يعبّر الناس عن مواقفهم بصراحة أكثر في الأحياء التي تتلوّن بلون سياسي واحد، ماهر يقول بأن الوضع مؤثر جدا وهو تردّى بعد الإشكال الذي وقع في منطقة قصقص (ذهب ضحيته الشاب أحمد محمود نتيجة إطلاق الرصاص عليه)، كلّ ذلك بسبب التحريض الحاصل من السياسيين وكأن كلّ واحد منهم يوجّه التهم بالقتل الى الآخر . يغلق ماهر محلّ الخضار خاصّته يوميا بعد الظهر أشارك في الاعتصام يوميا ولن أتردد في الإقفال الدائم إذا استدعى الأمر ، ماهر يؤيد المعارضة لمّا كانت الصواريخ الإسرائيلية تنهمر فوق رؤوس الأبرياء كان ثمة سياسيون يستقبلون كوندوليسا يقولها ماهر بغضب. الظريف وجوّ غير ظريف يعتبر الشيعة والسنّة أن إسرائيل هي عدوّهم الأوحد إلا أن الجنوب اللبناني ذا الغالبية الشيعية هو الأكثر تأثرا بضربات إسرائيل المتكررة منذ سبعينات القرن الماضي. وإذا كان كثر يعتبرون أن حزب الله تسبب بالحرب الأخيرة وبتدمير الجنوب فإن لسان حال مؤيديه تقول كما يقول أحمد زيعور من الباشورة: لطالما دمّرت إسرائيل الجنوب قبل هذه الحرب، هذه المرة أضافت الضاحية والجسور . ماذا عن اتهام المعارضة بأنها تريد عودة السوريين الى لبنان؟ يجيب زيعور: عندنا عون بعد نصر الله وحين كان يحارب السوريين وينفى 15 عاما أين كان السنيورة وجنبلاط . ولم يحبون السيد نصر الله الى هذا الحدّ؟ إنه خطّ أحمر بالنسبة إلينا، حررنا من الخوف من إسرائيل منذ العام 2000 حتى ولو كنّا ننام على منازلنا المدمّرة فإننا ننام محررين من خوفنا. اليوم توجد خروقات يومية للطيران الإسرائيلي فليتفضّل (الرئيس فؤاد) السنيورة ويمنعها . ويختم أحمد: قبل أن يدعو جعجع وجنبلاط الى إنشاء المحكمة الدولية فلينظروا قليلا الى تاريخهم الدموي وليسألوا عن الأسرى الذين اختطفوهم وعادوا من خارج لبنان . الصوت المرتفع لأحمد يقابله صوت شيعي منخفض لحسن الريحان إبن النبطية الذي يسكن في منطقة الظريف منذ 34 عاما وهو صاحب محلّ لتصليح الدواليب أيّة كلمة نتفوّه بها تؤثّر على الهواء الذي نتنشّقه يقول حسن وهو يحتسي كوب الشاي. الحزازيات بين الجيران والأصدقاء ازدادت في الآونة الأخيرة، صار كلّ شخص يريد أن يصافح الآخر عليه أن يعرف ولاءه السياسي أولا، بعض الزبائن وهم ليسوا كثرا امتنعوا عن إصلاح دواليب سياراتهم عندي، لكن لحسن الحظّ أن معظم الناس يدركون بأن العلاقات الإنسانية تبنى على أساس الثقة وليس الطائفة أو الموقف السياسي . يسكن حسن في بناية مختلطة، اتفق الجيران في ما بينهم على عدم تعليق أي صورة لأي زعيم تلافيا للحساسيات في ما بينهم اتفقنا ألا ندخل في الزواريب الضيقة لأن نهايتها قاتمة . لا يبدي حسن رأيا صريحا في الاعتصام الحاصل في وسط المدينة أنا مع الحق وألا يأكل أحد حق الآخر عانى حسن من ويلات حرب 1975 فاضطرّ الى حمل أولاده الأربعة مرارا من منطقة سكنه في البسطة الى سوريا والى النبطية. يقول حسن بأن المحكمة الدولية ضرورية لكن يصعب أن تصل الى نتائج لا احد يجرؤ على تعيين قاتل في جريمة عادية فكيف إن كانت بهذا الحجم كما حدث للرئيس الشهيد رفيق الحريري؟ . في الظريف يوجد اختلاط نسبي وكثر من الناس متضايقون مما يسمونه عرض العضلات الذي يقوم به مناصرو تيار المستقبل مما يسبب الإشمئزاز . ولدى الإستفسار عن عرض العضلات يجيب أحد الساكنين هناك كلما أرادوا المشاركة في تظاهرة يتباهون بذلك علنا وكأنهم ذاهبون الى حرب وهذا أمر غير مفيد للتعايش ويسبّب قلقا نفسيا لكثر فيتمنى البعض الانتقال الى منطقة اخرى أو الهجرة . بعض الناس مثل أحمد صاحب المخرطة يرفضون الحديث الى الصحافة إذا لم يأخذوا صكّا أكيدا بالولاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري عذرا لكنني أفضّل التحدّث الى صحيفة المستقبل يقول أحمد بصراحة لكنّه لا يتردّد البتّة في ترك مخرطته وعدّته ومواكبتنا في جولتنا من دون استئذان! يجلس خليل ابراهيم في محلّ الأدوات الصحية خاصته حيث صور الرئيس الحريري في كل مكان، كلّ طائفة تعتقد أن زعيمها على حق، وأنا أعتبر بأن سعد الحريري هو زعيمي وولائي له كامل . ولماذا هذه القناعة بالشيخ سعد الحريري وما الذي يمثله لخليل؟ يسكت لبرهة ثمّ يجيب: إنه الوطني الوحيد في لبنان ورمز للمستقبل ، كيف ذلك؟ يسكت لبرهة أطول ولا يجيب ثمّ يقول بعد أن فكّر مليا لأنه ابن الشهيد . يعترف خليل الذي يتحدّث بصراحة الشباب بأن الناس باتت تأخذ احتياطات من بعضها البعض، كل إنسان لحالو، ولا أحد يذهب إلا الى الجو الذي يرتاح إليه . الجوّ الذي يقصده خليل هو الجوّ السياسي الشارع محتقن على الآخر، ذهب صديقي الى حيّ (ما) لزيارة أصدقاء فعلق مشكل على كلمة وتلقى 12 سكينا!!! . لم يحص خليل عدد السكاكين التي نالها صديقه الثلاثيني. هكذا تناهى إليه وهو يقول لا أتحدّث الى أصدقائي من الخطّ الآخر . يقول أحد زائري المحل بأن هذه المشاكل لا تحصل إلا في المناطق حيث الإختلاط بين الناس ضئيل وحيث نسبة الجهل كبيرة . أما خليل فيطالب بصوت عال بالمحكمة الدولية لإيقاف الاغتيالات . الجيّد أن العدو بنظر خليل هو إسرائيل فحسب أما الآخر المختلف فهو خصمي السياسي لم نصل بعد الى مرحلة العداوة . قتلوا فينا الحب يعاني مصطفى المهلل وهو في الخامسة والأربعين من العمر من مرض السكري. يعتاش منذ 35 عاما من سناك صغير في منطقة الظريف. لا يتعاطى مصطفى في السياسة وينام باكرا كي لا يحضر الأخبار، لكنّه في المرحلة الأخيرة تعرّض للضرب من قبل جاره بسبب سوء تفاهم سبّبه أن مصطفى كان متضايقا من نضوب مادة الأنسولين من الأسواق في المرحلة الأخيرة، لقد سامحت جاري لأنه جاري، ولم أرغب في أن تصبح المشكلة أكبر كي لا تحسب على الأزمة السياسية الحاصلة . يلخّص مصطفى ما يحدث كالآتي: قتلوا لنا رفيق الحريري يوم عيد الحبّ في 14 شباط (2005) ليقتلوا فينا الحبّ والأمل، لا يريدوننا أن نحبّ بعضنا هذه كانت الرسالة . يضيف: لم يعد من السهل التعبير عن الموقف السياسي إذ يحسب طائفيا. يريدون إسقاط السنيورة وأنا أرفض ذلك لأنه يمثلني كسنّي . وماذا عن المطالبة بإسقاط رئيس الجمهورية؟... هذا أمر مختلف لأن الرئيس ممدّد له من قبل النظام الأمني السوري اللبناني هكذا ينجرف مصطفى شيئا فشيئا الى الحديث السياسي مع أنه لا يستمع الى الأخبار! كانت الساعة الحادية عشرة قبل الظهر ومصطفى لم يطه سوى صحن فول واحد بينما كان عدد الصحون المطهوّة في فترات سابقة يتجاوز العشرة صحون عندما تهجّر أهل الجنوب والضاحية وقصدوا المدارس صرت أبيع علبة الفول بألف ليرة عوض الألفين أردت كفقير أن اساهم في تخفيف معاناتهم بحسب قدرتي والآن أخاف من كلّ هذا الاحتقان الحاصل . لمصطفى شابان يخاف على كبيرهم لأنه يعمل لساعة متأخرة في الليل في مطعم في زقاق البلاط بينما يخاف على إبنه الصغير حسن (18 عاما) لأنه يحبّ البنادق والحروب: أحاول أن أدخله الى الجيش عندما يفتحون دورة . فوران أعصاب في وطى المصيطبة من كركول الدروز الى مار الياس الى وطى المصيطبة تتوالى صور الشخصيات السياسية في لبنان، وعند كلّ مفترق وزاروب قوى أمنية مدججة وأسلاك شائكة. بوجه متجهّم ونبرة غاضبة يجيب رشيد محمّد نعيم على أسئلتنا وهو صاحب مصبغة يقيم في وطى المصيطبة منذ 48 عاما، القلب ممتلئ من الحكّام الذين يريدون أن يعيدونا الى أحضان سوريا . ينتمي نعيم إبن الشويفات على غرار جميع اللبنانيين الى حزب الوطن لبنان لكنّه تقدّمي إشتراكي جنبلاطي. يصف المنطقة بأنها هادئة وتحت السيطرة . على بعد أمتار قليلة من محلّ نعيم يقع مقرّ الحزب التقدمي الإشتراكي . تبدو المحلّة هادئة إلا من الأحاديث السياسية المتوتّرة. المنطقة مختلطة لكن لا أحد يسترجي أن يضع صورة لا تعجب الساكنين . المعارضة تريد المشاركة الفاعلة في الحكم، يأتي الجواب كالصاعقة: لعنة الله عليهم، اكتبيها! لا يريدون حكومة وحدة وطنية! إنهم يعرقلون المحكمة الدولية فحسب ، ويضيف صابّا جام غضبه على الجنرال ميشال عون إنه بائع برتقال لا يجيد كيفية التعبير السياسي الراقي، أما السيّد حسن نصر الله فإنهم يحبونه أكثر من الله نفسه ولا أدري ما هو السبب إنه أمر عجيب! . قصد نعيم أخيرا وسط بيروت ليس ليشارك في اعتصام المعارضة بل لكي يتفرّج على المآسي التي تحصل هناك، يا ضيعان البلد تصوري أنني رأيت معتصمين أطفالا لا يزالون يضعون المصاصة! يقولها صافقا يديه ببعضهما البعض. الوضع غير مريح يقول الشيخ فريد عجب صاحب محلّ سمانة وهو من مزرعة الشوف ويضيف: إذا لم يحصل مجال للتفاهم والتعاون فالبلد ذاهب الى الخراب ، ويتساءل: الاعتصامات غير مقبولة ولا أحد يدري ما الغاية منها، غاية التظاهر إبراز القوة الشعبية ثم الجلوس للتفاوض فلا جدوى من كلّ هذه الإستعراضات الحاصلة اليوم، فماذا يمكن أن تعطي الحكومة أكثر من الذي أعطته؟ . يجيبه ابراهيم عربيد وهو مفتّش صحي متقاعد من منطقة الشويفات: إنه العناد السياسي الذي لا طائل منه، وبالعربي الفصيح إن عملاء سوريا لا يريدون الديموقراطية في لبنان. فمن يريد العدالة الإجتماعية ومن يناصر القضايا الوطنية عليه أن يضحّي قليلا من عنفوانه كي يشارك في بناء الوطن . ويستطرد عربيد مستذكرا الرصاصات ال11 التي تلقاها أثناء تظاهرة شارك فيها عام 1954 ضدّ حلف بغداد من كلّف المقاومة الدفاع عن العرب؟ مصر تعدّ 80 مليون نسمة والسعودية أقرب الناس الى الرسول والأردن وقطر لماذا لا تدافع هذه الدول الكبرى عن الحقوق العربية حتى نريد أن نتبناها نحن؟ لقد تحرر الجنوب ولم تبق سوى الوسائل الديبلوماسية لتحرير مزارع شبعا. لقد تدمّر الجنوب من إسرائيل فلم يريدون تدمير الإقتصاد أيضا؟ . شرفات الأشرفية تتكلم في الأشرفية انقسام واضح. يكفي الوقوف في أيّ شارع والنظر الى شرفات الشقق السكنية لكي يحذر المرء أي عائلة هي مع 14 آذار وأي شقة هي مع 8 آذار. الفريق الأول يسدل الأعلام اللبنانية والفريق الثاني يمتنع عن ذلك غير مستجيب لدعوة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة الذي طلب رفع الأعلام اللبنانية دعما لحكومته. لا نرى إلا أناسا يتخانقون مع بعضهم بعضا في الشوارع وفي أماكن العمل وحتى في البيت الواحد حيث الشقيق صار يبغض شقيقه يروي المزيّن النسائي هشام سباط. لم تصل الأمور في الأشرفية الى حدّ الخطر إلا بعد اغتيال الشيخ بيار الجميل فأحرقت أعلام وصور وضرب أشخاص ومنهم شخص سوري أوسع ضربا في ساحة ساسين على مرأى من الناس. قليلات هنّ السيدات اللواتي يتزيّن قبيل العيد على عكس الأعوام السابقة، لكن على الرغم من ذلك يجنّب هشام المعتصمين في وسط بيروت من تهمة تجميد الأعمال: إنها مسؤولية الحكومة، إنهم الأشخاص ذاتهم من ركّبوا على البلد 44 مليار دولار دين، وإن بقوا في الحكم يصبح البلد مساويا لقشر البصل! . ويستطرد: كل العالم مع المحكمة الدولية لكنهم يرفعونها لتخويف الآخرين، أما عودة سوريا فغير مقبولة ومن ينس منا تضحيات الجنرال ميشال عون؟ أما حزب الله فلم يوجه سلاحه يوما صوب الداخل اللبناني، هؤلاء يحق لهم المشاركة ولهم 44 في المئة من المجلس النيابي فيما في الحكومة أشخاص لا يوحي تاريخهم بالثقة . بين العونية والقواتية في الأشرفية ثمة أشخاص مثل عدنان ماضي، وهو صاحب متجر للأحذية في ساحة ساسين، يتلقفون الشجار القائم بين الأطراف في البلد بجلد وتأمل خشية من المجهول. عدنان هو ابن جباع الجنوبية ويعمل في الأشرفية منذ 7 أعوام وفي المرحلة الأخيرة شعر للمرة الأولى بأنه غريب عن المدينة حصل ذلك للمرة الأولى عندما استقال الوزراء الشيعة من الحكومة . صارت مجموعة من الشبان تقف أمام محلّه وتكيل الشتائم للمقاومة، لكنّ عدنان المجاز بالحقوق قرر ألا يغلط كما طلب سماحة السيد حسن نصر الله منعا للوصول الى فتنة داخلية، إنها خطّ أحمر وأنا أعمل بكلام السيد لأنه حكيم ومقنع . يقصد عدنان الأشرفية يوميا من الرويس في الضاحية ولديه أصدقاء كثر في الأشرفية تبدو غالبيتهم من العونيين، لذا يكتفي بتعليق صورة الجنرال ميشال عون والسيد حسن نصر الله في غرفة داخلية من متجره منعا لاستفزاز أحد. على هذا المنوال من التوتّر والحدّة والإستفزازات المتبادلة واتخاذ الحيطة والحذر يمضي البيروتيون أيامهم في زمن الأعياد المباركة، فهل ضربتهم لعنة السياسيين فصاروا يتكلّمون ويفكرون ويتقاذفون الشتائم مثلهم؟ (غدا: ماذا يقول علم النفس والاجتماع في ظاهرة العداء)