إذا كان من اليسير استعمال عبارة العقل العربي في الكتابات النقدية المعاصرة، فإن العقل العربي اليوم، مثلما كان بالأمس، مبتلى بالخرافة وتخاريف الفقهاء ومروجي الخرافات المتخلفين، أكانوا من ذوي العمائم او من ذوي التمائم ام غير ذلك. والأنكى، ان هؤلاء جميعا لا يتورعون عن الخوض في قضايا العلم ومسائله الشائكة ومشكلاته العالقة مع أنهم، في المسافة منه، كطرفي المقص، كلما اقتربا ابتعدوا. ومع ذلك فلا حرج يساورهم البتة حينما يسترسلون في الكلام على العلم وأهميته وضرورته. فهم، في هذه الحال، مثل الجرس الذي يدعو الناس الى الكنيسة، لكنه لا يدخلها قط. ان التفسير الخوارقي للكوارث مدين، في الخمسمئة سنة الأخيرة، الى ميشال دو نوتردام الذي اشتهر باسم نوستراداموس ، والذي تغلغلت نبوءاته في رؤوس العوام والخواص، وامتدت حتى بلدان شرقي المتوسط المفعمة بالنبوءات والمتسربلة بركام هائل من التصورات القيامية العجيبة والتفسيرات الخرافية الغريبة، ولا سيما تلك التي تتصدى لتفسير الوقائع المستعصية على التفسير. وقد كان نوستراداموس المولود في فرنسا في 14/12/1503 لعائلة يهودية اعتنقت الكاثوليكية مهووساً بالكوارث المخيفة كالفيضانات والهزات الأرضية وسقوط النيازك والأوبئة. ومنذ يفاعته شُغف بكتب السحر وكتابات المصريين القدماء ونصوص القبالاه ، ثم انثنى الى دراسة الطب في مونبلييه. واكتسب شهرة كبيرة حينما شاع عنه انه اكتشف مرهماً لمعالجة الطاعون الذي انتشر في ذلك الزمن، وراح يعالج الناس بذلك المرهم. لكن الطاعون إياه قضى على زوجته وابنته وابنه، فخسر صدقيته واتهم بالدجل. ولهذا هام على وجهه في إيطاليا، وكان يعتاش من قراءة الطالع وكشف المستور. وفي سنة 1554 أصدر كتابه في النبوءات العظمى ، فوضع لكل قرن مقبل مئة نبوءة، اي نبوءة لكل سنة، فسمي الكتاب القرون (Centuries). ونبوءاته عبارة عن رباعيات ذات قواف يمكن تأويلها كيفما كان بحسب الحوادث. وغطت هذه النبوءات 450 عاماً، اي حتى سنة ,2000 وصارت مادة خصبة للعرافين والمنجمين والدجالين وذوي الثقافات المبتذلة من الطبقات الشعبية. وتوفي نوستراداموس في 2/7/1566بعد ان ترك معيناً لا ينضب للمُمَخْرِقين ومفسري الكوارث. قبل نوستراداموس بنحو 900 سنة زعم بعض المسلمين ان الشمس كُسفت عندما مات ابراهيم ابن النبي محمد، وأنكر النبي ذلك. ومع ان الشمس لم تُكسف عند وفاة النبي نفسه، فإن البعض ما زال يردد هذا القول حتى اليوم بلا وجل. ولهذا ليس غريباً ان يستمر المصريون في إنفاق خمسة مليارات دولار على الشعوذة سنوياً، بل الأغرب ان يكون في مصر وحدها 300 ألف دجال ومشعوذ عدا عن الموجود في بقية البلدان العربية. وفي دراسة أعدها الدكتور محمد عبد العظيم، الباحث في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية (2006)، قال إن نصف النساء في مصر يعتقدن بأعمال السحر والشعوذة وقراءة الطالع ويترددن على الدجالين علانية، وإن المعلمين وأصحاب المستويات الثقافية الرفيعة يأتون ضمن الفئات الأكثر تردداً على الدجالين. وأضافت الدراسة ان 38? من مشاهير الفن والسياسة والرياضة والمثقفين هم من رواد السحرة والمشعوذين. أما قائمة المشكلات التي يرغب هؤلاء في حلول لها فهي: تأخر الزواج وعدم الإنجاب والمشكلات الجنسية والأمراض وزواج الرجل بامرأة ثانية والحسد وكشف الطالع والسرقات واكتشاف كنوز الأرض وطرد الجن. ربما يكون التردد على الدجالين، في أحد وجوهه، نوعاً من العلاج النفسي في مجتمع بات كالمطحنة، تماماً مثلما صار التردد على الكثير من الكنائس الجديدة في الولايات المتحدة الأميركية علاجاً نفسياً ايضاً ومحاولة لاكتشاف صداقات جديدة، وكطريقة لتطوير هوية للفرد في إطار جماعة إنسانية. وهذا بالضبط ما يمكن تسميته ب بيئة الإحباط او بيئة الاغتراب التي تحتاج دجالين عصريين لامتصاص الكرب، وتحتاج كلامنجي من طراز عمرو خالد لتشغيل عملية الإراحة النفسية للفئات الاجتماعية العليا، اي حكواتي بكرافات. كوارث ومؤمنون في العصور الوسطى كان البابا ألكسندر السادس يعاني التهاب المفاصل، لكن أتباعه كانوا يقولون للمؤمنين إن مرضه ناجم عن تعكر مزاج المريخ، وكانت الكنيسة تبيع تذاكر لدخول الجنة (صكوك الغفران)، ورجال الدين يعالجون السعال بحليب الحمير، والجميع يضحك من سخف عقول الدهماء ويسخر من جهل الناس. في صباح الأول من تشرين الثاني 1755 احتشد الناس في كنائس لشبونة في عيد جميع القديسين. وفيما هم متحلقون حول الكهنة وقع زلزال قوي ضرب المدينة ودمر 85? من منازلها ومات فيها 100 ألف من السكان. وهنا بدأ اليسوعيون (الجزويت) يروّجون إن هذا الزلزال هو عقوبة من الله على الرذيلة التي فشت في لشبونة. لكن هذا الزلزال قضى على الرهبان والراهبات في مَن قضى عليهم، بينما نجا الكثيرون من أعداء اليسوعيين. وهلل أهل المغرب له لأنهم اعتبروه انتقاماً إلهياً من محاكم التفتيش، مع أن الزلزال ضرب المغرب ايضاً وقتل بعض سكانه وهدم مسجد الرباط. حتى أن البروتستانت وجدوا في هذا الزلزال عقاباً للكاثوليك. بعد 18 يوماً، اي في 19/11/1755 وقع زلزال آخر على الطرف الغربي للأطلسي دمر 15 ألف منزل في بوسطن التي كان البيوريتانيون يعيشون فيها. وهذا ما دفع فولتير الى الهجوم على رجال الدين بقوله: أيها الحكماء الحمقى، أي جريمة ارتكبها هؤلاء الأطفال الذين اغتالهم الزلزال، وسالت دماؤهم وهم في أحضان أمهاتهم؟ وهل كانت رذائل لندن او باريس أقل من رذائل لشبونة؟ ومع ذلك دُمرت لشبونة وباريس ترقص. ألم يكن في مقدور الله أن يصنع عالماً ليس فيه هذا الشقاء الذي لا معنى له؟ . ساهم هذا الزلزال في انبثاق عصر الأنوار الأوروبي بسبب المجادلات الفكرية التي اندلعت عقب ذلك، وبسبب النقد الذي طاول الكنيسة الكاثوليكية وتفسيراتها الخرافية لهذا الزلزال. واشتهرت، في حمى تلك السجالات، قصيدة كارثة لشبونة التي كتبها فولتير، وإنه لأمر مهين للبشرية وللعقل الإنساني معاً أن نعيد، بعد 250 سنة، ما كان يقوله فولتير قبل قرنين ونصف قرن. أما الانحطاط بعينه فهو أن كلام اليسوعيين في سنة 1755 يعود اليوم بحذافيره، ولكن، هذه المرة، على ألسنة بعض الفقهاء المسلمين، كأن البشرية عندنا لم تقطع 250 سنة من التجربة المعرفية الهائلة في العلم والفكر والإبداع والفنون والأخلاق! اليسوعيون الجدد حينما اندفعت أمواج المحيط الهندي لتُغرق سواحل سريلانكا وأندونيسيا في أسوأ إعصار حديث (إعصار تسونامي)، سارع بعض الفقهاء وأشباههم من مروجي الخرافات الى امتطاء الموجات التفسيرية التي تضرب أدمغة البسطاء وتغرقها في لجج التخلف. فالدكتور يوسف القرضاوي لم يتأخر عن وصف تسونامي بأنها عقوبة إلهية ضد السياحة الجنسية (...) ففيها (أي في البلاد التي اجتاحها تسونامي) يتاجرون بالدعارة والشذوذ الجنسي والأطفال الفقراء. أفلا يستحق هؤلاء بعض عقاب الله؟ ( الأهرام العربي ، 5/2/2005). سنتوقع، إذن، بمعيار القياس، ان يعاقب الله مصر او المغرب او لبنان او دبي او المنامة او الدوحة جراء ما يحصل في هذه البلدان من دعارة واستهلاك مخدرات وخمور وسياحة جنسية كما عاقب أندونيسيا بفقرائها وأغنيائها، بالخاطئين والمؤمنين معاً، ولماذا لم تُعاقب هذه الدول حتى الآن وهي المجلية في هذه الأمور؟ وعلى منوال القرضاوي ونوله يغزل عبد العظيم المطعني بدَعَه فيقول: إن الزلازل والبراكين والأعاصير والسيول (...) تقوم مقام استمرار الرسالات السماوية في الإنذار والتخويف (...)، فهي علامة من علامات غضب الله على خلقه، وهي جند من جنود الله (مجلة المجلة ، 23/10/2005). وهذا الكلام تكرار وتكرير لما قاله القرضاوي نفسه عن إعصار كاترينا التي وصفها بأنها جندية من جند الله (أنظر: ي. القرضاوي Islam on line). وفي تقسيم إضافي على النغمة ذاتها زعم زغلول النجار ان إعصار كاترينا هو عقاب من الله لظلم الأميركيين في كل مكان حتى يتوقفوا عند حدودهم (أنظر: جريدة السياسة الكويت، 24/10/2005). ومع ان الذين وقع الظلم عليهم هم الأميركيون السود بالدرجة الأولى، اي المظلومين قبل إعصار كاترينا وبعده. إلا أن زغلول النجار لا يجد حرجاً في التصدي لتفسير مشيئة ربه فيستفيض في القول إن: الأعاصير والنوازل والبراكين وغيرها من النوازل هي جند من جنود الله ينزل بها على مَن يشاء من عباده عقاباً للعاصين وابتلاءً للصالحين (انتبهوا الى كلمة ابتلاء ) وعبرة للناجين. وإعصار كاترينا هو الأكبر في التاريخ الأميركي وتوقيته ايضاً بأمر الله (المصدر السابق نفسه). التوليد المنطقي لهذا الكلام يؤدي الى الاستنتاج أن إسرائيل هي ايضاً جندية من جنود الله. وأرجو ألا يستغربن أحد هذه النتيجة، فقد قال بها الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي حينما ادّعى أن الله عاقب الفلسطينيين بضياع ديارهم لأنهم تركوا شريعته. والشيخ محمد متولي شعراوي سجد ثلاث مرات شكراً لله عندما هُزم الجيش المصري في 5 حزيران ,1967 فقد رأى في تلك الهزيمة ثأراً لله من جمال عبد الناصر. ألم يقل الشيخ أحمد ياسين إن هزيمة 1967 ليست إلا ثأراً من الله لدم سيد قطب؟ (أنظر: عبد القادر ياسين، حركة المقاومة الاسلامية في فلسطين ، القاهرة: سينا للنشر، 1990). إنها مدعاة للدهشة حقاً أن يختار الله إسرائيل لمعاقبة مصر. ماذا يختلف، إذن، كلام هؤلاء المشايخ عن كلام الحاخام عوفاديا يوسف الذي رأى في ملايين اليهود الذين ماتوا في المحرقة النازية مجرد نفوس هالكة عاقبها الرب على خطاياها؟ والحقيقة إنني لا أدري، على وجه الدقة، كيف يبيح هؤلاء المشايخ لأنفسهم هذا العبث، وكيف يتجرأون على القول إنهم يعلمون خفايا الأوامر الإلهية الى جنوده. ربما كانوا يصعدون، باستمرار، الى سدرة المنتهى، وهناك يتداولون مع الحضرة الإلهية في هذه الشؤون، وإن الله يخبرهم، بالفعل، عن التفصيلات الكاملة، ولا سيما حينما يرسل جنوده لترويع خلائقه بهذه الكوارث. وبحسب معرفتي فإن الله ليس عسكرياً من عيار الصول عطية في ثكنات التدريب العسكري حتى يعاقب المجموعة كلها في ما لو أخطأ واحد من أفرادها تطبيقاً لقاعدة الانضباط البقري التي تقول: العقوبة جماعية والمكافأة فردية . وأبعد من ذلك، فإن ثمة طرازاً من المتدينين لا يتورع عن التلاعب حتى بالنصوص الدينية المقدسة، وما همهم في ذلك؟ المهم ان تصح أخيلتهم وأوهامهم وتنبوءاتهم وتفاسيرهم. ومثل هذه التفاسير المبتدعة هي، في بعض وجوهها، تلاعب كريه ينفر منه العقل. وعلى سبيل المثال فقد زعم نفر من هؤلاء ان برجي التجارة في نيويورك يقعان في شارع اسمه جرف هار Jerf Harr وهذا غير صحيح على الإطلاق. وكل ما في الأمر ان هؤلاء أرادوا ان يتطابق الحدث مع الآية القائلة: أفمن أسس بنيانه على شفا جرف هار... ، الأمر الذي يذكرنا بالحكاية التالية: سأل أجنبي رجل دين مسلماً: هل صحيح ان القرآن قد جاء فيه كل شيء، وأنه احتوى على كل علم؟ فأجاب رجل الدين: نعم. فقال الأجنبي: هل ورد اسمي فيه إذن؟ فسأله رجل الدين: وما اسمك؟ فقال: كوك. فانفرجت أسارير رجل الدين وقال: نعم، لقد ورد اسمك في قوله تعالى: وتركوك قائماً (سورة الجمعة، الآية 11). ??? عندما انفجر مكوك الفضاء الأميركي تشالنجر اعتبر البعض هذا الحادث عقوبة إلهية، واعتبره العلماء خطأ فنياً، وأرسلوا بعده العشرات. أما نحن العرب فما زلنا نفرح حينما نجد في مطموراتنا العتيقة نبوءة او إشارة الى الكوارث التي تعصف بنا في كل يوم، حتى تحولت العقول العربية مجرد أدمغة (إقرأ: نخاعات) لم يصل العلم إليها جديا بعد، عقول بعضها كالأحذية الأرمنية: لا تضيق ولا تتسع وإنما تتهرأ.