As Safir Logo
المصدر:

الصين اشتراكية ورأسمالية!

المؤلف: التنير سمير التاريخ: 2006-12-04 رقم العدد:10568

في عام 1978 أطلق الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ سياسة الاصلاح والانفتاح في الصين. ومحتوى هذه السياسة براغماتي اقتصادي يقبل الأمر الواقع. ولا يطمح بأي حال لتغيير بلده والعالم. وقد اعتبرت تلك السياسة في وقتها هرطقة موجهة ضد الاشتراكية وضد ثورة ماو الثقافية. ويعتبر الخبراء الغربيون أفكار بينغ قمة العقلانية السياسية. ولكن قادة الثورة الثقافية في عهد ماو اعتبروا أفكاره منحرفة عقائدياً. فجرى اعتقاله وانصاره ولم يطلق سراحهم إلا في عام .1973 بعد سنة من زيارة بنكون الى الصين، وبعد وفاة ماو انفجر الصراع بينه وبين عصابة الاربعة التي كانت تقودهم زوجة ماو، وانتهى الصراع بالقبض عليهم وخلا الجو لبينغ بعد وفاتهم جميعاً في السجن، فبدأ بتنفيذ أفكاره الاصلاحية. وتتلخص افكار بينغ بوضع التزمت الايدلوجي بعيداً والنظر الى الأمور بواقعية. فالصين دولة مترامية الاطراف، كثيفة السكان. ولكنها بعيدة عن التأثير في محيطها وفي العالم. إن قوتها كامنة وليست فاعلة. ولكي يمكن للاشتراكيين ان يتغلبوا على الرأسمالية، فلا بد من محاربتها بأسلحتها نفسها. اي التفوق السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعلمي. إن القفزات غير المدروسة والطوباوية لم تستطع بناء نظام قادر على الاستمرار، ليس في الصين فحسب بل في كل العالم. ومن الضروري القيام بالإصلاحات، لان البديل سيكون نظاماً رأسمالياً متغلفاً يسوده الفساد وتسيطر على اقتصاده العصابات والمافيات. دعا بينغ اصحاب الرساميل الاجنبية الى الاستثمار المربح في الصين، لسبب تدني اجور العمال ووضع لذلك شروطا قاسية هي عدم التدخل في شؤون الصين الداخلية، او العمل على تغيير نظامها السياسي بالاساليب العسكرية. كما حذر اصحاب الرساميل الاجنبية من التحريض على الفتن الداخلية، كما اوصى باسترجاع هونغ كونغ وماكاو بالوسائل الدبلوماسية. وهذا ما حصل. وبعكس اليابان فإن الصين تحوز على قوة عسكرية فاعلة، اما اليابان فليس لديها جيش، وذلك منذ استسلامها في الحرب العالمية الثانية عام .1945 أدت افكار بينغ الى جعل الصين، البلد الأكثر نمواً خلال اكثر من 25 عاماً مضت. وترفض الصين النظام الواحد المسيطر على العالم، وتتعامل مع العالم الخارجي على اساس الندية. وأدت السياسة الاقتصادية الى توسع دائرة الطبقة الوسطى حيث زاد عددها على ال400 مليون نسمة وذلك عام .2003 ان تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي في الصين والتي بدأت عام 1978 ادت الى زيادة دخل معظم سكان الريف (اغلبية سكان الصين من الفلاحين)، والى خفض عدد الفقراء بنسبة تفوق 200 مليون نسمة. ولم يتبقَّ من عدد الفقراء سوى 30 مليوناً وذلك نتيجة إحصاء أُجري عام .2005 وقد وضعت الحكومة الصينية برنامجاً للتغلب على تلك المشكلة نهائياً. ويقضي ذلك البرنامج بتوفير إمدادات الكهرباء ومياه الشرب والخدمات الطبية، والحفاظ على الموارد الطبيعية وترشيد، استخدامها وفرض التعليم الإجباري لمدة تسع سنوات في المناطق الريفية وغيرها. والتزمت الدولة كذلك بتقديم معونات عينية للفقراء، وإنشاء البنى التحتية التي تساعد على تسهيل ظروف العمل في الريف، وعلى زيادة دخل العاملين في المناطق الريفية. وتعتبر الصين رائدة في مجال التنمية الريفية وتطبيقاتها. وأول تلك الوسائل يكون بإحداث نقلة نوعية في مجال التحديث الزراعي. كما يتضمن ذلك البرنامج إقامة علاقات تعاون وثيق بين قطاعي الزراعة والصناعة، وبين المناطق الريفية والمدينية. وتصف الإدارة الصينية مهمة إنشاء ريف متطور بأنه بناء اشتراكي من نوع جديد وذلك لمنافسة الارياف في البلدان الرأسمالية المتطورة في عصر العولمة. والفشل في تحقيق التنمية الريفية المستدامة ستكون له نتائج سلبية جداً على بناء مجتمع الرفاه والتنمية المستدامة في الصين. تبقى نسبة النمو الاقتصادي في الصين هي الأعلى في العالم. وذلك منذ ربع قرن وتتراوح تلك النسبة بين 6 9 بالمئة سنوياً. وتتضمن الخطة الخمسية الجديدة (2006 2010) تقديرات بارتفاع الايرادات المحلية بنسبة 12 بالمئة سنوياً، وبذلك يرتفع دخل الفرد بنسبة 6 بالمئة سنوياً في الفترة المشار اليها وبذلك يبلغ دخل الفلاح الصيني ما يقدر بعشرة آلاف يوان او ما مقداره 1200 دولار سنوياً، وذلك بحلول العام .2010 تتخذ الحكومة