As Safir Logo
المصدر:

المضاعفات النفسية للعدوان الاسرائيلي على تلامذة لبنان وطلابه إصابات مباشرة تتركز في المناطق المستهدَفة والعلاجات محدودة

فتاة وحقائب تهجير في العراء
د. حب الله
د. فضل الله
المؤلف: هواري زهير التاريخ: 2006-10-20 رقم العدد:10532

لم تمض اشهر قليلة على شعور علي . ق بالراحة حتى فاجأته الحرب العدوانية الاسرائيلية على لبنان. يبلغ علي من العمر ثمانية عشر عاما بالتمام والكمال. عندما انفجرت عناقيد الغضب الاسرائيلية على الجنوب قصفا وقتلا، كان عمره ثماني سنوات وليس اكثر. تعرضت قريته الجنوبية الى مجزرة وعملية تهديم. فقد اقرباء واصدقاء من مجايليه ومن هم في اعمار مختلفة. فكان ان عانى من صدمة نفسية تحولت الى حال مقيمة من الاكتئاب في مرحلة لاحقة. اصيب بنحول وشحوب وارق مزمن وتراجع اداؤه في المدرسة وكذلك علاماته وصولا الى الرسوب المتكرر. بعد سنوات من المعاناة بدأ ذووه بالانتقال به الى اطباء نفسيين لمساعدته على تجاوز ما يعانيه في داخله وفي علاقاته الخارجية. خلال سنوات محنته تواصلت رحلة تراجعه الدراسي والرسوب بلوغا الى ترك المدرسة. بهذا المعنى لم ينجز علي المرحلة والشهادة المتوسطة. وكونه خرج من المدرسة اخذ في مساعدة والده في حرفته. وشيئا فشيئا ومع الرعاية الطبية والاسرية اخذت اوضاعه تستقر. كادت الاسرة بما هي الاب والام والاخوة ان تشعر بالاطمئنان الى اوضاعه. صحيح انه غادر المدرسة ولم يتعلم كما اشقاءه، الا انه في طريق اكتساب مهنة تقيه الحاجة وتساعده على تدبير امور حياته. جاءت عملية الوعد الصادق وما تلاها من حرب عدوانية اسرائيلية لتعيده الى نقطة الصفر تماما. اكثر من نقطة الصفر. استحضرت الحرب الجديدة، حربا قديمة في ذاكرته واندمجت الاولى مشاهد ومجازر ومظاهر خوف ورعب مع الثانية، فكان الانتكاس الكبير، بعد ان نجح نديم في الاشهر المنصرمة في التخلص من الادوية المهدئة التي منحته القدرة على النوم المستقر وهدوء الاعصاب. الآن ومن دون رحلة طويلة بين الوصفات الشعبية والتعاويذ ورجال الدين حمله ذووه مباشرة الى الطبيب النفسي. وهو بالمناسبة خبر تكتمه العائلة عن كل من هو خارج محيطها، باعتبار من النقائص. اذ ان قصد الطبيب النفسي يعادل لدى البعض الجنون من دون زيادة ونقصان. الطبيب المعالج هو نفسه الذي اشرف عليه سابقا بدأ معه من نقطة البداية التي كان قد غادرها الولد المصاب قبلا. ومن المتوقع ان تحتاج عملية العلاج الى اشهر طويلة يمضيها الشاب بين استعمال العديد من الادوية والارشادات ثم التدرج في التخلص من مفاعيل المواد الكيمائية على جسده، وعندها يمكنه استعادة وتيرة حياته الطبيعية. هذا اللهم اذا لم تأت حرب جديدة تطيح بانجازات الطب النفسي. ومثل حالة علي ليست نادرة على اي حال. يمكن سرد الكثير من الحالات التي تنتشر كالنار بالهشيم بين طلاب المدارس الرسمية والخاصة الذين عادوا الى مدارسهم في غضون الايام الماضية. وبالطبع تطال مثلها عددا لا بأس به من المواطنين من مختلف الاعمار والذين عانوا من الصدمة النفسية للحرب. ما يعنينا الان هم طلاب المدارس. صغار وصغيرات يسيرون نحو صفوفهم وبرفقتهم رفاقهم وآبائهم وامهاتهم وجيرانهم الذين استشهدوا في القصف التدميري او المواجهات. اطفال صغار يحملون فى دواخلهم كل مضاعفات الحرب ويحتاجون الى منوعات من الدعم والرعاية والدعم النفسي والمجتمعي للخروج من صدمة الحرب. بالتأكيد شهدت الاشهر التي اندلعت فيها المواجهة وما بعدها اشكال من الاحتضان الوطني والاجتماعي مما خفف الكثير من المضاعفات. ايضا جاءت مجموعة من القيم التي دارت حول البطولة والاستشهاد لتمثل عنصرا اساسيا في الصمود النفسي في مواجهة مضاعفات الحرب، خصوصا لاؤلئك الذين فقدوا افرادا من اسرهم ايا كان موقعهم. لكن مثل هذا الغلاف سريعا ما قد يتراجع عندما ينخرط المجتمع في تدبير كل فرد منه لشؤونه الخاصة وينسى او يبتعد عن الاهتمام بالمآسي التي رافقت المحنة لافراده على الصعيد النفسي. الاستهدافات والاصابات تركز العدوان الاسرائيلي كما هو معلوم على مناطق الجنوب. وشهدت المناطق الممتدة بين صور ومارون الراس اعنف المعارك. اما مناطق النبطية والزهراني وحاصبيا فقد كانت اقل نصيبا من سابقتها. يمكن وضع منطقة الضاحية الجنوبية مع المنطقة الاولى مع خلاف في الشكل فقط. ففيما دكت المدفعية والدبابات الاولى، تعرضت الاخيرة لوابل من القصف الجوي والبحري. ايضا مدينة بعلبك تدخل في المربع الامني هذا. والحصيلة اكبر قدر من الخسائر البشرية والمادية واعلى نسبة نزوح سكاني امتد على مدى اكثر من شهر كما هو معروف. وعندما عاد النازحون وجد الكثيرون منهم بيوتهم وقد استحالت انقاضا كما اصبحت الكثير من مدارس الطلاب ركاما. بالتأكيد يحصد الاهالي وتلامذة وطلاب هذه المناطق اكثر من سواهم نتائج الحرب، وتختلف اوضاع هؤلاء بين طالب وآخر تبعا للمعاناة الخاصة به. لكن هناك ما هو مشترك بين الجميع لجهة التأثر بالصدمة النفسية التي احدثها القتال وما رافقه، وخصوصا ان هذه الحرب الاخيرة كانت مجرد حلقة في مسلسل له حلقات سابقة جنوبا، باعتبار ان هذه المنطقة تعيش اوضاعا خاصة منذ حوالى الاربعة عقود، عرفت خلالها فترات متلاحقة من منوعات المعارك تخللتها فترات استراحة. ضمن سياق مواجهة الوضع كانت مبادرة اليونيسيف بالتعاون مع هيئات لبنانية وعربية لمواجهة الوضع. اليونيسيف ويقول منسق عمليات الطوارئ التابعة لليونيسيف في لبنان فيليب دواميل ان بعض الاطفال الذين نعالجهم لا يستطيعون الكلام حتى الآن وهم غير قادرين على النوم اكثر من ساعتين يوميا. يبقون متوترين ويصرخون في الليل . ويشير دواميل الى انه وفق دراساتنا يحتاج 3.5 في المئة من اولاد الجنوب الى اطباء نفسيين و95 في المئة الى مساعدة للعودة الى الحياة الطبيعية، لاسيما في قرى الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت . ويوضح المنسق ان الاولاد الذين نزحوا من قراهم ودمرت بيوتهم وشاهدوا مناظر مرعبة وسمعوا القصف، في حاجة الى برامج خاصة ليخرجوا من هذه الازمة النفسية . وقد بدأت المنظمة بتطبيق برنامج التدخل النفسي هذا مع عودة التلامذة الى مدارسهم تحت عنوان كيف نخرج الحرب من داخل الطفل . ويقول دواميل نحاول ان نعيد الاولاد الى حياتهم الطبيعية ومنحهم قدرة على مواجهة الصعوبات حتى لا يبقوا اسرى المناظر التي شاهدوها، ولا سيما في قرى مثل عيتا الشعب وصديقين والقليلة