دبي: لعلّها من المرّات النادرة التي لا تفوز فيها أفلام مصرية بجوائز من مهرجان سينمائي عربي. لعلّها سابقة يُفترض بها أن تؤسّس مرحلة جديدة من تعامل المهرجانات السينمائية العربية مع النتاج السينمائي العربي، بعيداً عن الحسابات الجغرافية والإقليمية والمصالح الشخصية والعلاقات العامة، بتركيز الاهتمام على النصّ السينمائي ومناخه الإبداعي ولغته الفنية والتقنية والجمالية والدرامية. ذلك أن ما حصل في الدورة الثالثة ل مهرجان دبي السينمائي الدولي ، التي انتهت مساء الأحد الفائت، يدعو إلى التفكير ملّياً بضرورة تنظيم قواعد منح الجوائز السينمائية، من دون الخضوع لتلك الحسابات التي تنتقص، غالباً، من القيم السينمائية للأفلام العربية. ما حصل هو التالي: لم تجد لجنتا التحكيم الخاصّتان بالمسابقتين الرسميتين للأفلام الروائية الطويلة، وللأفلام الروائية القصيرة والوثائقية، فيلماً مصرياً واحداً يستحقّ الفوز، على الرغم من وجود فيلم روائي طويل ( قص ولصق لهالة خليل) وفيلمين وثائقيين ( البنات دول لتهاني راشد و مكان اسمه الوطن لتامر عزت. يُمكن إضافة فيلم ثالث لم يكن إنتاجه مصرياً فقط، لأنه إنتاج مشترك بين فرنسا ومصر والمغرب، هو كوفاديس؟ لسمير عبدالله) وثلاثة أفلام روائية قصيرة ( الغرفة رقم 12 لعزّ الدين سعيد، قطط بلدي لتامر البستاني و صباح الفل لشريف البنداري). صديق مصري قال، في خلال إعلان النتائج، إن مصر يجب ألاّ تفوز بأي جائزة، لأن هناك أفلاماً عربية أخرى مشاركة في المسابقتين الرسميتين أهمّ وأجمل وأفضل. قال أيضاً إن هذا الرأي نابعٌ من مقارنة نقدية وجمالية بين الأفلام المصرية هذه والأفلام العربية الأخرى، من دون الانتقاص من أهمية الجهود المبذولة لتحقيقها. غير أن مصريين آخرين لم يتقبّلوا النتيجة النهائية بسهولة، لأنهم اعتبروها منقوصة بسبب غياب الفيلم المصري عن لائحتها. استياء لم يكن الوفد المصري وحده مستاءً من النتيجة النهائية. ذلك أن بعض الذين تابعوا أيام الدورة الثالثة، وشاهدوا الأفلام كلّها، اعتبروا أن أفلاماً عدّة تستحقّ الفوز أكثر من أفلام أخرى فازت بهذه الجائزة أو تلك. هذا جدلٌ لا ينتهي. ففي المهرجانات السينمائية كلّها، لا يُمكن لأي لجنة تحكيم أن تُعلن نتيجةً تُرضي الجميع، لأنها مؤلّفة من سينمائيين وفنانين وأدباء مبدعين لديهم قناعاتهم وآراؤهم وحساسياتهم المختلفة، ولأن ما يتّفق عليه أعضاؤها لا يلتقي، غالباً، ومزاجية نقّاد ومشاهدين وسينمائيين آخرين. هذه طبيعة الأمور. في الدورة الثالثة ل مهرجان دبي السينمائي الدولي ، التي شهدت أول مسابقة رسمية للمهرجان، عبّر بعض السينمائيين عن انزعاجهم من النتائج النهائية، في حين رأى نقّاد وصحافيون أن أفلاماً عدّة استحقّت الفوز ولم تفز. هذه مسألة تتكرّر دائماً في المهرجانات العربية والدولية كلّها. لا يُمكن لأي نتيجة أن تستقطب إجماعاً. فالإجماع خللٌ، والافتراق يعني أن هناك نقاشاً لا ينتهي مع إعلان النتائج. ثم إن التحكيم أمرٌ لا يثير حماسة سينمائيين، وجدوا أنفسهم في لجان تحكيم متنوّعة بدافع رغبة في اختبار هذه التجربة، لأنهم لا يؤمنون بوضع علامات مدرسية على الأفلام، وتفضيل هذا الفيلم على ذاك. اكتشف بعض هؤلاء أن التحكيم إحراجٌ فعليٌ، لكنه اعتبر مشاركته في هذه اللجنة أو تلك محاولة لدعم فيلم يراه الأفضل والأنسب. ما قصدته بقولي إن ما حصل في هذه الدورة يُفترض به أن يؤسّس مرحلة جديدة من تعامل المهرجانات مع صناعة الفيلم السينمائي، لا يعني رفضاً للسينما