الصينية تدابير صارمة كي لا يرتفع معدل البطالة عن معدله الحالي والبالغ 3.5 بالمئة. كما تتضمن التدابير خفض استهلاك الفرد للطاقة بنسبة 15 بالمئة والماء بنسبة 20 بالمئة. تمتلك الصين أكبر نسبة سكانية في العالم، اذ تقارب هذه النسبة 20 بالمئة من سكان الكون، فهي تحتاج إذن إلى خطط فائقة التقدم من ناحية التخطيط كي يتمّ خفض الاستهلاك في الطاقة والماء ومن ناحية حماية البيئة أيضاً. إن قيادة وحكم هذه الكتلة البشرية الضخمة هي مشكلة ضخمة حقاً. ومن المتوقع أن يبلغ عدد سكان الصين في منتصف القرن ما يقارب ملياراً ونصف مليار نسمة. وعلى الدولة تأمين فرص العمل والتعليم والعناية الصحية لهذا العدد الكبير من الناس. ومن اجل ذلك تؤيد الصين العولمة الاقتصادية وليس العسكرية او السياسية. إن النظام السياسي في الصين لا يزال شيوعياً، ويقوده الحزب الشيوعي، دون السماح لاي حزب آخر بالعمل في حين ان الاقتصاد اصبح حراً، ومفتوحاً على الاستثمارات الاجنبية. لقد حققت تلك السياسة نجاحاً ملحوظاً، اذ قارب النمو الاقتصادي 9 بالمئة في عام .2005 وهي من أعلى النسب في العالم. ونتيجة للسياسة المتبعة تضاعف الناتج المحلي اربع مرات منذ عام .1978 وتواجه الصين مشكلة ارتفاع اسعار الطاقة، وذلك بترشيد الاستعمال، والتعاون مع البلدان الأخرى في هذا المجال. اما الصناعة الصينية فتواجه مشكلة تحسين جودة المنتجات. فمن المعروف أن البضائع الصينية رخيصة جداً، مقارنة بأمثالها في البلدان الاخرى، وخاصة في اميركا واوروبا. كما ان نصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي ما زال منخفضاً جداً. وضعت القيادة الصينية استراتيجية مستقبلية لتطوير الاقتصاد الصيني. وهي تتألف من مرحلتين بدأت الاولى عام 2005 وتنتهي في عام .2020 وهي تركز على تحسين جودة المنتجات الصينية. اما الثانية فتبدأ في عام 2021 وتنتهي في عام 2050 وتتركز على جعل الاقتصاد اقتصاداً صناعياً متقدماً. فالاقتصاد الصيني بحاجة الى تراكم الرساميل والخبرات وابتكار التكنولوجيا المتطورة لاختراق اقتصاد المعرفة العالمي، وتطوير الصناعات الرقمية المتطورة. ظلت مناطق شاسعة في الصين بعيدة جداً عن مستويات البلدان المتقدمة في مجالات الطاقة والمعلومات واقتصاد المعرفة. ولسدّ تلك الفجوة يحتاج الاقتصاد الصيني إلى نسبة نمو تتراوح ما بين 68 بالمئة سنوياً، وذلك لأكثر من ثلاثة عقود. بحسب الخطط الموضوعة يتوقع ان يصبح الاقتصاد الصيني أكبر اقتصاد في العالم وذلك في الفترة ما بين 2030.2040 إلا أن ذلك لو حدث فستظل الصين بحاجة إلى ضمان التنمية الاقتصادية والبشرية المستدامة. وتشير تقارير المنظمات الدولية إلى أن معالجة الصين لتلك المعضلات، هو الذي سيحدّد مكانة الاقتصاد الصيني في العالم، ومدى اندماجه في اقتصاد العولمة. يؤثر اقتصاد الصين واقتصادات آسيا الاخرى على الاقتصاد العالمي، من ناحية اسعار المنتجات. فهذه الاقتصادات تدفع بالاسعار العالمية للعمل انخفاضاً، وذلك في الصناعات الكثيفة العمل. كما سيشكل الطلب الصيني على الطاقة نسبة الثلث من الطلب العالمي والبلدان الآسيوية الاخرى 15 بالمئة من الطلب العالمي على الطاقة. اما حصة اميركا الشمالية من الطلب العالمي فهي 29 بالمئة. تبقى مع ذلك القدرة الشرائية للافراد في الصين منخفضة جداً جنباً الى جنب مع ارتفاع الصادرات الصينية الى الخارج. وتبقى من بعد ذلك الرواتب ثابتة على حالها، مع الارتفاع المستمر في الاسعار. لا بد أخيراً من تسجيل الإعجاب الكبير بالتقدم الاقتصادي الذي حققته الصين. ولكن من الضروري طرح سؤال محوري كبير يتعلق بالتنمية الاقتصادية في العالم. وهو هل التنمية الاقتصادية مرتبطة فقط بنظام الاستغلال الرأسمالي؟ لقد حققت الصين تقدماً اقتصادياً مذهلاً، ولكنها أعادت بناء المجتمع الطبقي أي الطبقة الرأسمالية، والطبقة الوسطى، والطبقة الفقيرة. وهو أمر مناقض تماماً للمثل الاشتراكية. فهل النمو مرتبط بالرأسمالية فقط؟ سؤال مقلق جداً، نحيله إلى العارفين، وننتظر الجواب. المصادر: 1 مسعود ضاهر: الصين من التصلب العقائدي الى سياسة الانفتاح والاصلاح، مجلة حوار العرب. عدد آذار .2006 2 Martin wolf: An unsettled outlob, strong world grouth marles medium - term risk ahead. Fiancil times 20 july 2004. 3 Clay chandler: Inside the New china. Fortume 4 Nov. 2004. (?) باحث اقتصادي.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة