في رسالة بعث بها الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، الزعيم الروحي، والدماغ المفكر، للثورة السورية الكبرى عام 1925 من منفاه في القاهرة بتاريخ 26 تشرين الأول عام 1936 تعقيباً على المعاهدة المشؤومة التي عقدت بين فرنسا وسوريا، وذلك لصديقه وأخيه في الجهاد الرئيس حسن الحكيم جاء فيها: بنود المعاهدة أخي المحترم حسن بك لا عدمتك: تحية وسلاماً وشوقاً وبعد: فقد تناولت رسالتكم الكريمة ولم يجدّ من بعدها إلا ظهور نص المعاهدة السورية في الصحف، وكان فيه خيبة أمل وضعف رجاء، لأن الفرق اتضح كلياً بين هذه المعاهدة، والمعاهدة العراقية، التي زعم الزاعمون، أن تكون الأساس الذي تبنى عليه معاهدتنا. احتلال في كل جهة اذا شاء المحتلون. وبناء في كل ناحية اذا تراءت الحاجة إليه وبعثة عسكرية لها سلطة مستقلة من رئيسها حتى على الدرك. والأمن الداخلي مثل الأمن الخارجي، منوط بالجيوش الفرنسوية، مع الأعراب السخيف بأنه على عاتق الحكومة السورية، ... ودورات و(لفتات) و(ملفات) في المصالح المشتركة. نتيجتها إبقاء الأمر في يد لبنان، ومن ورائه يد الاستعمار، وقضاء أجنبي، وغير ذلك من الشؤون التي لا تتسع لها هذه العجالة، ناهيك باستقلال او الأصح انفصال لبنان عن أمه سوريا انفصالاً تاماً. ليكون حصنا للاحتلال الدائم حصيناً. ملاحظة أولى: لقد وصل هاشم الأتاسي ورفاقه في 29 ايلول من باريز بعد توقيع الاتفاقية التي لم يتم الاعلان عنها رسمياً، إلا يوم 27 تشرين الأول، وصدقها مجلس النواب الفرنسي يوم 17 تشرين الثاني. الاحتلال باقٍ وقد بدرت بوادر هذه الخطة، بما جاء في الصحف، من ان المعاهدة الفرنسوية اللبنانية تنص على إبقاء خمسة عشر الف جندي فيه دائماً وأبداً، وحظ رياق من هذا العدد خمسة آلاف فقط، فتكون سوريا و(لبنان) من بعد المعاهدة والاستقلال التام الناجز، قد أصبحت فيه أرضها محل إقامة خمسة وعشرين ألف جندي فرنسوي على أقل تقدير!... أضف الى ذلك استقلال جبلي (العلويين والدروز) وجهلنا التام بالنظام الذي يوضع لإدارتهما، والتهديد المحيط بلواء الاسكندرونة، وقصارى القول إن هذه المعاهدة، أتت الى أبعد مما كان يظن أشد الناس تشاؤماً . لماذا لم تنشر بنودها؟ والسر في الابطاء في نشرها، هو محاولة كتم أمرها، الى أن يجتمع مجلس النواب ويفاجأ بها مفاجأة. أما الاعتذار بأن قضية العلويين، والتأثير عليهم لقبول الدخول في الوحدة السورية، فهو اعتذار، الغاية منه تخفيف وقع الاستقلال الذي سيتمتعون به، وذلك بالتطبيل والتزمير (للمندوب السامي) بأنه كان واسطة خير لإقناعهم بالدخول في الوحدة السورية... وجدت السكوت من بعد هذه الجرأة على حقوق البلاد ومواثيقها الوطنية، أمراً معيباً، لا يليق مهما كان حرصنا شديداً على وحدة الصفوف والتعاون المشترك. لذلك أبرقت الى السادة الأتاسي (هاشم الأتاسي) والخطيب (زكي الخطيب) والعسلي (صبري العسلي) باعتبارهم ممثلين لهيئات سياسية، البرقية الآتية، أمس صباحاً وهي: نحن متشائمون نصوص المعاهدة المنشورة، أيّدت تشاؤمنا، فهي لا تحقق مطالبنا الأساسية، الأمر بيد الأمة، وثقتنا بتبصّرها . أعضاء الكتلة متآمرون وذهبت صورة عن هذه البرقية للسادة المومأ اليهم وللقوتلي (شكري القوتلي) والجابري (سعد الله الجابري) ونقابة الصحافة... والظاهر ان السيد هاشم الأتاسي نسي (اولايوس) و(ميك) و(غاربيه) و(موتبا) (وهؤلاء مجموعة من الضباط الفرنسيين المجرمين) تعليقاً شخصياً، ونسي ان الاحتلال قائم، وان المعاهدة (حبر على ورق) وأننا حتى الآن لم يقم عندنا اي دليل على ان فرنسا تغيّر عاداتها الاستعمارية. ان كلمة تأتي من الوطنيين البارزين في مختلف الأنحاء، قد توقف هذا الاندفاع الذي لا يليق بأمة ذاقت الويلات من الاحتلال. وأذناب الاحتلال. ملاحظة ثانية: الكتاب من منشورات وزارة الثقافة السورية بعنوان (سلسلة الدراسات التاريخية) رسائل عبد الرحمن الشهبندر (تاريخ أمة في حياة رجل)، الصادر عام .2002 فمن هو الشهبندر؟ ولمن لا يعرف هذا الرجل الكبير، الذي كان في تلك الأيام مالئ الدنيا وشاغل الناس، وكان من أشد من دافع عن القضية الفلسطينية التي كانت شغله الشاغل، كما القضية السورية، من مواليد دمشق، تشرين الثاني ,1879 تلقى علومه بمدينته، ثم التحق بالجامعة الأميركية في بيروت ونال شهادتها العلمية عام ,1951 وكان الخطيب السنوي للجمعية العلمية العربية. ولما أنهى دراسته في الطب عام 1906 ونال شهادتها بامتياز، لم ينله أحد من قبله، وكان خطيب السنة ايضاً، وقد عينته الجامعة استاذاً وطبيباً لتلامذتها. ألف حزب الشعب عام ,1924 وتولى تنظيم البلاد سياسياً، ثم التحق مع إخوانه ليكونوا طليعة الثورة، السورية الكبرى عام ,1925 وبعد الثورة حكم عليه بالإعدام، وقد قام جدي سعيد رحمون بتهريبه من سوريا الى فلسطين (حيفا) ومنها غادرها الى القاهرة. ثم عاد الى البلاد بتاريخ 14 أيار 1937 وزحفت دمشق لاستقباله استقبالاً يليق به. وقد امتدت يد الغدر بتاريخ 6 تموز 1940 واغتالته وهو في عيادته، واتهم بالتحريض على قتله رفاقه من رجال الكتلة الوطنية. لتهجمه على المعاهدة التي وقعوها عام 1936 ولنشاطاته الوطنية التي طغت على كل نشاطاتهم السياسية. فارس الخوري والشهبندر لم تكن الأمة تعرف للزعيم الشهبندر إلا مواقف التضحية والشرف ومفاخر الجهاد المخلص المجرد عن كل شائبة. عمر أبو ريشة والشهبندر وقد نعاه الشاعر الكبير بقصيدة سميت (البتراء) جاء فيها. فمن المبكيات، أن يقتل الأحرار في غير ملعب الأحرار ايه عبد الرحمن ماج بي المنبر فانزع يدي عن أوتاري لا تدعني أريق دمع الميامين وألقي الهشيم فوق النار قم تكلم، فما أطيق استماعاً لأناشيد جرحك الفوار وأخيراً كانت هذه حالنا من سبعين عاماً بتمامها وكمالها. فهذه صورة عن مأساة هذا الوطن منذ بدايات الاستقلال، للتخلص من الانتداب الفرنسي، لقد رحل الفرنسيون عن بلادنا، وهم يتجرعون الغصة في حلوقهم. وفرضوا خمسة عشر الف جندي على أرض لبنان (لاحظوا معي هذا العدد وقارنوه مع الواقع اليوم) واختصوا بلدة رياق بخمسة آلاف جندي لتكون فاصلاً حقيقياً بين سوريا ولبنان. ثم تتغير الأحوال، لتعود فرنسا التي كان عماد جيشها العديد من الشعوب والقوميات المختلفة من آسيوية وأفريقية، وبعض المرتزقة العرب من مشارق الأرض ومغاربها، والآن تعود مع بعض هذه الجيوش التي تعمل بإمرتها بموجب (مواثيق دولية) تحمل الطابع الأميركي. لن أدخل بتفاصيل تجرحني وتؤلمني، وحتى التفكير فيها يؤرقني، وأنا أتطلع لمستقبلنا المجهول، ولكنني من منظور قومي بحت، أدعو كل ذي بصيرة وبصر، ان يقرأ هذه الرسالة بدقة وإمعان، ويقارن حيث تدعو المقارنة، بكل وضوح وجلاء، ويفكر بكل كلمة وردت فيها، ليتحسس موقع أقدامه، في هذه المرحلة الدقيقة عن تاريخنا القومي العربي، والاسلامي ويضع نصب عينيه، العراق وما آل اليه، وفلسطين أين أصبحت فلسطين... والسودان الذي يترنح بين القبائل اليهودية (الفلاشا والزغاوة) المتأمركتين. وليتق الله كل منا في وطنه وأمته. فأمامنا معركة طويلة جداً، شعارها الماء والنفط، فهل ندرك الحقيقة، أم جانبتنا الحقيقة، كل الحقيقة؟..