ما زالت قصة وفاة العميل الروسي السابق ألكسندر ليتفينينكو تتفاعل بين بريطانيا وروسيا وإيطاليا، بعد أن وجد الأطباء البريطانيون أن هذه الوفاة نتجت عن التسمم بمادة البولونيوم 210 المشعة. وأحدث ذلك مفاجأة للأطباء وقد اعتبرت وكالة حماية الصحة البريطانية أنها المرة الأولى التي تسجل استخدام البولونيوم بشكل متعمد لتسميم شخص ما. وتطورت القضية باكتشاف آثار لهذه المادة في جسم ماريو سكاراميللا، المواطن الإيطالي الذي التقى ليتفينينكو قبل مرضه. ومن سخرية القدر أن تكون المرة الأولى التي تسجل فيها حالة تسمم كهذه تتعلق بشخص روسي. فقصة البولونيوم ,210 وتسميته بالتحديد، كانت شكلا من أشكال المقاومة البولندية للاحتلال الروسي في أواخر القرن التاسع عشر. وتعود هذه التسمية إلى مكتشفة هذا العنصر، ماريا سكلودوسكا أو ماري كوري كما يعرفها الجميع. والبولونيوم عنصر كيميائي اكتشفه بيار وماري كوري عندما كانا يبحثان في سبب الإشعاعات في حجر بيتشبلاند . فبعد إزالة اليورانيوم والراديوم منه تبين أنه أصبح أكثر إشعاعية وهو ما دفعهما إلى القول أن هناك عنصرا آخر غير معروف حتى ذلك الحين هو الذي كان يتسبب بزيادة الإشعاعات. ووجداه في العام ,1898 فكان العنصر المعدني النادر الذي يحمل الرقم الذري .84 قررت ماري كوري أن تطلق عليه اسم بولونيوم نسبة إلى وطنها الأم. في ذلك الوقت لم تكن بولندا دولة مستقلة، إذ كانت أراضيها تخضع لسيطرة كل من روسيا وبروسيا والنمسا. وكانت وارسو ، حيث ولدت ماري في العام ,1867 خاضعة للسيطرة الروسية. ولعل هذا الحكم الروسي نفسه هو الذي غيّر مجرى حياة ماري ودفعها للالتحاق بالجامعة في باريس لاستكمال دراستها والتعرف لاحقا على بيار كوري. فالدراسة الجامعية كانت ممنوعة على النساء في بولندا في ذلك الحين بأمر من الروس. وما كانت تسمية العنصر الجديد سوى أمل لماري تساعد من خلاله على تعريف العالم بالأزمة التي يعيشها وطنها. ولعل البولونيوم كان أول عنصر كيميائي يلقي الضوء على نزاع سياسي. نادر جدا ومشع جدا يتواجد البولونيوم في خامات اليورانيوم بنسبة 100 ميكروغرام من البولونيوم لكل ألف كيلوغرام من الخامة. وتم اكتشاف البولونيوم أيضا في دخان السجائر التي تنتج عن تبغ زرع بمساعدة أسمدة الفوسفات. والكمية التي تنتج سنويا من البولونيوم لا تزيد عن 100 غرام. وهو يستخدم بشكل أساسي في صناعة القنابل النووية كمشعل، أي أنه المادة التي تساعد اليورانيوم 235 على بدء عملية الانشطار النووي. مع الإشارة إلى أن نصف حياة البولونيوم تبلغ 138 يوما أي أننا لو كان لدينا عشرة غرامات من البولونيوم فبعد 138 يوما لن يتبقى منها غير خمسة غرامات، وبعد 138 يوما آخر سيكون لدينا غرامان ونصف غرام فقط إلخ... وستختفي الغرامات العشرة التي بدأنا بها بعد ثلاث سنوات ونصف السنة. ويطلق البولونيوم كميات من الأشعة ألفا خلال عملية انحلاله النووي. وهذه الأشعة هي في الحقيقة ذرات من الهليوم تجردت من كل إلكتروناتها، فتخرج هذه الذرات مع كمية هائلة من الطاقة. الأمر الذي يمكّن غراماً واحداً من البولونيوم 210 من أن ينتج 140 واط من الطاقة. لكن طبقة هذه الإشعاعات قصيرة مما يجعل تأثيرها محدودا على مسافات قريبة، وبالتالي يمكن حمل العنصر في علبة من دون أن يلاحظ أحد وجوده. ...وسام جدا وبسبب اشعاعيته العالية فإن هذا العنصر سام جدا وخطير يصعب التعامل معه حتى بكميات قليلة جداً. فذرات ألفا تؤذي الأنسجة العضوية إذا ما تم تناول البولونيوم عبر الفم أو الاستنشاق، لكنه غير مؤذ باللمس لأنه لا يمكنه دخول الجسم عبر الجلد. ويؤدي قذف الأنسجة بأشعة ألفا إلى تدميرها أو إحداث تغييرات فيها. والكمية المسموح بها من البولونيوم داخل الجسم لا يجب أن تتعدى 6.8 بيكوغرام (أي 1 على تريليون من الغرام). وبالتالي، نظرياً، يمكن لغرام واحد من البولونيوم 210 أن يقتل مئة مليون إنسان! وبالإضافة إلى الآثار المباشرة، فإن التعرض للأشعة على فترة قصيرة يمكن أن يكون له تأثيرات على المدى الطويل تتمثل في الوفاة نتيجة الإصابة بالسرطان. وتتقلص نصف حياة البولونيوم داخل الجسم البشري لتتراوح من 30 إلى 50 يوما. وبإمكان كمية قاتلة من البولونيوم أن تدخل بسرعة إلى النخاع العظمي من دون أن يكتشفها أحد، الأمر الذي دفع الأطباء البريطانيين المعالجين لليتفينينكو إلى ملاحظة حاجته لزرع نخاع عظمي بعد أن دمر نخاعه. فذرات البولونيوم يحدث على مستوى الخلايا ما يشبه انفجارات صغيرة تدمرها وبالتالي تؤدي إلى تلف الأعضاء والوفاة في النهاية. وما لم تتم إزالة هذا العنصر من الجسم، لا يمكن القيام بأي شيء سوى معالجة العوارض التي يسببها، على أمل أن يساعد ذلك على بقاء الشخص المستهدف حيا. وهذا تحديداً ما حصل مع ليتفينينكو وما يخشى أن يحصل مع سكاراميللا في المستقبل القريب إذا ما تبين أن الكمية التي يحتويها جسمه هي كمية قاتلة. [email protected]