الواضح من خلال تتبع اجراءات محاكمة صدام حسين ومعاونيه في السلطة منذ بدايتها وحتى صدور الأحكام بتاريخ 5/11/,2006 بأحداث الدجيل عقب محاولة اغتياله، التي ذهب ضحيتها العشرات من الأبرياء وتهديم ممتلكاتهم، انها تمثل حدثا بارزا في تاريخ مسؤولية الرؤساء من خلال ممارسة صلاحياتهم وتجاوز هذه الصلاحيات بصورة سافرة وإرساء أسس ثابتة ومرنة من أجل محاسبة اي شخص ومهما علت رتبته أمام شعبه، او أمام المجتمع الدولي، وبالأحرى أمام الاثنين معا، وبذلك يتكرس هذا الواقع من منطلق وضع ضوابط انسانية وأخلاقية تعمل كمنارة تهدي الحاكم في مهمته، فلا يجنح نحو إساءة استعمال سلطاته لغايات شخصية كأنها ملكية خاصة يسعى لأن يورثها الى ذريته بأي وسيلة ولو تطلب الأمر ارتكاب أفعال الإبادة ضد من يهدم او يحاول ان ينتزع منه تلك الأمنية الغالية على قلبه. وبصرف النظر عن النتائج السلبية والمدمرة التي ترتبت على احتلال قوات التحالف للعراق وتقطيع أوصاله وتأجيج فتن الحرب الأهلية بين أفراد شعبه، حيث ما زالت نيرانها البغيضة تحرق الأخضر واليابس وتعمي القلوب بدخانها الكثيف، فإنه من منطلق هذا الواقع نرى ان صدور الأحكام في ظله وفي هذه المرحلة بالذات يمكن ان يسبغ عليها الطابع السياسي الذي يبعدها عن طبيعتها القانونية وبالتالي عن تحقيق روح العدالة التي تعتبر الغاية القصوى للقوانين في كل المجتمعات في كل مكان وزمان، وبمعنى آخر كان من المستحسن تأجيل اصدار الأحكام حتى يتحرر العراق من الاحتلال، وبذلك يسجل خطوة هامة وأساسية في السير نحو بناء ديموقراطية متكاملة. لا شك بأن الحكم بالإعدام على صدام حسين وعلى معاونيه ليس الأول في تاريخنا الحديث، ولن يكون الأخير في هذه الحلقة المتواصلة من الأحداث السياسية المتغيرة والسريعة التقلب في الشكل والمضمون، فقد شهد العالم هذا الواقع من خلال محاكمات نورمبرغ ,1945 ومحاكمات طوكيو ,1946 بعد الحرب العالمية الثانية، ويوغوسلافيا السابقة ,1993 ورواندا ,1994 كما جرى إعدام الرئيس الروماني نيكولاي تشاوشيسكو مع زوجته إثر محاكمة سريعة قامت بها محكمة عسكرية استثنائية سنة 1989 بتهمة الإبادة الجماعية وتدمير الاقتصاد الوطني. واذا كان الحدث يشير بحد ذاته الى ان أول رئيس عربي يقف امام المحكمة ويدان فإنه يشكل بداية ايجابية بحيث يتعين ان يخضع للاجراء ذاته اي مسؤول في السلطة مهما بلغت رتبته اذا ما خرج على الضوابط الاخلاقية والانسانية التي تعينه في تحقيق مهمته وفق احكام القوانين السائدة. فالسير الطبيعي للأمور يشير الى ان مع إحالة صدام حسين الى المحكمة الجنائية العليا مع بقية المتهمين لا مفر من ان يلقى حكم الاعدام، لارتكابه جريمة الإبادة والقتل الجماعي بصورة عمدية، وهو أمر تشرعه القوانين الجزائية في العراق، ولا يسمح لأي سلطة، بما في ذلك سلطة الرئيس العراقي نفسه من ان يخفف من هذا الحكم او يستعمل حقه في العفو كما هي الحال في القانون الجزائي في لبنان. وبانتظار تنفيذ حكم الاعدام بعد اجراءات آلية استئنافه والذي تنظره غرفة استئناف مكوّنة من تسعة قضاة، فإذا صدقت الحكم فمن المفترض ان يوقعه رئيس الدولة، ويصبح قابلا للتنفيذ خلال مهلة الثلاثين يوما التي تلي التصديق عليه، ويبدو من تصريحات رئيس المحكمة والادعاء العام ان السرعة في اجراءات الاستئناف مطلوبة بهدف إسدال الستار على تلك الصفحة السوداء من تاريخ العراق. غدا لن يكون هنالك مفاجآت او صرخات حزن، بل سيكون مشهد الاعدام عاديا في الظاهر، وغير عادي في قلوب الناس ونفوسهم ومشاعرهم، ولأن معاناة الانسان العربي ترافقه منذ ولادته وحتى وفاته، واسدال الستار على تلك الاحداث والمآسي لن يكون سهلا، وقد يستغرق وقتا قبل ان نشعر ولو بقدر معقول من الاستقرار والاطمئنان الى المستقبل. مبدأ التدخل الدولي لحماية حقوق الانسان وحرياته الاساسية من المبادئ التي لم تتبلور إلا بعد تطور مستمر في حقل حماية واحترام حقوق الانسان، التي تعرضت في الماضي وما زالت تتعرض في كثير من الاحيان لانتهاكات خطيرة تجعل النظرة قاتمة وغير واضحة في مجال المحافظة على الحد الأدنى المرسوم لوجودها واستمرارها. ان فكرة المسؤولية الجزائية الدولية باتت تتناول الدول والأفراد على حد سواء، وهي لا تنحصر في شخص صدام حسين ومعاونيه. ومن باب الإنصاف ومبادئ العدالة القول بأن الشعب الفلسطيني يتعرض يوميا لمآس ومجازر تندرج في إطار جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الانسانية، وتعتبر اسرائيل مسؤولة عن اقترافها، وبذلك تتعين محاكمة من هو مسؤول عنها، لكن المعطيات توحي بغير ذلك، وهي تجسد الخلل الفاضح في سياسة تطبيق المفاهيم الدولية التي تخضع للازدواجية وعدم العدالة ومنطق القوة والتحكم، وهذا ما يؤكد عجز المجتمع الدولي وتردده في مواجهة القضايا الصعبة والحساسة. (?) استاذ جامعي