As Safir Logo
المصدر:

الجبهة الشعبية لتحرير الجولان لماذا.. وكيف؟

المؤلف: حسن لؤي توفيق التاريخ: 2006-12-02 رقم العدد:10567

الجبهة الشعبية لتحرير الجولان لا تعني بالضرورة الذهاب الى الخيار العسكري كما توحي التسمية للبعض ، وهي بالمعنى السياسي لا تضيف جديدا على التزام سوريا المبدئي في مواجهة المشروع الصهيوني. وحيث التزامها بات ثابتا قيميا يستمد منه اي نظام فيها شرعيته. بل ومبررات وجوده. إنها مقاربة لتجديد حيوية هذا الالتزام عبر وسائل وأطر جديدة تنقله الى حيز المبادرة والفعل المؤثر. هذا للتوضيح سلفا، وللتمايز عن اللغة الخطابية التي تطلقها جماعة 14 آذار. حيث حديث بعضهم عن المقاومة في الجولان اسقاط لنية دفينة تتمنى انجرار النظام السوري الى معركة عسكرية مكشوفة مع اسرائيل فيناله منها ما قد يؤدي الى سقوطه كما يتمنون له! . والجبهة الشعبية صيغة للتعامل مع واقع إقليمي مضطرب جدا. قد لا تستقر فيه معادلة فصل القوات على جبهة الجولان، فيجرفها سيل الصراعات المتداخلة في المنطقة، والمفتوحة على سيناريوهات عدة يلزم حيالها للممانعة السورية تدريع بعناصر موضوعية تتجاوز بكثير ما أُسمي ب اللجنة الشعبية لتحرير الجولان . حيث التسمية لا توحي بالكثير أبدا (لجنة)؟!!. الجبهة.. لماذا سيجد المدقق أن معظم الخيوط التي ترسم المشهد المتأزم للمنطقة تمر في سوريا. لنأخذ منها العراق مثالا ونتابعه مع تفرعاته. لا سيما انه الآن عصب السياسة الاميركية في الشرق الاوسط. هذه السياسة التي بلغت مرحلة حرجة عبرت عنها توصيات لجنة بيكر. منها إشراك سوريا.. في جهود مشتركة لوقف القتال في العراق. وبقدر أن ما سبق يعكس حجم المأزق فإنه قد يستدعي أميركا لمعالجات نوعية للمنطقة تتحول بها ومعها هذه التوصيات (الخام). الى صياغات تتناسب والمصالح الاميركية. وربما هذه المعالجات نفسها تأخذ شكل مغامرات جديدة!. قياسا للعقل الاميركي. إلا اذا وجد انها ستلحق بمصالحه في المنطقة أضرارا. وللخروج من هذا المأزق يجري التداول في خيارين كلاهما يمر من سوريا. الأول عقد تسوية (شاملة) مع ايران وبالتواتر مع حليفها السوري. لقاء مساعدة أميركا على لملمة الوضع في العراق. باعتبار ان لكلتيهما تأثيرا وأوراقا فيه. الثاني صياغة الداخل السوري بما يؤدي لفك الارتباط مع إيران. ويدعم العودة (للخيار السني) في العراق للامساك به، بالاستناد لتكويناته البعثية. وربما لاحقا محور عراقي سوري برعاية اميركية لمواجهة (المد الايراني) بصيغة قريبة من (حلف بغداد)!! . إذا قررت اميركا ان تسير بالخيار الأول. فإن لعبة التجاذبات ستقع بين تسويتين. إحداهما وفق دفتر الشروط الأميركية المراعية لمصالح اسرائيل الحيوية بوصفها ثابتا استراتيجيا في السياسة الاميركية. والآخر وفق الاعتبارات الاستراتيجية والعقائدية لايران وسوريا. ومنها دورهما الاقليمي، الذي لا ينفصل أبدا عن أمن واستقرار أي من البلدين. وفي معمعان عض الأصابع لتحسين الشروط، قد تصبح سوريا (المكان الأسهل) والمغري للضغط على ايران. أما إذا أخذت اميركا بالخيار الثاني فإن سوريا هدف مباشر لها لا محال. وفي كلتا الحالين او الأحوال سيكون من الخطأ الفادح حصر (الاستهداف) بأشكال عسكرية وحسب، لانه سيقود بوقع معطيات الحاضر الى استبعاده وبالتالي الاطمئنان فالاسترخاء. ولعل الاستبعاد ناجم عن نتائج السقوط العسكري لاسرائيل في جنوب لبنان والسقوط العسكري والأمني لأميركا في رمال العراق. لكن قد يجد المدقق ان البديل المطروح الأشد خطرا هو الاستهداف الاقتصادي بالحصار. كما ينادي به بعض الخبراء الاستراتيجيين في واشنطن. وتعمل له اميركا بهدوء نسبي. بقصد إيجاد أجواء داخلية ضاغطة في سوريا لا يستطيع نظامها تحمله. أما الرياح السياسية التي ستحمل هذا الاستهداف، او ذريعته، فبعضها جاهز (كالعادة)! وهو دعم الارهاب . وبعضها الآخر يجري تحضيره عبر المحكمة الدولية . التي ستصبح مادة دسمة لأكثر من طبخة سياسية سامة!!. اما الوسائل فلن تعدمها اميركا. ولعل منها توسيع نطاق اليونيفيل البحري! ليصل الى السواحل السورية. استطرادا وفي إطار ما سبق انصب التفكير على تأمين خط ترانزيت بديل عن الذي يمر في الأراضي السورية حتى لا يتداعى الحصار على دول الخليج المستفيدة منه. وكان من هذه البدائل كما همس بها بعض الساسة اللبنانيين قبل أشهر من حرب تموز/ آب!!. هو التوجه نحو بوابة الجنوب الى الأردن عبر إسرائيل . لكن هذا (الحل) سقط مع فشل الأخيرة في ضرب المقاومة. وبالتالي بقاء بوابة الجنوب مغلقة في وجهها. وحيال ما سبق تنصب الآن المساعي الاميركية وبهدوء لخلق معطيات سياسية ومناخات نفسية تسمح بالتحول من ميناء بيروت إلى تل أبيب. الجبهة.. كيف؟ حيال هذه المعمعة تحتاج سوريا الى أمرين: 1 تحصين نفسها بعناصر ذاتية. 2 كسر الستاتيكو الذي طبع سياستها لعدة سنوات. أما بالعناصر الذاتية فذلك لأن حصانة سوريا لسنوات خلت كانت قاسما مشتركا بين حسابات أمنها الوطني والحسابات الاقليمية وفي الغالب الدولية التي حاذرت المس باستقرار سوريا. فقبلت (تمردها) في غالب الأحيان على مضض!. وهذا ما جعلها تلعب في اللحظة الحرجة عند حافة الهاوية. مطمئنة نسبيا الى ان الطرف الآخر لن يبالغ في رده ويدفع نحو المزيد. غير ان الاستمرار بهذه الآلية ومع الادارة الاميركية الحالية بات نوعا من الروليت الروسي!!. لذلك لا بد لسوريا ان تمتلك قدرات ذاتية تحصن موقعها وتعزز بالتواتر أوراقها التفاوضية بشرط ان يلمسها الطرف الآخر، وتقنعه بأن استهدافها مكلف من الوجهة العسكرية. أو سيؤدي به الى آفاق مغلقة من الوجهة السياسية. أما العسكرية فهي لأهل الاختصاص. وأمامهم ساطعة تجربة المقاومة في لبنان للاستفادة من خبراتها التنظيمية والقتالية والتعبوية. وهذا قد يترتب عليه إعادة النظر في العديد من الصيغ التقليدية المعمول بها في سوريا. فضلا عن ضرورة تنظيم المحيط الديموغرافي على امتداد ساحات المواجهة المحتملة. بما يتناسب ومنظومة القتال الشعبي. التي تشكل مع المنظومة التقليدية (بالجيوش) شبكة واحدة. تتطلب خيارات عدة في خدمة القرار السياسي. اما الجانب السياسي فدوره في المبدأ اطلاق مناخات تفقد العدو المبادرة، وتحت هذا تنضوي مهمات عدة أولها فك العزلة الدولية عن سوريا بدعوى انها دولة إرهابية . وذلك بشن هجوم سياسي معاكس يتجه لوضع اسرائيل في الخانة تلك. وهو بأي حال مكانها الطبيعي. وعلى هذا السبيل لا بد من تقديم ارهاصات احتلال الجولان من الوجهة الانسانية والاخلاقية تحت عنوان عودة ابناء الجولان الى اراضيهم وقراهم . لا سيما ان العودة هذه معطلة بقرار من الحاكم العسكري للجولان بعد احتلاله عام .67 بدعة تتعارض مع القوانين الدولية، وشرعة حقوق الانسان. وتحت هذا العنوان تكمن تفاصيل كثيرة تعمق البعد الحقوقي والأخلاقي لأي (فعل) شعبي يبادر اليه (في البداية) ابناء الجولان انفسهم وفي إطار جبهوي منظم وبوصفه خيارا ديموقراطيا. ولكي يكون هذا الفعل مؤثرا لا بد ان يتمظهر في أطياف عدة. يتقدم اي منها او يتأخر بحسب الظروف السياسية. ولعل من أهمها (الآن)، وأكثرها إلحاحا. ان يتحول الى حدث شبه يومي يسرق الاضواء. وذلك بالاقتراب من العدو دون التماس او الصدام معه. مثل الاعتصامات بحشود شعبية على امتداد الشريط الفاصل بين الجولان المحرر والمحتل، وصولا لاقتلاع بعض أجزائه، او محاولة ذلك على الأقل. بين جدلية إعادة تنظيم الحياة السياسية السورية وتنظيم المواجهة مع العدو، فإن الجبهة الشعبية لتحرير الجولان. مسألة جديرة بالنظر لتصبح بحد ذاتها عصب الداخل السوري، ومركز الاستقطاب لاعادة خلط اوراقه وبعث الحيوية في الحياة السياسية الراكدة منذ سنوات. وهي من مهام البعث الحاكم الذي لا يستطيع إلا بغير ما سبق ان يجدد او يؤكد أهليته في قيادة الدولة والمجتمع . لا سيما بعد ان تقادمت الجبهة الوطنية التقدمية . او تقدمها الزمن!. (?) كاتب لبناني

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة