منذ أسابيع أقيم في المستشارية الإيرانية لقاء تحت عنوان تجليات الشعر الإيراني المعاصر قصيدة المقاومة نموذجاً ، حضره حشد من الشعراء اللبنانيين الذين ساهموا في نقاش العلاقة بين الشعرين العربي والفارسي، إلا أن النقاش انحرف حينها في اتجاه قضايا خلافية حول شعر المقاومة في لبنان، فاقتدت الحكمة أن تستكمل الأمسية بسماع مجموعة من الأصوات الشعرية الإيرانية، تلك التي تنتمي إلى جيلي الثورة الأول والثاني، فكانت قصائد لكل من: موسى بيدج، علي رضا قزوة، برويز حبيب آبادي، حسين إسرافيلي، حميد رضا شكارسلري، محمد كاظم علي بور ومحمد سعيد ميرزائي. على هامش هذا اللقاء التقينا الشاعرين الأولين موسى بيدج، رئيس تحرير مجلة شيراز الأدبية وكاتب ومترجم، وعلي رضا قزوة صاحب ما لا يقل عن 25 كتاباً، شعراً ونثراً ودراسات ثم أكملنا حلقة النقاش الثلاثية مع الناقدة والخبيرة بالأدب الفارسي والمترجمة منه اللبنانية دلال عباس، بقصد التعرف على وضع الشعراء الشبان في إيران، وعلاقتهم بالسلطة الإعلامية، وصراعهم مع الأجيال السابقة، وهل الشعر السياسي هو السائد مع أجيال شعراء الثورة أم أن للحياة الخاصة فسحة أوسع؟ وهل واقع الشعراء الشبان هو واقع تمرد أم التحاق، إنْ من داخل الثورة أم من خارجها؟ فكان هذا التحقيق الذي أردناه أن يجيب عن سؤالين اثنين: 1 لمن السلطة الإعلامية في الشعر الإيراني: لأي جيل؟ أي نوع؟ أي شكل؟ 2 هل الشعراء الشبان في إيران متمردون على هذه السلطة؟ كيف؟ يقسم موسى بيدج الشعراء الإيرانيين بعد انتصار الثورة الإسلامية إلى ثلاثة أجيال، كان شعر الجيل الأول منهم له طابع المعارضة والعصيان، شعراً حماسيّاً متخذاً طابع الشعار أحياناً. أما شعراء الجيل الثاني فقد واكبوا الحرب وأحداثها، وأخذت الألفاظ الدموية القتالية حيزاً واسعاً من شعرهم، اتسم شعر هذا الجيل بالوعي والتنوع، وذلك لاطّلاعهم على شعر وأدب المقاومة على الصعيد العالمي كخطوة تلت مبادرات الجيل الأول التي فسحت المجال أمامهم لمعرفة الأدب المقاوم عالمياً. أما شعراء الجيل الثالث فهم من جيل الشباب الذين واكبوا تغيرات وتطورات اجتماعية أبعدتهم عن غليان سنوات الحرب والثورة، فاتّخذ شعرهم طابعاً جديداً آخر. الشاعر علي رضا قزوة اعتبر أنّ المحافل الأدبيّة الإيرانيّة وبالأخص خلال السنين الأخيرة اهتمت بجيل الشباب وبتربيتهم أدبياً، مثالاً على ما نقوله نجد أنّ الشعراء من الجيل الثاني والثالث يمثلون الشريحة الأكبر في اللقاءات التي تتمّ بحضور قائد الثورة الإسلاميّة السيد الخامنه إي، حيث يقيم قائد الثورة الإسلامية لقاءً سنوياً يحضره أدباء وشعراء البلد، وفي لقاء هذه السنة 70 في المئة من الأشعار التي أُلقيت كانت من قبل الشعراء الشبان. واللافت أنّ السيد القائد يعرف الشعراء بأسمائهم شخصيّاً. ففي الملتقى الشعري لهذه السنة اشترك شاعر إيراني لمّا يتجاوز سن السابعة عشر من عمره، خصّه السيد القائد باسمه وناداه ليقرأ ما لديه من الشعر، ففي خلال الثلاث أو الأربع ساعات لا يستطيع أن يلقي الشعر أكثر من ثلاثين شخصاً من بين المئات المشتركة. الدين بين الموقف والموضوع الناقدة دلال عباس أرادت أن تمهد لإجابتها بالتفريق بين الشعر الديني ذي الموضوع الديني والشعر الديني ذي الموقف الديني، أو بين شعر ينظم للدين وآخر طبقاً لتعاليم الدين، مستشهدة بواقع العصور السابقة على الثورة، من الفردوسي إلى الرومي والشيرازيين، إلى شعراء العصر الصفوي، إلى المرحلة التي بدأت فيها بوادر الثورة الدستورية وعصر النهضة، وصولاً إلى التحديث. راحت دلال عباس تفند شعر كل مرحلة من المراحل (لا يتسع لها المجال) لتصل إلى مرحلة ثورة الخميني، حيث أن أقدر الشعراء وأقواهم قريحة واستعداداً أعلام الشعر الديني في مفهومه غير التقليدي، في حين ظل الشعر الديني بمفهومه التقليدي (المراثي والمدائح) رأسمال الشعراء المتوسطي القريحة والمحدودي الموهبة. أصبح نظم الشعر ذي الموقف الديني الثوري دليلاً على التحول والتغيير، لأن الدين نفسه لم يعد دليلاً على التحجر كما كان من قبل. وقارنت عباس شعراء الحداثة نيما يوشيج وأحمد شاملو ومهدي أخوان ثالث وفروغ فرخزاد وسهراب سيهري ونادر بور وخسرو كلسري وغيرهم من كبار الشعراء المجددين ما قبل الثورة... قارنتهم بالشعراء الكبار المحدثين بعد الثورة أمثال علي معلم وقيصر أمين بور وحسن حسيني وسلمان هراتي ومحمد رضا عبد الملكيان وأحمد عزيزي ونادر طهمامبي وعلي رضا قزوة وغيرهم من شعراء الثورة، لتدلل على تحول الشعر الإيراني الحديث إلى المضامين الدينية، فقائد الثورة هذه المرة رجل دين وشاعر. أرادت دلال عباس أن تستفيض في إيضاح فكرتها عن علاقة الشعر بالدين، فأكدت أن الدين ليس موضوعاً جامداً في شعر من ذكرت من الأسماء، إنما هو متغلغل في العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وفي جوانب الحياة البشرية الأخرى، وهو يمكن أن يجد حلولاً لكل المشاكل. وتلمح عباس إلى أن الشعر الذي قيل قبل الثورة كان يظهر فيه النفس القومي المعادي للعرب، حتى أن أحد النقاد قال: لو أن العراق اعتدى على إيران قبل الثورة، لكان الشعر امتلأ بالفخر بالقومية الفارسية وهجاء العرب . دمجت دلال عباس بعض النقاط كونها تراها مرتبطة ومتداخلة، أما موسى بيدج فأراد أن يوضح في المناسبة علاقة الشعر الإيراني بالترجمات الشعرية، التي هي حاضرة بقوة مع عهد الثورة، حيث بدأت مرحلة التعرّف على الأدب العالمي شعراً ونثراً، ويجب الاعتراف أن سبعين أو ثمانين بالمئة من المقالات المترجمة قد تمّت ترجمتها من اللغتين الإنجليزية والفرنسيّة، أما المقالات المترجمة من اللغات الشرقية فكانت أقل بكثير من سابقتيها. ويستطرد بيدج ليرسم صورة العلاقة بين الشعر الفارسي والعربي بالقول: إن المرحلة الحالية لا يمكن أن توصف بالمرحلة النموذجية، لكننا نستطيع القول إنّ غالبية الراغبين في الأدب العربي، وبالأخص الشعر، يعرفون الكثير من شعراء العرب، وفي المقابل وبهدف التعرف على الأدب الفارسي تم إصدار الكثير من المجلات في هذا المجال، مثل مجلة شيراز التي أشغل أنا شخصياً إدارتها وتحريرها. أما من ناحية القالب الشعري، فقد أجاب بيدج: نجد أن أغلب الأشعار اتجهت نحو العَروض، لكن انتخاب القالب الشعري يعتمد على الوضع الروحي للشاعر. تنوّع ولقزوة رأي آخر، إذ يعتبر أن الإيرانيين أحيوا الغزل والعرفان في قلوب الأجيال على مرّ العصور. وأن الشعر في يومنا هذا تأثّر بالتجدد، لكن المتجددين استطاعوا من خلال تأصّلهم بالتراث الأدبي أن يحققوا الإبداع الشعري في قالب الشعر الكلاسيكي التقليدي. على أن نظم مختلف أنواع الشعر موجود في إيران، مثل الشعر الغزلي والرباعي والمثنوي والدوبيتي وحتى القصيدة التي لها سياق ونظم يشبه الغزل، إلاّ أنّ عدد أبياتها تفوق الستة عشر بيتاً، وأيضا لها سياق وقالب نيمايي (نسبة إلى الشاعر الايراني المعاصر نيما ياشوج)، ولها سياق المنثور وأشكال أخرى مثل المرّكب والمرجّع والطرب، وكذلك الشعر العامي والشعبي، وكل نوع له فروعه الخاصة به. إنّ وجود هذا التنوع الشعري، برأي قزوة، جعل الشعراء ينجحون في الجمع بين قالبي الشعر الكلاسيكي القديم والشعر الجديد المتجدد، إذ إن بعض الشعراء الذين خاضوا في قالب وسياق الشعر الحديث المتجدد، هم أصحاب تجربة قيّمة وآثار أدبيّة مرموقة في النمط الكلاسيكي القديم. المهم في الأمر أن يكون هناك ما هو جديد يمكن طرحه، سواء في قالب كلاسيكي قديم أم حديث. فكمال الشاعر اليوم يُقاس من خلال تجارب شعريّة ناجحة له في جميع الأشكال والأنماط الشعريّة. الشكل الغالب في شعر الجيل الأول من شعراء ما بعد الثورة الإسلامية، برأي بيدج، كان يتسم بالثورية والحماس والشعور الثوري، في حين أن شعر الجيل الثاني اتّخذ وجهة اجتماعية، أما شعراء الجيل الثالث فكان شعرهم ذا طابع غزلي. ويفسر بيدج وجهة نظره هذه بإلباس كل جيل الصفة الموضوعية التي ترافقه، بل حصته من التمرد والعصيان أو الموالاة ومراعاة الحال السائدة، فيقول: كان شعر الجيل الأول له طابع المعارضة والعصيان، شعراً حماسيّاً متخذاً طابع الشعار أحياناً. أما شعراء الجيل الثاني فقد واكبوا الحرب وأحداثها، وأخذت الألفاظ الدموية القتالية حيزاً واسعاً من شعرهم، وقد اتسم شعر هذا الجيل بالوعي والتنوع، وذلك لإطّلاعهم على شعر وأدب المقاومة على الصعيد العالمي، كخطوة تلت مبادرات الجيل الأول التي فسحت المجال أمامهم لمعرفة الأدب المقاوم عالمياً. أما شعراء الجيل الثالث فهم من الشباب الذين واكبوا تغيرات وتطورات اجتماعية أبعدتهم عن غليان سنوات الحرب والثورة، فاتّخذ شعرهم طابعاً جديداً آخر. إذن، يمكن أن يختصر بيدج فكرته بالقول: إن الشعر السائد في المجتمع الثقافي الإيراني اليوم هو شعر ذو مضمون غزلي، اجتماعي ونقدي. فشعراء كل جيل ينظمون الشعر حسب أذواقهم الشعرية. الشعر الاعتراضي أما عن الشعر الاعتراضي، فإن دلال عباس لا تجد شعراً اعتراضياً خارج ما أدرجته في نقاشها لطبيعة الشعر الإيراني، فما هناك من احتجاج في أشعار الشبان لا يخرج على القيم الدينية الثورية، وهو لا يأتي من خارجها. أما قزوة فيذهب إلى أنّ الشعر المعترض والشعر الاجتماعي يعتبران من الأنواع الشعرية الحيوية والمتأصلة في المجتمع الإيراني. ويمثّل على ذلك بالحديث عن تجربته الشخصية كشاعر شاب (مواليد 1964) قائلاً: أنا شخصيّاً، وفي فترة شبابي، نظمت عدداً من الأشعار الاجتماعيّة والسياسيّة، حتى أن صداها كان يصل إلى مجلس الشورى الإسلامي والجامعات، وكان طلاب الجامعات غالباً ما يقومون بتصويرها للاحتفاظ بها، حتى كادت هذه الأشعار تؤدي بي إلى المعتقل، ومع ذلك كنت أتكلم بشجاعة ومن دون أي تخوّف، حيث كانت أسوتي نهج البلاغة والإمام علي وسيرة أبي ذر الغفاري. القصائد الشعرية التي نظمت في مثل هذه الأجواء وصلت إلى تحت وسادة الإمام، أشعار واضحة وجليّة وخالية من الخوف وتتسم بالجرأة. في تلك الفترة التي يتحدّث عنها قزوة كان هو ينظم الشعر الغزلي، ويكتب باهتمام في جميع الأنماط والقوالب الأدبيّة، وحالياً هو يكتب في قالب السخريّة السياسية والاجتماعية، ويخوض غمار الشعر الملحمي والغزلي، وله تجربة أيضاً في المجال الفلسفي. وقد أشار في كلامه إلى أن الشعراء الإيرانيين اليوم يقرأون بولع أشعار جميع الشعراء البارزين واللامعين في العالم، أما بالنسبة إلى اللبنانيين المعاصرين منهم، فقد استمعوا إلى أشعار بعضهم مباشرة وقرأوا للبعض الآخر مترجماً في المجلات والجرائد. ويوضح أنه على الرغم من غياب الحضور السياسي الأميركي في إيران فإن الشعر الأميركي مطروح في الساحة الأدبية في البلاد. أكثر من ذلك فإن طموح قزوة يتمثل بقوله: نحن بصدد جعل أدبنا عالمياً. وإذا كانت السينما الإيرانية أصبحت عالمية، فإن عالميتها هذه مدينة للأدب. أمّا المشكلة الوحيدة التي نواجهها في انتشار الأدب الإيراني عالمياً فهي مشكلة اللغة، ذلك أن لغتنا فارسية. وبكلمة واحدة أقول إن فكرنا وشعرنا خصب جداً، وهو أقوى من تخصيب الطاقة النووية. وثقوا بأننا نملك الكثير لنقوله.