كل عام يخسر لبنان مساحات شاسعة من أحراج الصنوبر، في ظاهرة ما تزال ماثلة منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي، وهي إلى الآن تنحو في خط تصاعدي يؤكد اننا سائرون نحو تهديد جدي لهذه الثروة الوطنية. يكفي أن نذكر، تبعاً لإحصائيات أجراها الدكتور زياد المصري قبل عشر سنوات، أن المتن الأعلى فقد خلال الحرب الاهلية 50 بالمئة من أحراج الصنوبر ، وعزا السبب للحرائق وعمليات القطع المباشرة وللتمدد العمراني الذي استفاد من غياب القوانين الرادعة. كان من المفترض أن تتراجع هذه المشكلة منذ بداية التسعينيات، بعد أن استعادت الدولة هالة حضورها، لكن ظاهرة بناء المجمعات السكنية، وهي عبارة عن كتل اسمنتية ضخمة، عملت تحت ستار ورشة إعادة الاعمار وتنشيط الاستثمارات، هددت الغابات إلى أن تحرك الناشطون البيئيون في المتن الأعلى في إطار هيئة تنسيق العمل البيئي التي استطاعت التصدي لمشروعات عمرانية وحالت دون إقامتها. وفي ما بعد استطاعت الهيئة مع البلديات الناشئة أن تضغط باتجاه إقرار مخطط توجيهي، أنصف أصحاب الأراضي الشاسعة وظلم المواطنين الذين يملكون أراضي صغيرة بمساحتها، إلا أن هذا المخطط جاء في المحصلة النهائية لتصويب مشكلة البناء العشوائي، وتضمن بندا أساسياً يقضي بألا يتعدى ارتفاع البناء في أحراج الصنوبر أكثر من اثني عشر متراً، أي ألا يكون البناء أعلى من شجرة الصنوبر للحفاظ على جمالية المنطقة والحفاظ على سماتها الطبيعية. وقبل عامين، اضطر أهالي المتن الأعلى لمواجهة الاستثناءات من قبل السلطة التنفيذية، التي شرعت البناء لشركات قابضة خاصة ولكبار المتمولين بعيداً عن مفاعيل المخطط التوجيهي نفسه، واستمرت أعمال البناء في أحراج بلدة قرنايل وجوارها ولم يتمكن الأهالي بتحركهم واعتصامهم في ساحة البلدة من إيقاف هذه المشاريع. في هذا المجال، تتهم الدولة بأنها شجعت وسهلت العبث بالأحراج من قبل النافذين وأصحاب الرساميل الكبيرة، عبر استحداثها قوانين جائرة منعت أصحاب الأراضي من قطع أشجار الصنوبر اليابسة من حريق أو مرض، وبمعنى آخر، حالت دون إمكانية استغلال أحراج الصنوبر بشكل يؤمن بقاءها بمعزل عن المخاطر. وأقصى ما قامت به الدولة في هذا المجال، تمثل في استحداث عشرات مراكز الدفاع المدني من ترشيش في أعالي المتن إلى فالوغا ورأس المتن ورأس الحرف في المتن الأعلى، وصوفر وعاليه ورشميا وغيرها في قضاء عاليه. ولم تساعد مراكز الدفاع المدني المستحدثة في مكافحة الحرائق، لسبب بسيط وهو غياب إدارة الغابات بالطرق التي كان يعتمدها المزارعون في الماضي. فقبل ثلاثين سنة، لم تكن ثمة طرق زراعية وكانت الحرائق أقل، بسبب عمليات التأهيل المستمرة لجهة إزالة مخلفات الغابة من بقايا الأغصان المقلمة، وأعمال التقشيش الموسمية وإزالة النباتات البرية وحتى جمع الاوراق الابرية اليابسة المتساقطة من الأشجار والتي كانت تستخدم في المواقد. الحرائق الأخيرة وما فاقم حجم المشكلة، الحرائق الأخيرة التي طاولت أحراج الصنوبر من جزين إلى عاليه والمتن الأعلى والمتن الشمالي، بشكل غير مسبوق وأفضى إلى كارثة حقيقية، لم تقتصر نتائجها على فقدان مساحات خضراء جديدة، ما يعني أن ثمة تأثيرات سلبية على الصعيد الاقتصادي الاجتماعي، خصوصاً اذا علمنا أن دائرة المستفيدين من الصنوبر واسعة جداً، مع وجود أكثر من خمسين ألف عائلة في لبنان تعتاش من هذا القطاع (تبعاً لاحصاء أجرته قبل ثلاثة أعوام نقابة مزارعي وعمال الصنوبر في لبنان) عبر ضمان الأحراج من أصحابها ومن البلديات المالكة لأراض مشاعية، ومن خلال بيع الانتاج، فضلاً عن حلقة العاملين في القطاف والنقل و كسر الصنوبر في مكاسر هي عبارة عن مصانع صغيرة، وصولاً إلى التوضيب والتسويق. في هذا الاطار استغرب رئيس نقابة مزارعي وعمال اشجار الصنوبر في لبنان فخري المصري اندلاع الحرائق في عدد كبير من الاراضي اللبنانية وفي الاوقات نفسها ، وأكد ان ثمة افتعالاً في هذه المسألة تفترض التقصي والمساءلة على قاعدة معرفة من هم المستفيدون من احراق لبنان وتدمير ثروته الصنوبرية . وأشار المصري ل السفير إلى انه لو كان التحقيق في هوية الفاعلين يدخل ضمن صلاحياتنا كنقابة لكنا حققنا في الامر وعرفنا من الفاعل ووضعنا ذلك في عهدة القضاء ، ولفت الى ان التحقيق من اختصاص الجهات الامنية ونطالبها بمتابعة هذه القضية الملحة والمضي بها حتى النهاية . وناشد وزير الزراعة الاسراع الى اتخاذ اجراءات بحق مأموري الاحراج في كافة المناطق والعمل على ايجاد صيغة واضحة تنقذ ثروتنا الحرجية وتضع حدا لهذا الاهمال الفاضح . معتبرا ان استمرار الوضع على هذا النحو يهدد ثروة لبنان الحرجية وهي رأسماله الوحيد . ورأى المصري ان ثمة بعض النتائج غير المباشرة للحرائق من شأنها ان تترك اثراً سلبياً على المناخ والبيئة الطبيعية، خصوصاً اذا علمنا ان كل شجرة صنوبر تعطي في اليوم الواحد مئتي ليتر من الاوكسجين، اضافة الى انها تعتبر من اهم منقيات الهواء وهي عامل الجذب الاساس للاستثمارات السياحية الخليجية، خصوصاً في مناطق الاصطياف ، وناشد مجلس الوزراء وضع حد لهذا الاهمال . وقدرت بعض المصادر حجم الاضرار المادية المباشرة بأكثر من مئة مليون دولار اميركي، إلا أن هذه النسبة تظل قليلة إذا ما علمنا ان هذه الحرائق تترتب عليها نتائج كارثية على مستوى البيئة والمناخ وتماسك التربة والقطاع السياحي. فضلاً عن ان حجم المساحات الخضراء التي دهمتها النيران تعدى مئات آلاف الهكتارات من الاحراج، والمعروف ان المساحات الخضراء تراجعت في لبنان من خمسين بالمئة في مطلع السبعينيات إلى ستة بالمئة أو ما دون، بحسب ما أكد رئيس جمعية طبيعة بلا حدود المهندس محمود الاحمدية، الذي اعتبر ان هذه النسبة تراجعت الى ثلاثة بالمئة خلال العام الحالي . 13 مليون دولار خسائر حريق 900 هكتار مدير جمعية حماية وتنمية الثروة الحرجية منير بو غانم، قال: أكثر من 13 مليون دولار أميركي هي الخسائر المباشرة للحريق الذي اندلع في وادي جسر القاضي خلال الأسبوع الفائت نتيجة الاحتراق الكامل لنحو 900 هكتار من غابات الصنوبر المثمر وأشجار الزيتون والأراضي الزراعية والحرجية السنديانية. وفي تقييم أولي للحريق الهائل الذي استمر ثلاثة أيام والذي أجرته جمعيتنا، فإن معظم الغابات والأراضي الزراعية لبلدات شرتون ومرج شرتون وسلفايا وبوزريدة ودفون وجسر القاضي والبنيه وكفرمتى قد احترقت بشكل كامل. وأضاف بو غانم: قمنا بإعداد تقرير تبين من خلاله أن مئات من عناصر الجيش وضباطه وعناصر الدفاع المدني المزودين بأكثر من عشرين سيارة إطفاء إضافة إلى المتطوعين والأهالي ومساندة جوية من طوافات الجيش وطوافات القوات الدولية العاملة حاليا في لبنان لم تتمكن من إخماد الحريق وذلك بفعل العوامل المناخية التي ساعدت على انتشاره بسرعة. وجاء الحريق في وقت شهد فيه لبنان اندلاع عشرات الحرائق في الغابات أتت على مساحات واسعة من الثروة الحرجية . وأكد ان هذا الحريق دمر في غضون ثلاثة أيام ضعف مجمل المساحات التي شجرتها وزارة البيئة منذ بدء حملة تحريج لبنان التي نفذتها الوزارة منذ سنوات والتي طالبت الجمعية بأن تتضمن إجراءات جدية للحد من الحرائق ولم يؤخذ بمطالبتها آنذاك . وأشار بو غانم الى ان كلفة إعادة تحريج الأراضي التي طاولها الحريق تقدر بنحو ثلاثة ملايين دولار أميركي . ورأى انه لا يمكن مواجهة مشكلة الحرائق إلا من خلال إنشاء مؤسسة خاصة تعنى بالغابات يكون من ضمن مهامها الرئيسية مواجهة الحرائق وحصر الصلاحية فيها . لا صلاحيات لوزارة الزراعة! ويبدو أن صلاحيات وزارة الزراعة تقلصت في هذا المجال، فالمدير العام للوزارة غطاس عقل، أشار الى ان دور الوزارة في موضوع الحرائق يقتصر على التبليغ عن حدوثها للدفاع المدني . وعن دور وزارة الزراعة في مواجهة المشكلة القائمة ومساهمتها في أعمال التحريج، قال عقل: التحريج أصبح من صلاحيات وزارة البيئة وهي الجهة المعنية الآن بهذه المسألة ، ولفت الى أنه يرصد لوزارة البيئة كل سنة مبلغ خمسة مليارات ليرة لبنانية لصالح عمليات التحريج في لبنان. تراجع الإنتاج وزيادة في السعر ليس ثمة دراسات ميدانية حول انتاج الصنوبر الابيض الصالح للاستهلاك، باستثناء دراسة أعدت في منتصف التسعينيات بينت ان الانتاج في المتن الاعلى يصل الى نحو ستمئة طن من الحب الأبيض. إلا ان هذه الدراسة فقدت قيمتها العلمية لجهة ما لحق بالاحراج من جراء الحرائق وعوامل اخرى. مصدر مسؤول في هيئة تنسيق العمل البيئي في المتن الاعلى أشار الى ان الانتاج تراجع بشكل كبير خلال السنوات العشر الماضية وإن كنا لا نعرف ارقاماً محددة . واعتبر المصدر ان الحرائق كثيرة والمساحات التي تعرضت للاضرار كبيرة وأعمال التحريج ما تزال اقل بكثير مما هو مطلوب لاستعادة المساحات المحروقة . ولفت الى ان شجرة الصنوبر كي تصل الى مرحلة الانتاج الاولى تحتاج الى ما بين 17 و 25 سنة ثم يتزايد انتاجها حسب موقع الشجرة ونوعية التربة ونموها مع الزمن . أما رئيس نقابة مزارعي الصنوبر فخري المصري، فأشار الى ان انتاج الصنوبر من الحب الابيض وصل الى حوالى 800 طن منذ نحو ثلاث سنوات ، ولفت الى ان تراجع الانتاج المتوقع يصل الى نحو 10 بالمئة ، وأكد اننا نضغط من أجل ان تولي وزارة الزراعة الاهتمام المطلوب بقطاع الصنوبر . وأضاف المصري: قصدنا كوفد نقابة وزارة الزراعة من أجل المطالبة بإعادة احياء مهنة النواطير ، لان فعالية الناطور اكبر من فعالية مأموري الاحراج، كما طالبنا بإصدار قرار يمنع قطف الصنوبر باكراً وتحديداً قبل العاشر من تشرين الثاني للمحافظة على جودة الانتاج، لان نوعية الصنوبر اللبناني هي الافضل في العالم، والقطف المبكر يفقد الصنوبر جودته. وطلبنا بإيفاد فرق لمكافحة امراض الصنوبر ولا سيما مشكلة دودة الصندل التي تتسبب بيباس الاشجار، فعندما ننقذ غصنا مصاباً ننقذ شجرة وحرجا. الا ان جواب الوزارة كان ان ليس ثمة موازنة لتأمين الكوادر الفنية . وأشار المصري الى ان المنافسة الخارجية تراجعت مع ضبط الحدود اللبنانية حيث كان يهرب الانتاج الاجنبي ولا سيما التركي والصيني والاسباني والايطالي ، واشار الى انه نتيجة ذلك ارتفعت الاسعار الى مستوى يرد التكاليف ويحول دون اهمال هذا القطاع ، ولفت الى ان سعر كيلو الصنوبر الابيض قد وصل الى 25 دولارا الآن وكلفة انتاجه تتراوح ما بين 18 و 20 دولارا .