المصرية، أو انتقاصاً من بعض جمالياتها المتنوّعة، أو تعبيراً عن موقف عنصري إزاءها. إنه، ببساطة، دعوة صادقة إلى التعامل مع الفيلم السينمائي كصنيع فني وثقافي مستقلّ عن بيئته الجغرافية، وغير منفصل، في الوقت نفسه، عن ثقافة هذه البيئة وتراثها الحضاري الخاصّ بها والمشترك مع الحضارات الأخرى القريبة منها. فالسينما المصرية تقدّم أعمالاً جديدة، تختلف عن السائد والمألوف، وتحاول أن تصنع من الصورة مرايا فنية إبداعية للذات والفرد والجماعة والواقع والمجتمع والأسئلة الحياتية والإنسانية. لكن طغيان النتاج المصري العادي في المشهد السينمائي العربي، والسعي المحموم لسينمائيين مصريين إلى احتلال جزء أساسي من المهرجانات السينمائية وجوائزها، من دون أدنى انتباه وتقدير واحترام للقيم الجمالية والإبداعية، أثار ويثير نفوراً نقدياً وثقافياً من النتاج نفسه، ومن آلية التعامل والسعي هذين. كما أن ما قصدته سابقاً ينطلق من رغبة أكيدة ودائمة في ضرورة التعامل (نقدياً وجماهيرياً، وعلى مستوى المهرجانات) مع النتاج السينمائي على أساس سينمائي فقط لا غير، وليس بسبب هويته الجغرافية الضيّقة. أفلام وتعليقات في نهاية حفلة توزيع الجوائز، ردّد بعض المشاركين هتافات الفرح، معتبراً أن فوز فلافل للمخرج اللبناني ميشال كمّون مثلاً هو فوز للبنان، تماماً كما جرى في ختام الدورة الثلاثين (28 تشرين الثاني/ 9 كانون الاول 2006) ل مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ، حين أُعلن عن فوز قص ولصق لهالة خليل بجائزتي أفضل فيلم عربي (مناصفة مع الفيلم الجزائري بركات لجميلة صحراوي) وأفضل عمل ثان، إذ رأى كثيرون أن هذا يعني فوزاً لمصر. هذه سذاجة مطلقة. هذه وطنية مشكوك بأمرها. إذ كيف يُعقل أن يُمثّل فوز فيلم سينمائي بجائزة ما فوزا لبلد بكامله؟ ألا يعني هذا انتقاصاً من قيمة الجهود الكبيرة التي يقوم بها المخرج لإنجاز فيلمه في ظلّ غياب أدنى اهتمام جدّي من بلده به؟ إن فوز فيلم لبناني بجائزة يعني، ببساطة، فوز الفيلم اللبناني. كما أن فوز فيلم مصري أو تونسي أو فلسطيني إلخ.، يعني فوز الفيلم، وليس البلد. ثم إن هذا الفوز يُفترض به أن يرتبط باعتبارات فنية وتقنية ودرامية وجمالية، بعيداً عن أي خطاب وطني لا يُغني ولا يُسمن. لا بأس بهذا كلّه. هناك ادّعاء وطني لا يختلف عن ادّعاء سينمائي بإنجاز تحفة بصرية، ما إن يُشاهدها أي متلقّ هاو للسينما الجادّة والسوية، حتى يكتشف بؤسها الفني وفراغها الدرامي. مثلٌ أول: لا تزال السينما المصرية عاجزة عن تفعيل لغتها الإبداعية، في معظم الأفلام الجديدة. هناك سطوة قاتلة لمنتج تجاري، لا يأبه بالتجديد والمختلف والإنساني، بل يضع أمواله في خدمة سينما تبسيطية ومفرّغة وساذجة. هناك نجوم يتقاضون أجوراً كبيرة لاستدراج مُشاهدين لا يأبهون إلاّ بالعادي والعابر. في حين أن المشاريع الجادّة تصطدم بلامبالاة قاتلة من قِبل غالبية المنتجين، مما يعني أنها محتاجةٌ إلى إنتاج غربي مشترك لتحقيقها. مثلٌ ثان: تعاني السينما السورية أزمة إبداع. هناك تجارب متواضعة لأناس يريدون الخروج من دائرة الإنتاج الرسمي، أي الخاضع لقواعد سلطوية ورقابية. يُقال إن أفلاماً روائية قصيرة، مثلاً، بدأت تُشكّل مفصلاً في المسار التاريخي لهذه السينما. في حين أن معظم الأفلام الروائية الطويلة الأخيرة تفتقد حدّاً ما من السوية الإبداعية. قاطعت المؤسّسة العامة للسينما في سوريا مهرجان دبي في دورته الثالثة، لأن إدارة المهرجان لم تختر فيلماً سورياً من إنتاجها. أبدى سمير ذكرى، مثلاً، استياءه الشديد من عدم اختيار فيلمه الأخير علاقات عامّة للمسابقة الرسمية. لم تورد لجنة اختيار الأفلام في مهرجان دبي جديد ذكرى في اللائحة النهائية، لأنها لم تعتبره جديراً بالمشاركة. هناك خللٌ في إنجاز أفلام سورية جيّدة الصنعة في الأعوام القليلة الفائتة. يُفترض بهذا الأمر أن يحثّ المعنيين على تطوير أساليب العمل، وتحريض المخيّلة على الإبداع. سينما مغاربية مختلفة أما النتاج السينمائي المغاربي، فمختلف. هناك أفلام تونسية ومغربية جديرةٌ بالمُشاهدة والنقاش، بسبب امتلاكها شروطاً فنية وتقنية وجمالية ودرامية سوية وإبداعية ولافتة للنظر ومحرّضة على النقاش وطرح الأسئلة. شارك بعض هذه الأفلام في المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة: خشخاش للتونسية سلمى بكّار و يا له من يوم رائع للمغربي فوزي بنسعيدي. يُمكن إدراج عرس الذيب للتونسي جيلاني سعدي أيضاً في هذا الإطار، على الرغم من أن الفيلم الأول للمخرج نفسه، وهو بعنوان خورما ، يبقى أفضل وأهمّ وأجمل، علماً أن عرس الذيب يمتلك مقوّمات بصرية جميلة. هذه ثلاثة أفلام لم تفز بأي جائزة، ومع هذا لا يُمكن التغاضي عن جمالياتها المختلفة. هذه ثلاثة أفلام تمتلك شروطاً إبداعية أفضل بكثير من بركات للجزائرية جميلة صحراوي الفائز بالمرتبة الأولى، ومن علاش ألبحر للمغربي حكيم بلعباس الفائز بالمرتبة الثالثة. بعيداً عن المنافسة الخاصّة بالمسابقة الرسمية، وعن الجوائز المالية الممنوحة لأفلام ارتأت لجنة التحكيم أنها الأجدر بالفوز، فإن ما أنجزه المخرجان بكّار وبنسعيدي يتوغّلان في الطبيعة البشرية التي تواجه تحدّيات الآنيّ، وتحاول أن تصنع من يومياتها ملاذاً لها من وطأة الخراب الذي يحاصرها في المجتمع والحياة والبيئة. دخلت سلمى بكّار إلى متاهة الألم الإنساني، من خلال امرأة وجدت نفسها في جحيم الأرض، بسبب تمزّق علاقاتها العائلية والاجتماعية، إذ ابتعد زوجها عنها لغرامه بخادمه، وانفصلت ابنتها عنها بعد أن غاصت الأم في المخدرات. ورسم فوزي بنسعيدي لوحات إنسانية جميلة ليست إلاّ تعبيراً شفّافاً عن حالات ومناخات وفضاءات، من خلال قصّة حبّ غريبة بين قاتل مأجور وشرطية سير. تمعّنت بكّار في تفاصيل الذات الفردية، وشرّحت ما يعتمل بها على خلفية التحوّل السياسي الذي عرفته تونس عشية التحرّر من الاحتلال الفرنسي. لم تتناول السياسي والاجتماعي بشكل مباشر، إذ بدت مهتمّة أكثر بالحالة النفسية والروحية والانفعالية للفرد في مواجهته قسوة البيئة والعالم المحيط به. ولم تشأ أن تصنع من الرحلة الداخلية في أعماق هذا الفرد انعكاساً للواقعين السياسي والاجتماعي، بقدر ما وازنت بين الفرد والجماعة من دون إيذاء الرحلة الداخلية هذه، التي تمتّعت بجمالية واضحة في التعمّق بالألم والانهيار وقسوة التحوّل. من جهته، بدا فوزي بنسعيدي مشحوناً بقوة الرمز في سرده مقتطفات من حكايات أفراد يعانون ألم الوحدة والتقوقع، ومسحوراً بنموذج سينمائي يُفسح مجالاً لتصوير حالة إنسانية ما، بدل الانزلاق في قواعد السرد الكلاسيكي للحبكة القصصية. وإذا اكتفت سلمى بكّار بالوقوف وراء الكاميرا لالتقاط نبض المرأة في معاناتها الإنسانية والاجتماعية والروحية، فإن فوزي بنسعيدي بدا مستمتعاً بالوقوف وراء الكاميرا وأمامها، مخرجاً يسلّط الضوء على حكايات وحالات، وممثلاً يعتمد إيقاعاً هادئاً وصمتاً مطبقاً في تقديم شخصية القاتل المأجور، الذي لا يتردّد عن الكشف عن نفسه إكراماً للحبّ.