انتظروا اطلاق ميشال كيلو، لا نعرف من اين وردت الدعوة لكننا انتظرنا، الخبر بلا تفسير ولا شرح شأن الاعتقال، خاطر افضى الى الاعتقال وخاطر يفضي الى الاطلاق ولا حاجة الى شرح اكثر. يصح في ذلك قول الشاعر الذي ذم النعمان بأنها خطرات من وساوسه، يعطي ويمنع لا بخلا وكرما. أكان ذلك ذما للنعمان أم سبرا عبقريا لما هي السلطة. لنقل مع ذلك انها مكرمة من السلطات. اليس العيد على الابواب. هدية عيد للمعارضة وللمتقولين على الحكم تسد نابهم وتسكتهم. غدونا فإذا الخبر مكذوب وكأنه فرية او ادعاء. لا نعرف لماذا اقبلوا ولماذا احجموا. هل نصدق ان اللعبة برمتها دارت في قصر العدل وان القضاء تراجع في اللحظة الاخيرة. حظينا مجددا بقائمة من جرائم ميشال كيلو وقلنا انها بالفعل فظيعة. كيف تساهلوا حتى وصلت الأمور الى هذا الحد وماذا يدعو الى اطلاق رجل ينوء تحت جرائم كهذه. مع ذلك يبقى سؤال ابسط لماذا لعبوا بنا او لعبوا به. ما هو السر في بقاء عارف دليلة سجينا بتهمة سقطت عن غيره من زملائه. لماذا يجرم وحده. لا يعرف احد الا انها خطرات من وساوسه، وان الاطلاق والاعتقال سيان. يقول عمار القزي ان القضاء غير مستقل. تلك هي العبارات الحقوقية لقول شيء افظع. اما فاتورة ميشال كيلو فهي اولا تعريض سوريا الى خطر اعمال عدائية ولا نفهم كيف يعرض مثقف سوري بلده لخطر اعمال عدائية بمقال او تصريح فيما دولته لم تترك قوة في العالم الا واستعدتها. التهمة الثانية هي اضعاف الشعور القومي هذه لا تحتاج الى تفسير بل الى معنى. اذ حين يخيل لطرف ان الشعور القومي امر يمكن قياسه وتعييره وتحديد درجته يغدو السؤال، عن الميزان المستعمل لقياس ذلك. نافلا، اذ يعرف الجميع ان الكلام يجري عن طاقة تدعي الدولة ملكيتها واستثمارها على الوجه الذي تريد ويمكنها ان تدعي على من تشاء بسرقتها والاعتداء عليها. بالطبع حاول ميشال لكنه لم يستطع ولا يستطيع. فذلك الكنز العام لا يتأثر بميشال ولا غير ميشال. انه في الواقع رصيد الدولة الوحيد ولا يزال ما دامت في نماء واضطراد. يحاكم ميشال على محاولة مستحيلة كمن يحاكم على من فكر بالقتل او اشتهى السرقة في طويته. ما دام الشعور القومي مستعصيا على الاضعاف فكيف يمكن التحقق من اضعافه او السعي لاضعافه إلا ان يكون مالك الكنز عارفا بكيفية الاضعاف مالكا ايضا لأدواته، فنتحقق عندئذ من ان ميشال كيلو يشارك السلطة في معرفة رصيدها من الشعور القومي مثلما يشاركها معرفة تقويته واضعافه. وهذا اشتراك خطير في اكبر اسرار السلطة وهو وحده يجيز اتهامه بأكثر من ذلك. فماذا لو درى بأن رصيد الدولة من هذا الشعور قارب الافلاس مثلا، وماذا لو درى بأنها اضعفته حتى الدرك الأخير. انها معرفة خطيرة هذه وينبغي ان لا يشارك فيها السلطة انسان. فماذا يمنع عندئذ من تلصصه على السلطة او تجسسه عليها. تهمة كبيرة كهذه تستحق ان تفضي الى تهمة أخرى من جنسها وطينتها اثارة النعرات الطائفية والمذهبية لا تسأل عن الدليل ولا تطلب حجة او برهانا. لا تقل كيف لماركسي عتيق وليبرالي ان تكون له نعرة طائفية او مذهبية وهو لم يكن ما صار اليه الا لتنصله من كل جماعة وطائفة ومذهب. لا تسأل عن الدليل فهذا العلم اخطر من ان يترك للصحافيين والكتبة والسائلين. انه علم من علوم السلطة ايضا وسر من اسرارها، اذ لها وحدها ان تعرف ان في البلاد مذاهب وجماعات ومعرفة كهذه تشرك المرء في ذات الدولة، ويحق لها بأن تدعي عليه بأنه يسرق علم الملك ومع علمه قوته وسلطانه. الدولة وحدها عليمة بانقسامات المجتمع وفرقه وهذا علم لا تعرفه الا لتمنعه عن كل ما عداها، ولتحجر عليه عندها، وليكون لها وحدها حق الرجوع اليه والوقوف عليه وحق استثماره واستخدامه في الوجه الذي تريد، لنقل انه يكفي لاتهام امرئ باثارة النعرات ان يظهر علمه بها، فهذه أمور لا تدرك ولا تصير في علم أحد إلا وجعلته مريضا مؤذيا. إذا كان العلم تذكرة واضافة فإن علوم الدولة تكون بعكس ذلك كله نسيانا وتناقصا. الدولة تشيل العلم الزائد وتبيد العلم المؤذي وهذا امر اجل من الاستزادة والتكثر. أما عندنا في لبنان، فهذا علم مكشوف. خرج من يد الدولة بعد ان لم تعد دولة. وصار فجأة التاريخ والسلطة والثقافة والحضارة واساليب الحياة، ومن هنا يتحول كل تباين خندقا وكل اختلاف حدا لا يرحم. هنا ينفرد كل بجماعته ويكلمها وحدها في ملء من الناس وملء من المسائل ولا نقول ان هذا نعرة او عصبية ولا ندعي على صاحبه. ويقال ان الدولة آتية فنعوض لها كل ذلك لكن لا بأس من ان نريق كل مائنا قبل ان تأتي. ونسأل من يدفع ومن يضحي بدرهم مثقوب من اجل دولة لن تقوم قبل ان يتوقف الجميع عن المتاجرة بالاختلافات، ميشال كيلو في سجنه يسمع ما يجري في لبنان والاخوة السوريون يرون ويسمعون، ولعلهم يحتارون بين ان يحصروا العلم بالسلطان وحده او يشيعوه بين العامة بلا سلطان.