يروي الممثل جمال سليمان في لقائه مع الإعلامي المصري محمود سعد أنه عمل في مهن يدوية عدة وهو في مرحلة الطفولة. لم يستطع والده سائق الشاحنة، تأمين الدخل الكافي للعائلة المؤلفة من تسعة أولاد. صادف فرصاً للعمل في مهن النجارة، الحدادة، الدهان، تركيب ورق الجدران وغسيل السيارات كما عمل في مطبعة. توقف في الحديث عن ورق الجدران قائلا لسعد مازحاً: أنا معلم شاطر إذا عندك زبائن . كان يتحدث عن مهنه الصغيرة بوضوح، لكن بثقة الرجل الذي انتقل من حياة الفقر الى واحد من أبرز النجوم العرب في الدراما. ينقل في أدائه الشعور بالثقة الى مشاهديه، يتجلى حاليا في دوره مندور أبو الدهب في حدائق الشيطان ، رجل يتلاعب بمصائر الناس، يتحكم بها، لكنه أيضا يتلاعب بمشاعره، بتعابير الوجه ويتحكم بها، يستطيع الانتقال بسهولة من العبوس الى الضحك، من التجهم الى الانشراح، من الكره الى الحب، من الرغبة في التسلط على الآخرين الى ملاطفة طفل يلعب، في المكان نفسه وفي اللحظة نفسها. تمنحه تلك المقدرة خصوصيته بين الممثلين، تفتح الطريق أمامه نحو لبوس الشخصية ثم الاضافة عليها من ملامحه. تجاوز شخصية صلاح الدين، هو الآن المتسلط الحاضر وليس البطل الغائب، الرجل الذي يُبعد من يشاء ويقرّب من يشاء، بالطريقة التي يشاء. جملته الشهيرة تتردد في الاعلان عن المسلسل: يكفي أن أكون عاوز كده على شان يتنفذ . عرض أمامه محمود سعد ريبورتاجا قصيرا عن ملاحظات المصريين على أدائه باللهجة الصعيدية، أختصرت فيها الآراء بالقول إنه أدى اللهجة بنسبة خمسة وثمانين في المئة، على اعتبار أنه يجب أن يؤديها مئة في المئة، لكن النسبة أعجبت سليمان لأن ابن القاهرة برأيه لا يؤديها بنسبة أكبر من ذلك، المئة في المئة لا يؤديها سوى إبن الصعيد. هو المتسلط بمزيج عصري، عندما يرتدي الجلابية يبدو الاقطاعي المتنعم، وعندما يرتدي البذلة لكي يزور مصر، يبدو الرجل الذي لم يخرج من المدينة. يجذب سليمان مشاهديه ليس الى دوره، لأن الاقطاعي في الصعيد يحضر في الدراما كما يحضر في الواقع، وإنما الى طريقته في لعب الدور، ساعدته قامته الطويلة مع الجلابية على تجسيد ذلك الوجود، ربما اختار المخرج رجالا أقصر قامة منه يعملون حوله من أجل أن يخصص له مساحة وافية في الحضور، ثم اختار دياب الذي ينازعه على قمر الجميلة، متساويا معه في طول القامة، من أجل المساواة بين رجلي الخير والشر. يتلاعب سليمان بثنائية الخير والشر التي لم تتخلص منها المسلسلات المصرية. هو رجل قابل للحب، فقط لو غيّر اسلوبه في الحياة، ليس بالضرورة أن تكون نهاية كل مستبد العقاب، القتل أو الموت، ربما تكون التغيير. يضع الكاتب في خلفية حياة أبو الدهب رجل مباحث يبحث عن جريمة ارتكبها، يجمع خيوطها وصولا الى الإدانه. يستسهل الكتّاب دائما اختيار المأزق الذي سيقع فيه المستبد. لكن سليمان مستبد من نوع خاص، منفّر ومغر في الوقت نفسه.