بدأت، أمس الأول الخميس، العروض التجارية اللبنانية للفيلم الروائي الطويل الأول للمخرج المصري الشاب مروان حامد، عمارة يعقوبيان (160 دقيقة)، في صالات كونكورد (فردان) و الزوق و ستارغايت (زحلة) و أبراج (فرن الشباك) و سيتي كومبلاكس (طرابلس) و سانت إيلي (انطلياس). تمثيل: عادل إمام ونور الشريف ويسرا وإسعاد يونس وهند صبري وسمية الخشاب وخالد الصاوي وباسم السمرة وأحمد بدير وأحمد راتب. إنتاج: شركة غوود نيوز (عماد الدين أديب). توزيع: الشركة العربية للإنتاج والتوزيع (إسعاد يونس). النص السينمائي: وحيد حامد، عن رواية علاء الأسواني التي تحمل العنوان نفسه. تحمل عمارة يعقوبيان عناوين كبيرة في طوابقها الاجتماعية والإنسانية والحياتية. في العام المقبل، تبلغ العمارة، القائمة في وسط البلد في القاهرة، عامها السبعين. تأتي، اليوم، من تاريخها العريق هذا، كي تمارس لعبة الإغواء البصري، وهي تزيل أقنعة عدّة تلطّخت بها المدينة والبيئة، وغرق فيها ناسها وعوالمهم. تقف، من خلال رواية وفيلم لا يختلفان عن بعضهما البعض، عند الزاوية الأقدر على الكشف والمساءلة والفضح. وبقامتها الفرنسية المصنوعة في زمن الملكية والرخاء الاجتماعي، تروي فصولاً من سيرة مجتمع غاص في تشعّبات الحياة وانفلاتها على البؤس والفساد والجريمة، وتوجّه اتهاماً إلى رجال بالزيّ العسكري أحدثوا، بثورتهم ثم بانفتاحهم، بداية الانهيار الفظيع لقيم راسخة في الوجدان الإنساني، ولسلوك مختلف في التعاطي مع شؤون الحياة وشجونها، وبداية تحوّل كبير سار، بالناس والمجتمع، إلى هاوية الفوضى والهزيمة والتمزّق. مرآة الواقع طالما أن هذه العمارة تحتوي على كَمّ هائل من المعطيات المجتمعية، بدت قابلة لأن تكون حيّزاً جغرافياً مفتوحاً على فضاء الثقافة والسياسة والتجارة والمصالح، ممثلاً (هذا الفضاء) بنماذج بشرية اختلطت مستوياتها وتداخلت حيواتها في لحظة الانهيار الكبير: انهيار قيم وقواعد وقوانين ومسالك غير مكتوبة، نظّمت الحياة الاجتماعية والسياسية والمالية، قبل أن يبدأ سقوطها (أي انهيارها) منذ قيام ثورة الضباط الأحرار في العام ,1952 ويبلغ ذروته في عصر الانفتاح الساداتيّ. وطالما أن هذه العمارة قابلة لأن تكون مخزوناً حيّاً من القصص المستلّة من يوميات ناسها والمحيطين بها، وهي قصص تنفلش على الواقع السياسي وتحوّلاته، بما يرافقه من تغييرات جذرية في كل شيء (العمارة، الشوارع، الأزياء، النظافة، السلوك، الثقافة الحياتية، الفروقات الطبقية، العمل السياسي، التجارة، الأعمال، إلخ.)، فإن مضمونها يُغري المرء، ويدفعه إلى خوض مغامرة البحث عن معنى التحوّل، أو في أسبابه. وعلى الرغم من هذا الإغراء، فإن رواية عمارة يعقوبيان لعلاء الأسواني لم تجعل من صفحاتها تحليلاً اجتماعياً وسياسياً مباشراً، بل جعلت شخصياتها المقتبسة من الواقع، وإن بدت هذه الشخصيات ضائعة عند الحدّ الواهي بين الحقيقة والمتخيّل، مرايا هذا التحوّل وحكاياته التي تكاد لا تنتهي. شخصيات الرواية، التي نقلها وحيد حامد إلى نصّ سينمائي لم يُعمل فيه تبديلات فعلية، بدت ملتبسة في علاقتها بالواقع. ذلك أن النصّ الأدبي صاغ فضاءه الروائي من داخل عمارة موجودة بالفعل، واستعان بذاكرة لا تزال حاضرة، واقتبس شخصياتها من تاريخها المروي شفهياً على ألسنة كثيرة عاش أصحابها أو عرفوا أو استمعوا إلى هذا النبض المعتمل في زواياها وطبقاتها وغرفها التي شهدت وشاهدت. قيل إن هناك من تقدّموا بشكاوى عدّة بسبب قيام الروائي علاء الأسواني بالتلميح إليهم في نصّه المشغول بحرفية تبسيطية تقدّم عمق السرد بلغة سلسة. فكان الردّ: كل من يجد نفسه في الرواية (ثم في الفيلم)، من دون أن تنال صورته هذه إعجابه، فليتقدّم بشكوى، أو فليرفع دعوى . لا بأس بهذا كلّه. لأن أحداً لا يستطيع أن يؤكّد (أو بالأحرى لا يتجرّأ على التأكيد) أنه هو المقصود بالمثلي الجنس (خالد الصاوي) أو بالفاسد السياسي (خالد صالح) أو بتاجر المخدرات (نور الشريف) أو بالمغامر النسائي (عادل إمام) أو بالمحتال القبطي (أحمد بدير وأحمد راتب) أو بالإرهابي (محمد إمام). بين الرواية والفيلم هذا كلّه انتقل إلى الشاشة الكبيرة، في تجربة أولى لمخرج شاب قدّم سابقاً أفلاماً قصيرة، كشفت حساسية فنية وبصرية ودرامية جميلة (ك لي لي مثلاً). ذلك أن مروان حامد اختار، في مطلع رحلته الروائية الطويلة، نصّاً أدبياً لم يبلغ مرتبة عالية في لغته الإبداعية، بقدر ما حافظ على جمالية متواضعة في كشف بعض المستور في داخل عمارة، ليست أقلّ من مرآة لبيئة اجتماعية ولمدينة مكشوفة أمام تحوّلات التاريخ وتبدّلات الجغرافيا. لا ضرر في ذلك. لكن، أن ينقل المُقتَبِس (وحيد حامد) الرواية ب حذافيرها إلى الشاشة الكبيرة، بحجّة احترامه شعبية الرواية، وعدم رغبته في إحداث صدمة الاقتباس غير الحرفي لدى المتلقّي السينمائي، فهذا ما يطرح، أو يعيد طرح سؤال العلاقة القائمة بين الأدب والسينما. هنا، في عمارة يعقوبيان ، بدا الأدب والسينما واحداً: عالم الفيلم السينمائي لا يختلف أبداً (إلاّ في لحظات قليلة للغاية) عن عالم الرواية. من قرأ نصّ علاء الأسواني لن يعثر على ترجمة سينمائية في نصّ حامد الأب والابن، ومن لم يقرأها، سيعثر عليها في عمل مروان حامد. هنا، تكمن المشكلة. فعلى الرغم من تمتّع الرواية بنسق بصري وبلغة مشهدية، بدا الفيلم نسخة فطرية عنها. لم يعمل أحدٌ على إعادة صوغ الرواية سينمائياً. لم يشأ صنّاع الفيلم أن يخوضوا مغامرة التنقيب عن الأسس التي تصنع كل فنّ، وعن آلية نقل المكتوب إلى صُوَر. اكتفى هؤلاء بوضع ميزانية ضخمة (قيل إنها بلغت اثنين وعشرين مليون جنيه مصري)، وبتشكيل فريق من الممثلين ضمّ مجموعة بدت متجانسة، إلى حدّ ما، في قالبها السينمائي هذا، وإن تفاوتت مستوياتها في الأداء والسلوك التمثيلي بين تقليدي أتقنه الكبار (عادل إمام، نور الشريف، يسرا) بسبب تجربتهم الطويلة في التمثيل، وبين عاديّ غير مبهر قدّمه آخرون انتموا إلى أجيال مختلفة من الممثلين (إسعاد يونس، باسم السمرة، خالد الصاوي وغيرهم). بين هاتين الفئتين ، حافظت هند صبري على حضورها الآسر. بدت أجملهم في تقديم مرارة الواقع، وبؤس اليوميّ، وبشاعة القهر. قدّمت دورها (بثينة، الفتاة الفقيرة المعدمة، التي تعاني تحرّشات الآخرين بها، وتحاول أن تعثر على مكان آمن في هذه البؤرة العصيّة على الراحة والسكينة) بحرفية جميلة في التصرّف والنطق والعفوية. هناك خالد الصاوي، في دور حاتم رشيد (صحافي فرنكوفوني مثلي الجنس): على الرغم من أن الشخصية مرسومة درامياً بشكل تقليدي مستلّ من سلوك مثلي الجنس، إلاّ أن الصاوي (الذي قدّم سابقاً شخصية جمال عبد الناصر في فيلم للسوري أنور القوادري) تمكّن من إعطاء الشخصية معالمها المطلوبة بشفافية ومصداقية. لن أقول إن هؤلاء جميعهم ظهروا على الشاشة الكبيرة وهم يقرأون النصّ الأدبي المنقول إلى السينما. لكن، هناك، في خفايا النصّ السينمائي، ما يشي بقراءة كهذه، وإن لم تصل مرحلة النقل الحرفي. حسنات الميزانية ومساوئها هذه الميزانية الضخمة أدّت إلى إنتاج فيلم يكشف شيئاً من القاهرة في منعطفاتها التاريخية الآنيّة (نهاية الثمانينيات، بضعة أعوام من التسعينيات الفائتة)، من دون أن يتحرّر من أخطاء تقنية عدّة، يكمن أبرزها في استمرار الخلل في تسجيل الحوارات (وهذه مصيبة السينما المصرية تحديداً)، وبهتان التلوين الخاصّ بالفيلم كلّه، وعدم القدرة على التقاط صوت المدينة بما يتلاءم مع واقعها الحيّ، وإن كسر التصوير السينمائي حدّة هذه الأخطاء. طالما أن الفيلم متمتّع بميزانية ضخمة كهذه، لماذا بدا مشهد اغتيال الضابط الأمني، مثلاً، باهتاً وغير قادر على أن يُصَوَّر بسوية فنية مطلوبة لا تحتاج، في ظلّ التقنيات الحديثة والقدرة على الاستعانة بأصحاب الخبرة، إلى عناء كثير لتصويرها بواقعية حقيقية؟ وطالما أن الفيلم متمتّع بميزات أخرى (نجوم كبار، ترويج إعلاني ضخم، ثقة بمخرج شاب لا يملك تجربة روائية طويلة سابقة، شركة إنتاج تريد، منذ بداية مشوارها الفني، أن تثبت حضوراً مختلفاً لها في المشهدين السينمائيين المصري والعربي)، ألم يكن ممكناً تجنّب الأخطاء الفنية والتقنية، أم إن هذه الأخطاء نتيجة حتمية للتجربة الأولى للمخرج؟ إلى جانب الرسم المعتاد للشخصيات، الذي يُفسّر الانتماء (الاجتماعي والحياتي والسياسي والثقافي) بدل أن يوحي به، والسياقات المتقابلة لمجريات الأحداث ومصائر الشخصيات (بعضها لا يلتقي ببعضها الآخر، لكن الجميع يلتقي عند المساحة الضيّقة لهذه البيئة الخاضعة للابتزاز اليومي المتنوّع في السياسة والتجارة والجنس والعلاقات المحطّمة، وللموت المقيم في فضاءاتها الحديثة)، هناك لحظات جميلة، تقنياً ودرامياً وإنسانياً. من التصوير السينمائي الجميل للقطات بسيطة (زجاجات الخمر، سكب النبيذ في الكؤوس، التقاط الألوان الغامقة، الزوايا الخاصّة بالمنازل وتفرّعاتها وبالشوارع ومتاهاتها، العيون التي تعكس قهراً وغضباً ومرارة، إلخ.) إلى تصوير أعمق لخفايا الشخصيات ومصائرها، ولبؤر المدينة وعزلاتها. بين الجميل والمعتاد والممل (في بعض المشاهد واللقطات)، قدّمت عمارة يعقوبيان لحظات آسرة بحنينها العظيم إلى زمن الجمال الكامن في كل شيء، وبقسوة انتقادها للآنيّ الغارق في قذارة الفساد والجريمة والبؤس والموت. مثلٌ أول: صرخة زكي الدسوقي (عادل إمام) في الشارع ليلاً، لتبيان الفرق القاتل بين ماض جميل وحاضر مقرف، في العمارة والنظافة والسلوك البشري والتصرّفات الاجتماعية والحساسيات الإنسانية (ألا يقصد بيروت أيضاً في تحولاتها القاتلة؟). مثلٌ ثان: بثينة (هند صبري) وصرختها المكتومة، التي تنضح ألماً ودماً، لأن العالم اليوم ضيّق وخانق، والمرأة سلعة، والجمال سبب للمآسي. تستحق عمارة يعقوبيان أن تُقرأ وأن تُشاهد (لا أعرف أيهما أفضل: القراءة قبل المُشاهدة، أم العكس). تستحق أن تناقش، في مضمون النصّين الأدبي والسينمائي، وفي شكلهما المعتمد في سرد مقتطفات من سيرة مدينة وناس وتاريخ. فعلى الرغم من الهنات الفنية والتقنية والدرامية، التي قد لا يراها آخرون هنات، تبدو العمارة شاهداً يعيد رسم التفاصيل المنسية في بؤر التحوّلات والمنافي الداخلية، ويفتح أفقاً حيّاً لطرح الأسئلة المستمرّة في زرع القلق والغضب في داخل البيئة التي تنتج فساداً وأصولية وفقراً وانهيارات.