يُعتبر ريكور (19132005) أحد أكبر فلاسفة القرن العشرين. وقد تميّز بالانفتاح على مثلّث الفكر التأمليّ الفرنسيّ، والتحليليّ الألمانيّ والبراغماتيّ الأنكلوسكسونيّ. وإذا كان له من ميزة أساسيّة فهي أنّه فيلسوف الحوار بلا منازع. وقد بنى حواره على احترام الآخر، إذ جعله شريكًا في تعريف الحقيقة وصنعها وإن لم يشاركه وجهة نظره. حاول الإجابة عن مجموعة أسئلة منها: كيف نتذكّر؟ وماهو دور المؤرّخ في عمليّة السرد؟ وما هي ماهيّة الشرّ وأسبابه وأساليب مواجهته؟ وقد طمح ريكور إلى بلورة فلسفة تسمح للذاكرة بعدم نسيان جرائم الماضي من دون أن تقفل الباب أمام العفو، أي لا تجعل من النسيان محوا للذاكرة. وحاول صياغة مشروعه الفلسفي منتهجًا تأويليّة خاصّة به طعّم بها فينومينولوجيا هوسرل . وقد نشر مجموعة كبيرة من الأبحاث والدراسات والمؤلّفات كان من بين أهمّها الذات عينها كآخر الذي يعتبر أحد أهمّ ما نُشر في النصف الثاني من القرن العشرين. وتحتوي النسخة المترجمة لهذا الكتاب مقدّمة للمؤلّف بعنوان: مسألة الهويّة الذاتيّة وعشرة فصول أو دراسات، ومقدّمة مهمّة للمترجم، بالإضافة إلى كشّاف بالمصطلحات الفرنسيّة والعربيّة. وذلك ضمن مجلّد ضخم حوى 720 صفحة من القطع الوسط. وتكتسب النسخة العربيّة أهميّة خاصّة لأسباب ثلاثة: الأول هو أنّ هذا الكتاب يشتمل على أهمّ العناصر والمفاصل التي تشكّلت منها فلسفة ريكور. والثاني هو الأسلوب السلس للمترجم، ودقّته في اختيار الألفاظ المناسبة. والثالث والأهم، هو الأمانة التي تمّت بها الترجمة، كون المترجم جورج زيناتي تلميذ ريكور وصديقه على مدى ما يقارب النصف قرن، مع ما يعني ذلك من استيعاب المترجم العميق لأفكار المؤلّف، وهذا ما أضفى على الترجمة نكهة ريكوريّة خالصة. وتأتي ترجمة هذا الكتاب في خضمّ مرحلة يعاني فيها العالم العربي من تخلّف كبير على كل الأصعدة، ولاسيّما صعيد الفكر واللغة. وما الجهد الجبّار الذي بذله الدكتور جورج زيناتي في ترجمة هذا الكتاب إلاّ دليلاً على تحسّس هذه الأزمة ومساهمة في حلّها. وقد أكّد المترجم جملة مبادئ يجب أن تحكم عمل أيّ مترجم منها: 1 كل شيء قابل للترجمة إلى اللغة العربيّة. 2 إذا كان هناك من نقص فهو غير قائم في اللغة بل في مستعمل هذه اللغة. 3 ضرورة احترام تاريخ اللغة العربيّة وأخذه بالاعتبار أثناء القيام بعمليّة الترجمة. ويكفي , كدلالة على صحّة قناعة المترجم، تطويعه اللغة العربيّة لقبول معاني أصعب المصطلحات الأجنبيّة، وأكثرها تعقيدًا، ومنها الفرنسيّة. كعنوان الكتاب موضوع هذه المقالة soi meme comme un autre الذات عينها كآخر. فترجمة كلمة meme الذات كآخر أو بما هي آخر جاءت من كون ريكور يبني كل كتابه على التمييز بين الذات soi أو self وle meme. وقد لجأ المترجم الى كلمة معروفة وشائعة هي عين فرأى أنّها تفي بالغرض. ويلفتنا في الفصل الخامس (ص250) تمييز المترجم في هامش الصفحة بين الهويّة عينه والهويّة ذاته كمفهومين أساسيين في الكتاب، فالشخص يملك ذاتًا متميّزة عن هويّته العينيّة، فهي هويّته الذاتيّة التي تعيش الزمن وتتطوّر معه، ولا تتجمّد في الزمان. ونحن نلحظ عبر تتبّعنا لمختلف فصول الكتاب الكثير من التعابير التي لم يألفها القارئ العربي. مثل كلمة (التخنة) techne التي وردت في الصفحة .349 فحين تكلّم المؤلّف عن استهداف السعادة والحيرة الملازمة للاختيار بين عدّة مسالك، جعل الوسيلة الغاية لا تغطّي كل حقل العمل، بل فقط (التخنة) techne بمعنى الصناعة. ونجح المترجم في ترجمة كلمة mimesis (ص313) ب محاكاة وذلك انطلاقًا من تعريف أرسطو للتراجيديا على أنّها محاكاة للعمل. كذلك هناك تعبير آخر استعمله المترجم للفظة antisacrificelle (ص449) هو المضاد للأضحوي في اطار نظريّة راولز عن العدالة. هذا فضلاً عن المصطلحات الألمانيّة واليونانيّة العديدة التي لم يجبن المترجم أمامها، بل أعطاها من مخزونه اللغويّ ألفاظًا عربيّة مبتدعة حاكى فيها الفيلسوف ريكور الذي تميّز هو أيضًا بابتداعه لكثير من المعاني والألفاظ مثل distanciation التي وجد زيناتي مقابلاً لها في اللغة العربيّة كلمة (تماسف) لأنّ المؤلّف أرادها بالأصل تعبيرًا عن المسافة الكافية لكي يدخل الموقف النقدي من خلالها. ولن نطيل في هذا المجال، لأنّ القائمة طويلة، وفيها تأصيل ترجمانيّ مهمّ شكّل أحد مظاهر الإبداع اللغوي الذي أتحفنا به المترجم. ولا بدّ هنا من التنويه بالتعليقات والشروحات التي ذيّل بها المترجم حواشي النسخة العربيّة للكتاب فجعلتها أكثروضوحًا وغنى. أمّا على صعيد المحتوى، فقد شملت النسخة العربيّة مقدّمة للمترجم عرض فيها الخطوط العريضة لفلسفة ريكور من خلال مجموعة الكتب التي وضعها ابتداء من ترجمته المجلّد الأول لكتاب هوسرل : أفكار من أجل فينومينولوجيا محضة، مرورًا بأطروحته للدكتوراه التي حملت عنوان فلسفة الإرادة والتي صدرت بمجلّدين حمل الأول عنوان الإرادي واللاإرادي، كما حمل الثاني عنوان التناهي والإثم بجزأيه: الإنسان الخطّاء الذي حاول فيه ريكور وضع أنتروبولوجيا فلسفيّة تبحث في أصل الشر، ورمزيّته، مستعيدًا من خلاله الأسطورة بهدف تأويلها وفهم ما ترمز إليه، باعتبار أنّ الرمز يبعث على التفكير . كما نجد في مقدّمة المترجم عرضًا لعناوين كتب ريكور الأخرى مع أطلالة سريعة على كلّ منها، ولا سيّما صراع التأويلات، ومحاولة في فرويد، والزمن والسرد، والاستعارة الحيّة، والتاريخ، الذاكرة والنسيان، الخ... ذلك أنّ ريكور عُرف بحبّه للقراءة، كما يظهر من خلال كتبه التي حملت عناوين قراءات أو مطالعات 1و2و,3 وبغزارة إنتاجه الفلسفي وأصالته، نظرًا لتنوّع اهتماماته، وميله ل النقد والاقناع ، وقد صدر له كتاب يحمل عنوان النقد والاقتناع. مشكلة الذات يذكر المترجم أنّ ريكور قد انطلق منهجيًّا من فينومينولوجيا هوسرل التي وجدت ركائزها في الوصف والقصديّة والاختزال الماهوي، قبل أن يستنّ لنفسه منهجًا خاصًّا به هو التأويليّة أو الهيرمينوتيكا التي تسعى إلى اكتشاف المعنى المخبّأ خلف الظاهر، مستندًا إلى الفلسفة التفكّريّة لديكارت وكانط ومان دي بيرون وجان نابير. وتحرص تأويليّة ريكور على بذل الجهد المستمرّ في حمل التفكير على السعي من أجل فهم أفضل للذات والآخر والعالم، باعتبار أنّ معرفة الذات الأخرى شرطًا أولاً لتشكيل الذات الأنا. ويعتبر زيناتي أنّ كتاب الذات عينها كآخر يحتلّ موقعًا مهمًّا ومميّزًا بين كلّ مصنّفات ريكور، لأنّه جاء في مرحلة متقدّمة من عمره إذ نُشر في العام ,1990 وقد شاءه صاحبه أن يكون تتويجًا لكلّ فلسفته. أمّا الموضوع الأساس الذي تمحور حوله الكتاب فهو مشكلة الذات، والذات الفاعلة التي كان البنيويّون الفرنسيّون قد أنكروا وجودها. وإذا كان نيتشه قد أذلّ الكوجيتو عندما حوّله إلى مجرّد وهم، فقد سارع ريكور إلى التمييز بين هويّة الذات التي تتغيّر وتبقى في الوقت عينه محافظة على ذاتها رغم مرور الزمان، وبين هويّة ثابتة لا تتغيّر وهي ليست الذات بل ما يسمّى بالانكليزيّة (the same) التي تتميّز عن (the self) وهي ما سمّاها ريكور بالفرنسيّة (la memete) وقد أطلق عليها المترجم لفظة العين أو العينيّة، وهي أقرب إلى مفهوم الجوهر الذي لا يتغيّر، بل يبقى محاقظًا على ما هو عليه بالرّغم من مرور الزمان . وهذا التمييز هو ما سيتسلّح به ريكور للخوض في مغامرة الذات (le soi) الباحثة عن موقعها الأنطولوجي. ونحن نلاحظ في هذا الكتاب الكثير من المصطلحات التي نعتبر أنّ المؤلّف نجح في صياغتها أو قولبتها لتصبح قادرة على استيعاب المعنى الموضوع لها أصلاً في اللغة الفرنسيّة. ويلجأ ريكور إلى التحليل المنطقي للغة، فيكرّس الفصلين الأول والثاني من كتابه للغة. ومن خلال مقاربة دلاليّة للغة، يناقش ستراوسن الذي يلغي الأحداث الذهنيّة والتصوّرات والأفكار عندما يعتبر الفاعل مجرّد أحد الأشياء التي نتكلّم عليها، فيردّ عليه ريكور بأنّ كل ما فعله ستراوسن هو التكلّم عن الذات عينها مهملاً كل الهويّة الذاتية التي تتصف بالقدرة على الاستعمال والتغيّر مع الزّمان . ويناقش ريكور في الفصل الثاني تداوليّة اللغة وأفعال الخطاب عند أوستن. ثمّ ينقلنا عبر الفصلين الثالث والرّابع من عالم الإنسان المتكلّم إلى عالم الإنسان الممارس الفاعل والمتألّم. فيناقش الفلسفة التحليليّة التي تنكر الفاعل وتعتبره مجرّد أحد العناصر التي تكوّن الحدث. فيرد على أ.أنسكومب ودافيدسون اللذين يشدّدان على الحدث كواقعة مستقلّة يمكن وصفها منطقيًّا دون اللجوء إلى مفهوم الفاعل، بالقول إنّ نسبة محمول إلى فاعل منطقي هي غير عمليّة الإسناد التي يقوم بها الفاعل الحقيقي، وهو قادر على التسمية الذاتيّة وعلى تحمّل تبعة عمله كمسؤول. ثمّ ينتقل الكاتب إلى الهويّة السرديّة التي تشكِّل الجسر الذي يربط الإنسان المتكلّم والفاعل المتألّم بالإنسان الأخلاقيّ الذي يتحمّل مسؤوليّة عمله. ومنها ينطلق ريكور لبلورة فلسفته الأخلاقيّة التي ستشكِّل الفصول الثلاثة التالية. وقد ميّز ريكور بين الأخلاق (ethique) التي قال بها أرسطو، والتي تتعلّق بكلّ ما هو خيّر وحسن، وبكلّ ما يجعل الحياة طيّبة، أي الأخلاق الغائيّة المنطلقة من الرّغبة, وبين أخلاق الواجب التي قال بها كانط (morale) وهي كل ما يجب أن نفعله، أي ما فيه الزام وإكراه، جاعلاً الأولويّة دائمًا للأخلاق. ذلك أنّ الذات لا تعيش وحدها بل هي في علاقة يوميّة مع الآخر، وهذا يتطلّب الاهتمام والعناية به، لأنّ تقدير الذات يتجلّى في احترام الآخر. كما أن العدالة تقتضي الاهتمام أيضًا بالآخر البعيد الذي هو أيّ إنسان. وهذه العدالة تعني أن يحصل أي فرد في جماعة على نصيبه الذي يستحقّه من الخير العام. لكنّ هذا الهدف لا يتحقّق إلاّ من خلال تعميم المبدأ الذاتي الذي يحكم تصرّفاتنا، أي عقلنته بالمعني الكانطي، وهذا يتطلّب وضع معيار له لجعله صالحًا لجميع البشر استنادًا إلى قول كانط: إفعل فقط طبقًا للقاعدة التي تجعل في إمكانك أن تريد لها، في الوقت عينه، أن تغدو قانونًا كلّيًّا . بيد أنّ إرادة العيش الحرّ الصالح التي تتلاقى مع متطلّبات العقل العمليّ تعني عدم الخضوع لتشريع يأتي بالقهر والإكراه. من هنا جاء القسم الثاني من الأخلاق ليمثّل العيش الجيّد الخيّر مع الآخر ضمن مؤسّسات عادلة، وهذا يعني الولوج إلى عالم السياسة. مفهوم العدالة ويحاور ريكور هنا الفكر الأنكلوسكسونيّ ومفهوم العدالة من خلال الاشكالية التي طرحها الفيلسوف الأميركيّ راولز، وهي رفع الظلم عن الناس وارادة الإنصاف القائمة على النظريّات التعاقديّة المنطلقة من القاعدة الذهبيّة القائلة: لاتفعل مع الآخرين ما لا تريد للآخرين أن يفعلوه معك . وهذا ما يلتقي مع واجبيّة كانط التي تصطدم بواقع حيرة الإنسان أمام وضعه المأسويّ. وهنا يلجأ ريكور الذي عانى من حادثة انتحار ابنه أوليفييه، إلى الأدب من خلال تحليل تراجيديا أنتيغوني وعقدة أوديب اللتين تفيدان أنّ الإنسان يتعلّم دومًا بعد فوات الأوان. ثمّ يعود إلى أرسطو والحكمة العمليّة المتصلة بالتجربة والتبصّر لتجنّب الوقوع في الهاوية. لكنّ عدم وجود معيار أخير يحسم خياراتنا ويكون صالحًا لكلّ البشر جعل ريكور يتجه إلى اعتبار أنّ الحكمة العمليّة تتطلّب، على الصعيد الجماعي والعيش معًا، مُحاججة أخلاقيّة قائمة على فتح جدل أما الجميع تناقش فيه كلّ الأمور المتعلقة بالشأن العام كالحكومة والديموقراطيّة وحقوق الإنسان داخل الغرب ومع من هم خارجه , بهدف التوصّل إلى الحقيقة التي تشكِّل اقتناعات الناس التي اكتسبوها نتيجة هذا الحوار الدّائم بين الجميع. وهذا ما يؤدّي إلى الإقرار القائم على الوثوق بالآخر والثقة به. وهذا الإقرار هو مفتاح كتابه الذات عينها كآخر الذي اعتبره ريكور أنتروبولوجيا فلسفيّة تحاول الإجابة عن سؤال كانط ما هو الإنسان قبل أن تنتقل لتجيب في الفصل الأخير عن سؤال ما هو الوجود. خلاصة القول، هي أنّ ريكور الذي رفض تقسيم الفلسفة إلى فلسفة قارّية واخرى أنكلوسكسونيّة، فتح الأبواب كلّها أمام مختلف التيّارات الفكريّة فتحاور مع كبار الفلاسفة ومع سائر العلوم الإنسانيّة، فبنى فلسفته انطلاقًا من اطلاعاته الواسعة مثله في ذلك مثل أرسطو وابن رشد كما يقول المترجم، فابن رشد اعتقد بعمق بإمكانيّة ضمّ كل المعرفة البشريّة بعضها إلى بعض عن طرق الإصغاء إلى كلّ الأمم ، لكن ضمن اطار التشدّد العقلانيّ، كما فعل أرسطو عندما خالف أستاذه أفلاطون الذي لجأ الى الشعر والأسطورة، وهذا ما طالب به ريكور عندما دعا إلى التزام الجهد العقلانيّ المحض. كما رأى المترجم بين ريكور وابن رشد قرابة هي، بالإضافة الى دعوتهما إلى العقلانيّة وعدم خلط صوت الفيلسوف بصوت المتديّن، قولهما بالتأويليّة كطريق موصل إلى حلول عمليّة للمشاكل المطروحة على صعيد السياسة والقانون.