وبنت جبيل التي شهدت اشرس المعارك طوال اكثر من شهر . ويتحدث دواميل عما تضمنته التجربة في التدخل عبر حلقات كتابة وموسيقى ورياضة ورسم، يعبر خلالها الاطفال عما في داخلهم بطريقة غير مباشرة من خلال الابداع، وذلك في 1070 مدرسة او ناديا غالبيتها في جنوب لبنان، وبالتعاون مع جمعيات اهلية لبنانية ودولية، ووزارة الشؤون الاجتماعية. ومن بين التمارين اشغال يدوية احدها يقضي بتوزيع اوراق على الاولاد لصناعة ألغام حتى يتعرفوا عليها وعلى اخطارها. ويشير الى ان المنظمة الدولية تنوي تدريب نحو عشرين الف مدرّس ومدرّسة على مراحل للقيام بهذه المهمة، اضافة الى الاربعة الاف الذين تم تدريبهم. المبرات نموذجا دفعت مؤسسات المبرات الخيرية الاسلامية ثمنا مضاعفا مما ادى الى كسر مسيرة عمرها عقود في انشاء المدارس والمبرات ودور الايتام وغيرها من بنية وضعت في خدمة المجتمع المحلي في الجنوب والضاحية وسواهما. الخسائر التي تعرضت لها المؤسسات تقدر بحوالى 12مليون دولار وتشمل تسوية مدارس ومؤسسات بالارض تماما وصعوبات تدبير اماكن دراسة بديلة مجهزة ومقبولة. اكثر من ذلك يعاني طلابها من اوضاع صعبة وقاسية بالعلاقة مع ما شهدته مناطقهم التي كانت ميدانا للاستهداف الصهيوني. بادرت المبرات بالتعاون مع اليونيسيف الى تنظيم دورات دعم نفسي للطلاب وقد شارك من اساتذة المبرات ما لايقل عن الفين ومئتي معلم ومعلمة يتولون التدريس في مدارس بعضها دمر تماما اولحقت به اضرار فادحة .كما شارك في هذه الدورات حوالى 1800 معلم ومعلمة من مدارس في القطاعين العام والخاص، كما يؤكد مدير عام مؤسسات المبرات التربوية محمد باقر فضل الله. ويصف فضل الله المبادرة التدريبية هذه بانها استهدفت مساعدة الهيئة التعليمية على التعاطي مع الاوضاع النفسية للطلاب. يشدد فضل الله على ضوء ما يتلقاه من تقارير على ان الامر يتطلب دورات تدريبية اعمق علما ان التدريب لم يقتصر على التعاون مع اليونيسيف بل شاركت فيه ورشة الموارد العربية وجامعة القديس يوسف التي عرضت المساعدة ايضا. فضلا عن اتصالات تتم الان مع منظمة ايطالية لتنفيذ برنامج يستغرق العام . ويشير فضل الله الى ان التخوف على اوضاع الطلاب والتلامذة يتركز على اولئك الذين فقدوا ذويهم ويحتاجون الى اكثر من مجرد الدعم الذي يمكن ان تقدمه المعلمات والمعلمين. ويضرب مثلا على ذلك بازدياد اعداد الايتام في مبرة النبطية والذين زادوا بعد الحرب بمعدل مئة يتيم وهو رقم قياسي لم نتعود عليه، حتى ان احدى الفتيات لم تفقد فقط والدها ووالدتها بل اشقاءها ايضا، وقد باتت الوحيدة الباقية من الاسرة . وقد نجت باعجوبة عندما كانت في طريقها الى الدكان لشراء ربطة خبز للعائلة عندما دكت الطائرات الحربية منزل العائلة. الوضع وعلم النفس يعود البروفسور عدنان حب الله في الحديث عن مضاعفات الحرب الى كتابه حول الصدمة النفسية للحرب. ويميز حب الله بين الاطفال والراشدين في الحديث عن هذه الصدمة. حول الاطفال يؤكد حب الله ان الورشات التي اجريت غير كافية لان الامر يتطلب ورشات ترميز باعتبار ان الطفل الصغير لايجد الكلمات التي تعبر عما اختبره. عندما يستطيع وضع كلمات او اشكال، معنى ذلك انه بات يتملك القدرة التعبيرية عما يشعر به حتى ولو تم ذلك من خلال الرسم او ما شابه. بالنسبة للراشدين وامام حال القتال يسقط المثال الاعلى الذي يراه بشكله الواقعي في صورة الاب مما يترجم لديه بالصدمة الداخلية. مع ذلك يعتبر حب الله ان للحرب جانبا ايجابيا لان العداء الموجه نحو الاب او الام يتجه نحو مصدر الحرب بما هو العدو. قد تستفيد من هذا الوضع بعض الاحزاب، وقد تقود هذه الحالة التي تفقد المراهق امان الاسرة الى الاندفاع نحو الهجرة بعد انهيار دورها الحامي. يعتبر حب الله ان من ابرز مساوئ الصدمة انكسار الدفاعات الداخلية التي تحقق التوازن بين الذات و العالم الخارجي، وهو ما يؤدي الى عوارض متعددة مثل الفوبيا واشكال العصاب وغيرها. يجزم حب الله ان صدمة الحرب اصابت المجتمع اللبناني باسره بشكلين مباشر وغير مباشر. المباشر يشمل بيروت والضاحية وغير المباشر طال اللبنانيين جميعا الذين تضرروا في حياتهم اليومية بينما الاول فقدوا افرادا من عائلاتهم وتضعضت انماط حياتهم . بمعنى ان لبنان الحلم قد انهار. الصدمة كانت كبيرة وكان يمكن للكارثة ان تكون اكبر مما نشهده . الصمود القتالي واعاقة التقدم العسكري الاسرائيلي كان له مفعول ايجابي . ينفي حب الله ان تكون لدى اللبنانيين بفعل تراث الحروب العريض المناعة المفترضة. بالعكس يرى ان من يصب نفسيا ثانية بعد صدمة اولى يكون المفعول اقوى، لان الصدمة تحدث فجوة في الوعي بين الماضي والمستقبل لانها تحذف الحاضر. الفجوة الان هي بين ما قبل وما بعد 12تموز. هناك شيء فقدناه ومثل هذا الوضع يتطلب عملية ترميم. الصدمة كانت بالغة القوة بفعل عامل المفاجأة. كان للاوضاع مسارها ثم صارت الامور فجأة رأسا على عقب. بالنسبة لاهل الجنوب والضاحية كان عامل المفاجأة اشبه ما يكون بانقلاب دراماتيكي في اوضاع الاسر التي اضطرت الى ترك حياتها العادية ونزحت فتعرضت الى مذابح على الطرق خلال هروبها. وقد ولّد هذا شعورا من الاضطهاد بالمقارنة مع الطوائف الاخرى. خلال 24ساعة انتقلت الاسرة من الحياة في بيوتها الى العراء وفي مناطق نائية عن اماكن اقامتها الاصلية، مما ولد شعورا بالاضطهاد والذل مما ولد صدمة نفسية كبرى وبغض النظر عن العدوان ووحشيته وهذه اوضاع تتطلب معالجة. يحمل حب الله على الخطاب السياسي الرائج اذ انه يضاعف الاحباط في مستقبل الوطن، ولا يقيم وزنا لمثل هذه الاوضاع. ويقول ان العلاجين الاجتماعي والنفسي اذا ما تكاملا يمكننا النفاذ من صدمة الحرب ومضاعفاتها على الصعيدين العام والجنوبي تحديدا للكبار والصغار على حد سواء. وحب الله لا يقدم قراءته هذه انطلاقا من نظريات في علم النفس وتحليلاته فقط، بل من خلال التجربة الميدانية التي يخوضها في مدينة صور في علاج المصابين بالصدمة من خلال المركز التطوعي الذي افتتحه منذ اكثر من اسبوعين. يبقى القول ان ورشات التدريب التي نظمت بسرعة، قد تساعد في تدريب المعلمين والمعلمات على التعاطي مع اولئك الذين طالتهم الحرب مع جموع تلامذة وطلاب المدارس، لكنها تبقى قاصرة عن تحقيق المطلوب في ظل التجاهل المجتمعي والسياسي الى ضرورة العلاج الذي لا بد وان يكون متكاملا.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة