أثارت روايته (بمناسبة الحياة) للكاتب ياسر عبد الحافظ الكثير من التساؤلات حول رؤية الجيل الروائي الجديد في مصر لكثير مما نعتبره ثوابت دينية واجتماعية وسياسية، حيث تداهم القارئ برؤى مغايرة حدثا وسردا وتقنية، تحمل الرواية علي الأب مفهوما وسلطة دينية وثقافية واجتماعية وسياسية وتكيل له طعنات الإدانة كاشفة الكثير من المساوئ والترديات، لنخرج في النهاية برواية إشكالية يتسع نسيجها اتساعا يضع القارئ في حالة التباس وحذر، الأمر الذي يتطلب منه وعيا مضاعفا أثناء القراءة. وياسر عبد الحافظ أحد روائيي التسعينات في مصر، بدأ كاتبا للقصة القصيرة أوائل التسعينات ثم عمل بالصحافة الأدبية بجريدة أخبار الأدب ولا يزال، مع إشرافه علي الصفحة الثقافية بجريدة روز اليوسف اليومية.. وفي هذا الحوار معه نطرح عليه تساؤلات حول روايته التي صدرت قبل فترة عن دار ميريت ورؤيته للمشهد الروائي المصري الآن. بداية أرجو أن تلقي الضوء على ملامح التكوين والبدايات؟ ? تتشابه البداية مع كثيرين.. أقصد من ناحية التوجه نحو الكتابة والافتتان بها، مكتبة الوالد التى تضم عناوين في اتجاهات شتى سمح بها المشروع الذى كان موجودا فى زمنه (الحقبة الناصرية). كل شيء موجود.. الأدب، الفلسفة، الديانات، المجالات العلمية، ليست مكتبة متخصصة فى مجال واحد ولم يكن ذلك عيبا بالنسبة لي. من كل ذلك كنت أميل أكثر للأدب أو للخيال بشكل أكثر دقة ففيه وتحت ظل تربية صارمة لأب يعمل مدرسا للغة العربية (بكل ما تعنيه من وجه ديني وقواعد لا يجوز التفكير في الخروج عنها) كانت الروايات والقصص وفي فترة تالية الفلسفة.. طريقا رائعا للحرية. في ما بعد أصبح طريق الحرية (المقروء) ضيقا فكانت المحاولات لشق طريق خاص.. محاولات لا تنتهي كنت اكتشف بعد نهاية كل واحدة منها أنها مجرد (محاولات) لا أكثر. تكتب القصة القصيرة منذ أوائل التسعينيات وهذه الرواية (بمناسبة الحياة) أول عمل روائي لك.. لماذا التأخير وكيف كانت التجربة؟ ? كتبت القصة قبل ذلك، أنجزت مجموعة قصصية كاملة أثناء فترة الجامعة وكانت تحت عنوان سايغون لا تسقط مرتين !!! ودفعت بها للنشر في سلسلة إشراقات أدبية ورغم الإحباط الذي لازمني وقتها لأنها لم تنشر إلا أني حمدت الله كثيرا بعد ذلك بسنوات عندما أعدت قراءتها فقد أدركت أن القدر كان رحيما بي لأنها لم تر النور. واصلت كتابة القصة القصيرة دون اقتناع كبير، كنت أكتب رغبة في الكتابة لا أكثر، إلا أني لم أكن مرتاحا لفكرة ذلك النوع الأدبي.. وكان ينبغي أن تمر فترة طويلة قبل أن أدرك أن القصة القصيرة أصعب من الرواية، أنها لا تناسبني (على الأقل الآن).. على هذا بدأت فى كتابة الرواية بمناسبة الحياة ولدهشتي وجدت أن الرواية أسهل بكثير رغم مشاكل البدايات المعتادة إلا أنني كنت أتجاوزها بسرعة وبتفهم أكثر مما كنت أفعل في القصة، ففيها كنت أجاهد حتى لا تطول باحثا عن نهاية مناسبة مفاجئة وسريعة، أما في الرواية فقد وجدت متعة غير عادية في صنع الشخصيات وصفاتها ومآزقها وأقدارها. سبب التأخير الثاني كان عائدا للعمل نفسه فقد استغرق وقتا طويلا.. ما يقرب من خمس سنوات، كتابة أولى تركته بعدها عامين ونصف عام ثم عدت إليه لأعيد الكتابة من جديد برؤية مغايرة تماما.. حافظت على الفكرة الأساسية والأحداث تقريبا لكن الفرق كان في التخلص من الرومانتيكية. ويضاف إلى كل ذلك أن عملي بالصحافة.. لا يترك في النهاية وقتا كثيرا للإبداع.. أحزن لذلك كثيرا غير أنه ليس هناك بديل متاح الآن على الأقل، فالتفرغ للإبداع في بلدنا السعيد هذه يعني الجوع! قتل الأب في الرواية لم تترك شيئا للأب لم تنل منه عصره ودينه وعلاقته بأهله حتى ابنه الفاشل نزع عنه وجهه ألا ترى أن هناك تجنياً واضحاً فيما ترمي إليه من قتل الأب دينياً وسياسياً وحضارياً؟ ? بداية.. نزع الوجه فعل قام به الابن.. الابن قام بنزع وجهه هو لا وجه الأب، وكان ذلك فعلا يشير في دلالته المباشرة إلى الطغيان التام لصورة الأب على الابن. سبب لي اتهامك بالتجني الواضح على الأب ارتباكا، كان من السهل أن أقول لك إننا نتعامل مع فن وبالتالي لن يكون هناك مكان لاتهام مثل هذا لأنه ببساطة اتهام غير فني، فطالما المسألة مبررة داخل النص إذاً لا توجد مشكلة. لكن حتى إذا ابتعدنا عن الأجوبة الجاهزة سأرفض أيضا اتهامك لأنه ينطلق من قدسية مفترضة للأب أنا لا أوافق عليها وأراها سببا مباشرا لنكسات عديدة في ثقافتنا العربية، فهذه القدسية التي تتكون بناء عليها قدسيات أخرى حتى نصل إلى قدسية الحاكم أظن أنها السبب الرئيسى في خيباتنا المتتالية.. فالسؤال بداية المعرفة أظن أننا سنتفق على هذا لكن ما أظنني سنختلف عليه حدود السؤال. سأعود إلى المسائل الفنية فأقول لك بأنه وداخل النص ووفق القناعة السابقة كانت هناك حاجة إلى مساءلة كل ما يتعلق بالأب، كل ما يتعلق بقناعاته وليس هناك على ما أظن حاجة للإشارة إلى أن هذا كان يتعدى حدود العلاقة بين أب وابنه لتصبح المسألة رؤية جيل لآخر وفق تحولات اجتماعية وسياسية كبرى عمقت الهوة والخلاف بين الطرفين دون أمل فى جسر يصل تلك العلاقة. ثمة تداخل في نسيج الرواية تنتقل من حدث إلى حلم ومن شخصية إلى حدث كأن تتحدث عن علاقة الابن بالأب ثم تدخل على إعلان تراب الأميرة، ومن مشهد الانتحار الذي رسمه الابن لنفسه إلى محيط العمل، هل قصدت إلى إرباك المتلقي وإفقاده التوازن عبر نقلات سريعة وداهمة؟ ? لم أخطط لذلك، لم يكن القارئ في ذهني من الأساس، كنت أعمل على النص بلا رغبة كبيرة في نشره لأنه فى النهاية ماذا سيفيد النشر فى أجواء مثل هذه؟! إنما ما وصلت إليه صحيح. لكني كنت أقصد به نفسي والنص نفسه، كنت أرغب في إرباك نفسى وإفقاد النص توازنه المفترض والمتعارف عليه سعيا إلى مغامرة كانت تتكشف لي مع كل خطوة جريئة، النتائج كانت مذهلة بالنسبة لي فالمسارات كانت تأخذ منحى مختلفا عما قصدته وتصبح أكثر حيوية، النقلات التي تتحدث عنها وضعتني أمام ضرورة التجديد والتنويع وذلك حتى لا يسقط النص في فخ الرتابة. أكسبت الشخصيات بعداً ثقافياً على الرغم من أن ملامحها لا تشي بذلك من قواد إلى مدمن وتاجر مخدرات إلى بلطجي بغض النظر إلى المستوى التعليمي، في ضوء أي رؤية تسنى لك ذلك ؟ ? الثقافة أنواع.. أو قل مستويات ولكل شخص مهما بلغ تواضع مستواه التعليمي بعدا ثقافيا.. بالأمس كنت مع شخص وأثناء حديث قال لي أصل حاجة الندل ما تكيفش... وإن كيفت تصدع هو يقصد بالحاجة أى شيء يقدمه له النذل للاستمتاع به... ومن وجهة نظره فإن أي شيء يقدمه له النذل يمتعه وإن فعل سيصيبه بالصداع وذلك في إشارة بالطبع للخمر أو المخدرات، هذه حكمة تدل على وعي ثقافي وأخلاقي وحضاري، يمكنك أن تضبط لغة ما قاله ذلك الشخص البسيط لتصبح هكذا ما يقدمه النذل لأصدقائه حتى لو كان بمحبة فلن يعود عليهم بالنفع ويمكنك أن تقول إنها حكمة شرقية قديمة... انسبها لمن تحب وليكن بوذا مثلا، وربما ستجد من يقدم عليها بعد ذلك الشروحات! ما أقصده أن لكل فئة أو مهنة دوافعها، القواد وتاجر المخدرات والمدمن وأيضا البلطجي لهم دوافعهم ومبرراتهم الأخلاقية والثقافية ولا يتحركون بدونها وهم إن فقدوا تلك الدوافع سقطوا فورا.. ربما لا نقبل نحن تلك الدوافع باعتبارنا شرفاء لكن تلك ليست حجة أبدا لإسقاطها عنهم وإلا لتحول العمل إلى دراما تلفزيونية. مشروع روائي تتابع عن كثب بحكم عملك بالمجال الثقافي أعمال الكتاب الجديد سواء في الرواية أو القصة القصيرة، هل تعتقد حقيقة أن هناك ثمة إضافة حقيقية قدمتها تلك الأعمال؟ ? في مجال القصة القصيرة أظن أن الإضافة سطحية باستثناء بعض الأعمال الفردية المتميزة، لكن المؤكد أن مجمل الإنتاج القصصي الحالي لم يستطع الاقتراب من الوقوف بجانب منجز عالمي وعربي سابق. أما في الرواية ففي ظني أن ما يقدمه جيل التسعينيات يمثل مشروعا، يعمل أفراده وخاصة اللامعين منهم الآن على رسم إطاره العام. هناك الفروق الفردية بالطبع غير أني أحسب أن الأعمال جميعها تصب في خدمة هدف واحد وهو الفن وتسعى إلى شيء واحد وهو الحرية... ربما يكون ذلك هو المفترض في أي مشروع أدبي لكن الأمور لا تسير هكذا دوما فجيل الستينيات مثلا كانت تحكم أعماله برغم فنيتها أيديولوجيا واضحة، المشروع بشكل عام تتم قراءته وفقا لظرف سياسي كان سائدا وقتها ولا أقصد هنا إن كانت الأعمال مع أو ضد أفكار ما. جيل التسعينيات وكما قيل كثيرا لا تحكم أعماله ورؤيته نظرة أيديولوجية ما وهو بالمناسبة ما يجعل الكثيرين متباطئين في إنتاج المزيد، هناك من ينازع في هذا الرأي ويقول إنه لا يوجد إنتاج ما في العالم يخلو من الأيديولجيا أو السياسة فحتى لو كان العمل ضد ذلك فهذا يعني وجودها، وهذه وجهة نظر لا بد من احترامها بالطبع لأن لها وجاهة ما، غير أن المسألة تبقى في المسافة التي يصنعها ويحافظ عليها الكاتب بينه وبين السياسة، والمسألة ليس لها علاقة بالتورط فقط وإنما بالتصديق، ربما لأول مرة وحسبما أظن تجد جيلا بأكمله لا يهتم بما يحدث على الساحة السياسية، لا يكترث بكلمات مثل الوطن والعروبة وخلافه... وفي رأيي فإن هذا يخدم النص بشكل جيد جدا فعلى الأقل يدفع هذا الكاتب للبحث بعيدا وعميقا لإيجاد روابط إنسانية غير المتعارف عليها. هناك سيل من الأعمال الروائية والقصصية ولا غربلة أو متابعة نقدية كيف ترى لتأثير ذلك على مستقبل المشهد الروائي والقصصي؟ ? حقيقة لا أعرف.. المؤكد بالطبع أن هناك أعمالا عديدة لحد يصعب حصرها لا قيمة لها على الإطلاق ولا تستحق أن يتكبد صاحبها العناء من أجل توفير 1000 جنيه ليمنحها للناشر الذي لم يعد يفرق في سبيل الربح بين الجيد والرديء، ففي النهاية المسألة بالنسبة له تجارة حتى وإن تقنع خلف شعارات براقة. لكن.. دعك من مسألة المتابعة النقدية تلك، النقاد الآن مضطربون لدرجة أنهم يظنون أن مهنتهم تابعة للكتابة، لم يعد النقد مهما لتقييم الأعمال، هناك ما هو أهم منه، لدي إيمان دائم بأن الكلمات لا تذهب أبدا في الهواء، والتقييم يحدث، لا أعرف كيف لكنه يحدث، أنا وأنت سنتفق ببساطة على الجيد والرديء، وغيرنا كثيرون، وبعد سنوات من الآن سيبقى الموهوب والأكثر إصرارا ومن ليس لديه حرفة أخرى سوى الكتابة، وسيتساءل الباقون أين ذهب فلان وفلان وفلان. هل من جديد تعمل عليه الآن ؟ ? نعم، رجل يقرر فجأة التحول من مواطن صالح إلى شخص ضد القانون، فقط لأنه مل أن يكون صالحا، يرغب في اختبار قدرته على الشر كما اختبر الخير داخله. ما زلت فى المراحل الأولية، أحاول استدعاء الشر من داخلي لأكتب. القاهرة