لا تتأسس بنية أوتار الماء المجموعة القصصية للكاتب محمد المخزنجي على حبكة محكمة صيغت بأسلوب مباشر، بل تتحرر من الحبكة والمباشرة، فالسرد لا يتتبع أيا من الأحداث، بل يدور في نطاق المحتمل. كما أن السرد لا يتعمد التغريب أو الإيغال في الخارق، بل يتلمس ما هو لا مرئي في المعاش، ذلك الذي غاب عن رؤيتنا تحت وطأة الحياة المعاصرة. تقدم القصص مجموعة من لحظات التجلي، التي لا تنبعث عن تأمل صوفي، ولا عن تنظير فلسفي، بل عن الصدف العبثية الطارئة دون تخطيط، أو قد تُستشف من المألوف اليومي. على سبيل المثال تتداخل الأزمنة في ذلك التواتر المتواصل بين الأمكنة في قصة تلك الحياة الفاتنة التي لا يهتم الكاتب فيها بسرد مجموعة من الأحداث، بل تمثيل تلك اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت التي تتجسد بها فتنة الحياة لحظة تكشف صواب الاختيار وتآلفه مع القدر المحسوب. يتكرر ذلك عبر القص الدائر حول لحظات يتواتر بها الخوف من مستقبل غامض يشوبه الموت، وحنين إلى ماض يختزن دفء العلاقات، وفي توهجها تشبثا باستمرارية الحياة. وفي تَنَقُل الراوي بين البيت والمستشفى، انفصال جسدي والتقاء روحي بالأشياء التي صارت معبأة بحضور الغائب، التقاء يفضي إلى تعرف ذلك الغائب. وفي التلامس الجسدي بين الحبيبين بالمستشفى تعرف لمكمن الاختيار. تعرف الأنا عبر الآخر تعرف للمجهول، تعرف للحظة الفقد. والموت حتى وإن تمثل في فقدان قطة عابثة في شوارع المعادي تباغتها سيارة مسرعة، لا يكون بالضرورة فقدانا للحياة، بل لهو يكشف وجهها الأكثر مراوغة، حيث يهب الحياة لمن يستطيع القفز إلى الجهة الأخرى من السور. ومن ثم، ففي الانتقال الحسي والخيالي بين الحياة والموت، الكلام والصمت، التجسيد والإيحاء، هنا تكمن فتنة الحياة. ومن ثم، يتمحور السرد حول لحظات التجلي أو الوعي المكثف فتغدو معادلا لموطن انحلال عقدة الحبكة في القصة أو الرواية التقليدية. يبتعد التطور السردي هنا عن الأحداث الخارجية ليغدو باطنيا، يتمثل في نوازع النفس والمشاعر الدفينة التي قد توحي بها قطة تتقافز بين الحياة أو الموت كما هو ممثل في قصة تلك الحياة الفاتنة ، أو حقيبة بلون الشفق والرمال ، أو محاولات مستميتة للاتصال بأصدقاء الزمن الجميل الذين ابتلعتهم الطقوس الرتيبة للأيام مثلما في قصة هرم داكن توشيه الثلوج . لذا فالسرد دائما يأتي في صيغة حوار صامت إما بين الراوي والحبيبة مثلما في تلك الحياة الفاتنة ، أو بين الذات الراوية والذات الفاعلة مثلما في هرم داكن توشيه الثلوج ، على سبيل المثال. ذلك الانقسام بين الأنا الراوية والأنا الفاعلة يقيم علاقة حوارية بين الفعل والفاعل، أي التجربة من حيث هي معاش والمتخيل بوصفه تجربة. كما أن العلاقة بين الذات الفاعلة والراوية تتوازى وعلاقة الذات بالآخر، فعلاقات الذات الراوية بالآخر، علاقة حضور يكتنفه الغياب. فالغائبون من الأصدقاء حاضرون، وحضورهم الغائب يسبب الآلام المفصلية المعوقة للحركة. وعي الذات الراوية بالعجز عن الاتصال بالغائبين يكثّف بتأمل الراوي لتحلق العابدين حول القبة البيضاء الصماء، فهم أيضا في حوار صامت، يغدو علامة على التلاقي والالتقاء. في الصمت إذن حوار يبتغي التواصل، قد يتحقق التواصل عبر حاسة الشم كما في قصة شرفة العطور أو عبر التلامس الجسدي مثلما في قصة أعز ما تبقى من عمري . أما في شرفة العطور فتتحاور الشخصية الرئيسية مع أرواح الموتى من الأسلاف وغيرهم عبر أريج النباتات والأعشاب، بينما في أعز ما تبقى من عمري لك هناك حوار روحي بين الآباء والأبناء عبر الحس الفيزيقي. تستمد الأرواح الهائمة حيويتها من رحيق الزهور التي يوفرها الأحياء، بينما يستمد الأبناء طاقة الحياة من ذلك الدفء المنبعث من وجد الآباء. تبدو البنية كمتاهة محيرة، فما يتبينه القارئ منها من مجريات الأمور يبدو مضللا للإدراك العقلي، بينما يغدو منشطا للوعي. وبينما يبدو العالم الخارجي محيرا ويصعب الولوج إليه، وما يتجمع من معلومات حياتية يصعب تنظيمها في نسق يستخرج منه معنى محددا، يتحسس الراوي/القارئ طريقهما في فراغ الصمت، فالتحرر من نسق الكلام يجعل التركيز على جوانب الحس الوجداني، فوحدها تسدد فجوات اللغة. والنهايات لا تنير حقيقة، بل تتناهى عن مدار البصر لتتفقد ما تيسره البصيرة، وإن ظل شحيحا. ما يتحقق عبر تلك البنية السردية الحرة هو المشاركة المتبادلة بين رؤية الراوي والمروي عليه، مشاركة تتحقق عبر العلاقة الوجدانية التي تربط الشخصيات. ومن ثم، فالتجديد السردي يظهر في كيفية تحقيق التفاعل بين الذات الراوية والذات الفاعلة من جهة، وبين الراوي والقارئ من جهة أخرى، ذلك بتجديد العنصر الزماني والمكاني دعامتي البنية السردية. الفيزياء والأدب وفي مجموعة أوتار الماء لا تعتمد البنية على التطور الزمني مثلما في السرد الواقعي، بل الدافع لقراءتها يحركه التفاعل البشري بالمعالم الطبيعية للأمكنة سواء تمثلت في ما تتلقاه حاسة البصر، أو الشم، أو السمع، أو الملمس كما أوردنا في بعض القصص وذلك من أهم عناصر التجديد في المجموعة القصصية. تكشف لنا هذه المجموعة أن الفرق بين الرواية والقصة ليس في عدد الصفحات، بل في مقدار تكثيف التجربة عبر السرد. ترتب على الإيجاز في مجموعة أوتار الماء التخلي عن التتابع الزمني، ليحل محله التنقل المتزامن بين الأمكنة، مما يمنح خيال القارئ فرصة أكبر للجنوح عن أطر التتابع الخطي واستلهام روابط جديدة بين صور الأمكنة. تنقض القصص المفهوم العلمي التقليدي للزمن وتعيد توظيف مكتشفات الفيزياء الحديثة في هذا الصدد. يتجلى ذلك في قصة المختفي مرتين حيث هناك احتفاء بالخروج من دنيا الفيزياء إلى دنيا الأدب، من دنيا العلم إلى دنيا الخيال. الأدب يستعيد الزمن المفقود على مستوى المتخيل بينما الفيزياء الحديثة ترنو إلى ذلك. يتوقع الفيزيائي الأكاديمي تأثير الفكر في المادة، وكأن الاتصالات الفضائية هي انعكاس للتخاطر بين البشر الذي يخلق عوالم اتصالية. يحقق الأكاديمي ذلك في حياته الشخصية، فهو يختفي من الحياة مرتين، بينما يعجز التفسير العلمي عن تفسير الحالة، وتأتي الصياغة العلمية لاختفائه مقتضبة وجافة. أما التفسير الروحي فبه استجلاء لتحركه بين الأمكنة باختراق الحاجز الزمني جسديا عبر تأثيره الروحي، وهذا ما كان قد فشل إثباته علميا في حياته الأكاديمية. وباختراق الحاجز الزمني صارت القصة تتمحور حول حاضر مستمر، أو تغدو الشخصيات كيانات في حالة تشكل آني متواصل، حتى في حالات التذكر، يصبح الماضي جزءا من التجربة الآنية. ومن ثم لا يتحدد عمر الشخصيات بعدد السنوات، بل بعمق التجربة. ففي قصة حقيبة بلون الشفق والرمل تمثل الحقيبة الرغبة الجامحة التي تحرك الطفل محمد إلى البحث عن بيضة الديك الذهبية والقبض عليها وإخفائها دون أن تختفي من حياته لتجسد الرغبة التي تراود الحلم، فإن تحققت في أشياء، توهجت أملا في أشياء أخرى. غدت البيضة الذهبية تجسد حلم التحقق ذلك السحر الذي يوقظ الحياة ولا ينطفئ بريقه فتتلازم أحلام الطفل وآمال الرجل، ويتماهى الراوي وتشيكوف بوصفهما طبيبين وكاتبين. تختفي المراحل العمرية أيضا في قصة طريق القناصة ، حيث تفيض الأمومة من طفلة سراييفو في فيض الحليب الذي يتسرب منها كلما التقت كائنا في احتياج جسدي أو معنوي إليها. وفي محاولة الطبيب المعالج لحالتها الغريبة تفسير أعراضها يستكشف جهله بما يخفى على العقل البشري، حيث يتسرب إليه لبن الطفلة ليملأ فجوات الصمت بينهما. في استكشاف عجز المنهج العلمي في تفسير الحقائق كافة، ما يدعم التخلي عن فكرة الفصل بين الأزمنة وتسلسلها التي تتفق والمنهج العلمي، وما يعمق وعي الراوي/القارئ بأهمية المعرفة البدئية، فهي أكثر توائما مع مفهوم الحضور المستمر وتشكل الذات المتواصل. وبافتقاد عنصر السببية والتتابع الزمني يختفي مفهوم الشخصية المتكاملة بالمعنى المتعارف عليه، بل يصعب الإيغال إلى مكنون النفس البشرية. يتمثل ذلك في عجز الطبيب النفسي الراوي في معظم القصص عن تشخيص الحالات التي يصادفها، والتشكيك في العلموية يدفع المتلقي نحو آفاق جديدة من الحس الوجداني الذي يعمل على مستوى الوعي لا الإدراك العقلي. التجديد في الرؤية الفنية يتفق تجديد البنية ورؤية الطبيب/الكاتب للفن وللحياة. ذلك التحول من طبيب إلى كاتب في الواقع المعاش يتماس وذلك الإشراق التي يتحول به الكاتب في النص من راو إلى ملهم. ويظل كل من الكاتب والراوي يتناوبان الأدوار، فهما في الواقع المعاش وفي النص السردي طبيبان ممارسان في الأمراض النفسية يتنازع فيهما التضاد بين الخلفية العلمية التي اكتسباها، والحس الروحاني الذي أخفقت التجربة العلمية في تفسيره. ومحاولة دمج التجربتين، لا تنتهج التنظير، بل تتمثل في محاولة تحقيق التواصل بين الكاتب/الراوي من جهة، والراوي/المروي عليه من جهة أخرى في محاولة تعرف العلاقة بين التجربة من حيث هي واقع معاش، ونص ينتج بالتخييل. بذلك يغدو فعل الكتابة أو السرد القصصي فضاء لالتقاء التضاد، تسفر عنه لحظة تجلي ملتبسة لا تفصح عن نفسها بوصفها لحظة التنوير للحقيقة القاطعة. تلك الرؤية الجديدة في النصوص القصصية تتمثل أيضا في الصدام بين ما يؤخذ طبيا على أنه بوادر فصام أو جنون، وبين اليقين الوجداني برؤية ما لا يراه الآخرون. كان الراوي/كاتب الرسالة في قصة رنين أوتار الماء يعالج بوصفه مريضا لاستماعه إلى أصوات أنين وعويل في رنين الماء. في إحدى الغابات البرية عادت إليه السكينة وصارت أوتار الماء تعزف له أصوات عصافير وخشخشة أوراق الشجر، لتفاعله ببكارتها. الراوي/المريض السابق صار المعالج الحالي، ويكتب الرسالة إلى طبيبه السابق الذي صار كاتبا بدوره في زيارة استكشافية للغابة. يتحاور الراوي مع الآخر سواء من انتمى إلى المكان، أو كان زائرا له عبر ذبذبات الطبيعة، فقد حققت لغة الطبيعة التواصل الذي عجزت اللغة عن تحقيقه. في الحس بالتآلف بين البشر والكائنات الطبيعية، الموجودات العضوية واللاعضوية، ما يساعد على لمح ذلك الوميض ، النابع عن تحقيق التوازن الداخلي، الذي ينشأ بدوره عن الانسجام الخارجي، وهو ما يحقق التواصل بين راوي النص والقارئ الفعلي. الخلاصة يغدو التجديد في السرد القصصي في هذه المجموعة على مستوى البنية والرؤية. فلم يلتزم الكاتب بوقائع تنسج الحبكة مثلما في بنية القصة الواقعية، بل نبعت الواقعية السردية في هذه المجموعة عن رؤية ذاتية، تستخدم اللغة الموحية لتمثيل حالة مزاجية أو مشاعر دفينة، لغة تتنقل ما بين التصوير المرهف، والمصطلحات الدارجة المستخدمة في المعاش. ومن ثم فهي تدرك تغاير الخواص في التجربة المعاشة، وتبتعد عن الواقعية السردية التي تزعم التوصل إلى ربط العلاقات بين المسببات والوصول إلى الحقيقة الكاملة. (القاهرة)