من المفاجئ أن ينشر الشاعر اللبناني وديع سعادة ديوانه الأخير تركيب آخر لحياة وديع سعادة على الإنترنت. المفاجأة تتأتى أولاً من موقع هذا الشاعر. من شاعر لا يملك صوتاً خاصاً وموقعاً ريادياً فحسب، وإنما من كونه شاعراً ترك أثراً في عدد من شعراء الثمانينات. وتزداد هذه المفاجأة حين يكون قرار النشر على الإنترنت موقفاً من الناشر اللبناني خصوصاً والعربي عموماً، بحسب الشاعر نفسه. لكنَّ المفاجأة لا تلبث أن تفقد صفة المباغتة حين نعرف أن سعادة نشر ديوانه الأول ليس للمساء أخوة بخط اليد، ووزّعه باليد أيضاً. ولم تتوقف قصة وديع مع النشر عند كتابيه الأول والأخير، فقد نشر ثلاثة من أفضل كتبه بإصدار خاص: المياه المياه ، رجل في هواء مستعمل يقعد ويفكر في الحيوانات و مقعد راكب غادر الباص . يستعيد وديع سعادة في كتابه الأخير مناخات سابقة شكّلت النتاج الأهم من شعره. ثمة عودة الى ليس للمساء أخوة الذي كُتب أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات وصدر عام ,1981 والى مقعد راكب غادر الباص الذي صدر عام .1987 وهما الى رجل في هواء مستعمل يقعد ويفكر في الحيوانات أفضل كتبه. لنأخذ هذه الجمل المتفرقة من مقعد راكب غادر الباص : ناظراً صوب حياته مثل حريق شبَّ فجأة في نزهة ، هل كان عليَّ أن أمشي كل هذا الوقت لأصل الى هنا؟ ، ... يمكنه أن يستعيض عن الحياة بالصورة، وراح يغني: الجهات أربع والفصول أربعة/ ومن الجهات والفصول تأتي الأرانب والرياح والغناء . ولنتأمل هذه الجمل المتفرقة أيضاً من ديوانه الأخير تركيب آخر لحياة وديع سعادة : لحياته التي رآها مثل حريق شبَّ فجأة في نزهة، لكني مشيت كثيراً حتى صرت الى هنا ، وطأ على النقطة الأخيرة وراح يغني: /في الفجر تطلع الشمس وفي المغيب تغيب/ والسنة فصول أربعة/ فيا للحياة الجميلة . هي أمثلة وليست إحصاء. أمثلة لتوكيد هذه العودة التي لا يمكن فهمها من خلال تشابه في بعض العبارات، وإنما من الطريقة التي يصدر بها وديع سعادة نحو الشعر. هذه العودة تظهر أيضاً في استكمال ذلك العالم الذي صنعه الشاعر من حوله، عالم متخيل تمَّ بناؤه بلغة مصفّاة ومدروسة. وأخيراً، هي عودة الى تلك المخيلة المروّسة التي عرفناها في شعره. الشعر عند سعادة لعبة مخيلة ولعبة لغة ولعبة أفكار تطلع من الافتراض والخيال والتوهّم وتصديق الذات. إذاً، كان لا بدَّ من الإشارة إلى استعادة وديع سعادة نصّه السابق، صوته الذي لا يشبه إلا حنجرته. يحدث هذا بعد تحوّل قام به الشاعر عام 1999 حين أصدر نص الغياب ، ثم تبعه بديوانين آخرين: غبار و رتق الهواء . في هذه المجموعات الثلاث بدت قصيدة وديع سعادة تأملية، بطيئة، زاهدة، وباردة. كان هذا في اعتقادي مغايراً لتلك اللغة التي عرفناها عنه: اللغة الحادة، الخاطفة، الممنتجة، الرقيقة والقاسية، الحنونة والعنيفة، الماورائية والفيزيولوجية، المكثّفة والسردية. استطراداً، أحسب أن وديع سعادة كان على دراية أن كتبه الثلاثة الأخيرة خسرت بعضاً من الحرارة التي كانت للكتب السابقة. القاموس يستكمل سعادة في كتابه الأخير قاموسه الشعري. والشاعر في النهاية مَنْ يمتلك قاموساً. لقد بنى الشاعر خلال أكثر من ثلاثين سنة معجماً خاصاً لا يفارق أياً من دواوينه. الهواء، الشجر، الشمس، التراب، البرد، الماء، المطر، الصخور، الغياب، الذكرى، النوم، اليقظة، اللهاث، الزفير، التنفس، الرئة وعشرات الكلمات من هذا القبيل هي عالمه الشعري الدافئ، حديقته الخلفية التي يمارس فيها راحته التي لا تهزّها النظرات. إنه شعر يستعيد الطبيعة بكل ما فيها. لكنها استعادة تتمّ من خلال الذات. ليس شعراً رومانسياً بالطبع، إذ غالباً ما تُظهر قصيدة سعادة شراً. تُحطم الأشياء وتعيد تركيبها كاشفة عن رغبات عصبية وقدرة على الوخز. استعادة الطبيعة تتمّ من خلال أعضاء الجسم. أعتقد أن مفردات سعادة الجسمانية لا تكشف علاقة الشاعر بجسده فحسب، بل تدلُّ على هذا التفاعل بين الطبيعة والجسد. إن قصيدة مملوءة بالغيوم والهواء والثلج والسعال والتنفس والبرد، تجعل من الكوكب والإنسان شيئاً واحداً. هذا بُعْدٌ عند الشاعر يكشف ما هو أعمق من الحنين الى الأمكنة الأولى. قصيدة وديع سعادة قصيدة عزلة ووحشة وتوحّد وغياب. دائماً هناك أمكنة مفتقدة وحياة مهجورة وأجسام سابقة. وبمعنى ما هي قصيدة مهجر جديدة. في منفاه الاختياري في أستراليا يسترجع الشاعر أمكنته الأصلية. وغالباً ما تستعاد هذه الأمكنة وما حوته بطريقة ضبابية. الشاعر لا يتذكر. إنه يؤلّف ذاكرته. يخلط مشاهد، يضغطها ويمطّها. يعيد تركيبها كما يفعل الأطفال والمجانين في اليقظة: يجذب ظلَّ حياته خيطاً خيطاً/ محاولاً حياكة القميص الذي/ ذات يوم/ أراد أن يغطي الحياة به/ تحت الجسر، هناك حين هجرها سكانها/ ونامت عارية في الجليد... ظلٌّ/ ينام هناك/ على تراب بعيد . هي أيضاً استكمال لقصيدة المهجر في لغتها. مثل سابقيه وفي زمن مختلف، يقف وديع سعادة، وجهه الى البحر وظهره الى الصحراء. بلغة تعيش على سطح الماء يكتب. لغة مائية هي بنت الريف اللبناني والعيش في المهجر. هذه هي لغة وديع وهذه هي لغة كتابه الأخير. حياة بلا بشر حياة وديع سعادة المركّبة تركيباً آخر في ديوانه الأخير هي حياة بلا بشر تقريباً. وحده الشاعر مستنداً الى الطبيعة وكائناتها. يستنطق كل ما حوله، جاعلاً من التراب غيماً سقط ويبس... الشجر أياديَ دُفنت تحت التراب في حروب قديمة، والعشبَ كلماتٍ كان القتلى يريدون قولها وهم يحتضرون... والعصافير نظراتِ موتى/ والأشجارَ رؤوساً تبحث عن أجسادها . عبر الكتاب المؤلف من قصائد عديدة والممسوك بمناخ واحد ولغة واحدة يبني الشاعر كوكبه الشخصي. كوكب مفترض من الكلمات: آخذ زرّاً من سهوي وأبكّل أعضاء/ أبكّل أرضاً وشموساً وكواكب/ أبكّل سهوات/ لا أقول تعال ، فقط يمرُّ في بالي مجيء.... عين تجلب لي الأرض بالنظرة . إنه عالم يجري هناك، في الرأس. عالم يشبه بداية الخلق، حيث يقف الشاعر وحده مطلقاً أصواته على صمت الطبيعة العذراء. إنها الرغبة في استعادة البراءة ونقد الخبرة. لا يعيد الشاعر تأليف الأرض فقط، بل تأليف الذات أيضاً. يفكك الحواس ويخلطها ثم يجمعها مجدداً: عِوضَ أن يسمع الصوت يراه/ آتياً، على عكاز، من أماكن بعيدة/ تعباً/ على كتفه حمولات كلام يريد أن يوزّعها على آذان/ وعلى دروبه آذان ترى/ ولا تسمع..... عوض أن يرى الطريق يسمعها/ مثل صدى بعيد،/ كأنه يمشي على ارتدادات هواء/ وكأن الأرض ليست تراباً/ بل صوت . بعكس ما يوحي به الكتاب من طمأنينة، فإن ما يفاجئ أن وديع سعادة الذي تجاوز الخمسين لا يزال قادراً على أن يكون ملعوناً. لا يزال يحمل تلك الطاقة العصبية التي ميّزت جملته مع استثناء الكتب الثلاثة التي ذكرتها سابقاً. وعدم طمأنينة الشاعر لا تأتي هنا من ثيمة الكتاب التي هي اعتزال العالم بعالم آخر، وإنما من اللغة المتوترة، الخافتة، المرئية، المدمّرة، الناقمة والأليفة. وكل هذا يجري باصطناع الكثير من الهدوء.