أورهان باموق... أيقونة الأدب التركي الحديث وفتاه غير المنازع. هو الأكثر شهرة والأكثر مبيعا والأغزر انتاجا في السنوات الخمس عشرة الأخيرة. حمل الرواية التركية الى العالم، فحمل معها الثقافة التركية و صورة تركيا المتنازَع عليها. لكنه مع ذلك يبقى ذاك الذي قال ب الإبادة الأرمنية ، ولا يمكن لأحد ألاّ يربط بين موقفه هذا ونيله جازة نوبل، فقط بعد ساعات وربما دقائق قليلة من سنّ البرلمان الفرنسي امس الخميس قانونا يجرّم منكر الإبادة بالسجن سنة مع غرامة 45 الف يورو. ان مجرد الربط بين الحدثين جعل الحدث يقع مزدوجا على الفرد التركي بين الفخر بنيل اول تركي، باللغة التركية، جائزة نوبل، وبين كون الدوافع التي املت منحه الجائزة ليست ادبية بالكامل. في السنة الماضية كان باموق على رأس المرشحين لنيل الجائزة. وفي خطوة غير مسبوقة اجّلت الأكاديمية السويدية اعلان الجائزة اسبوعا بالكامل رضوخا لضغوط هائلة قيل ان تركيا مارستها على السويد وعبر واشنطن لمنع منح الجائزة لباموق الذي كان سيحاكَم بتهمة الافتراء على العرق والتاريخ التركيين، عندما صرّح لإحدى الصحف السويسرية ان مليون ارمني قتلوا في تركيا. هذه السنة كان الأتراك كلهم، سلطة ومعارضة ورأيا عاما، منهمكين في مكان آخر وقضية أخرى، وان تكن ليست ببعيدة: نيّة البرلمان الفرنسي اقرار مشروع قانون يعاقب من ينكر حصول ابادة ارمنية. حتى ان احتمال منح باموق جائزة نوبل مر، خلاف السنة الماضية، في الصحف التركية بصورة خاطفة. يمكن القول ان الأكاديمية السويدية فاجأت الأتراك كما لو انه امر دُبّر في ليل . والمؤكد ان فرحتهم ليست عارمة بل لعلها مُرّة ... عسل بطعم الحنظل. غالبا ما كان يرافق منح الجائزة اشكالات وخلافات. اورهان باموق لا يزال صغيرا عليها. هو في الرابعة والخمسين من العمر ولا يزال في عز عطائه، لكن لم يدخل بعد مرحلة الاختمار الذي يطبع مسيرة الأدباء الكبار. بمعنى ان باموق روائي مشهور وجيد لكنه لم يصنف بعد في عالم الكبار. هو، مثلا، ليس ياشار كمال ولا عزيز نيسين ولا فاضل حسني داغلرجه، عميد الشعر التركي المعاصر. اما إذا عرجنا على ناظم حكمت فسيُظلم اورهان باموق كثيرا. وهؤلاء كلهم عاشوا في عصر نوبل ، ومع ذلك لم ينالوها. هو مثلا ليس ادونيس الذي اكتملت رؤيته المتجدّدة باستمرار. وجائزة نوبل تمنح عادة على مجمل اعمال ومسيرة اديب ما، وليس على عمل معين وفي فترة مبكرة من عطائه. من هنا اتسعت التساؤلات والالتباسات حول اورهان باموق، وأخذ نيله الجائزة أبعادا غير ادبية. مع ذلك، اورهان باموق هو اليوم احد ابرز الأصوات التركية (لا ننسى ابدا وجود ياشار كمال) في عالم الأدب والرواية تحديدا. هو ابن اسطنبول وحكواتيها. اعطاها نبض طفولته، هو الذي لا يزال يعيش حتى اليوم في البيت الذي وُلد فيه عام 1952 في منطقة نيشان طاش. وهو حكواتي المدينة بتحولاتها الاجتماعية والثقافية. وهو راوي المجتمع التركي بصدامات طبقاته وأطيافه. لم يبدأ باموق كاتبا، بل بدأ رساما. رسم بغزارة حتى سن الثانية والعشرين، وكان يقول انه سيتفرغ للرسم. تابع في جامعة اسطنبول التقنية، الهندسة المعمارية. لكنه بعد سنة اتخذ قراره: لا للرسم ولا للهندسة المعمارية. وتحوّل الى الصحافة حيث تخرّج من المعهد العالي للصحافة في جامعة اسطنبول لكنه لم يمارسها ابدا. في الرابعة والعشرين من عمره انغلق باموق على نفسه في البيت وقرّر: سأكون روائياً (وليس اي شيء آخر). بقرار سيتحول اورهان باموق الى اشهر روائي في الداخل والخارج. وبأسلوبه السهل المستقى من الواقع اليومي المعاش والمعطوف على ذاتية حميمية تلامس وتدغدغ افئدة الجيل الشاب، وصل باموق الى اوسع قطاع من القراء، فيما كانت ترجمات كتبه الى الإنكليزية والفرنسية وغيرهما من اللغات تذكرة مروره الى العالم. ترك باموق كل شيء وتفرّغ للكتابة فقط وفي عمر مبكر. في العام 1979 كتب روايته العتمة والنور ، ونال عليها جائزة صحيفة ميللييت للرواية. في العام 1982 كتب روايته الشهيرة جودت بك وأبناؤه التي تروي قصة ثلاثة اجيال من عائلة اسطنبولية غنية وتعيش في نيشان طاش (مثل باموق نفسه)، التي نال عليها بعد سنة جائزة اورهان كمال للرواية . في العام التالي، كتب رواية المنزل الصامت ونال عليها بعد ترجمتها الى الفرنسية جائزة الاكتشاف الأوروبي الفرنسية عام .1991 روايته القلعة البيضاء التي كتبها عام 1985 حلقت به في عالم الشهرة اذ ضمّنت له الشهرة العالمية بعد ترجمتها الى الإنكليزية ولغات اخرى عام 1990 وما يليها. وهي تحكي علاقة التوتر والصداقة بين عبد من البندقية وعالم عثماني. في العام نفسه (1985) ذهب وزوجته الى الولايات المتحدة الأميركية وعمل كباحث زائر في جامعة كولومبيا لمدة ثلاث سنوات، وهي السنوات التي كتب فيها معظم روايته الكتاب الأسود التي تحكي، بلسان محام باحث عن زوجته الضائعة، شوارع اسطنبول وازقتها وماضيها وكيمياءها. وقد نشرت الرواية في تركيا عام ,1990 ومع ترجمتها الى الفرنسية نال عليها جائزة France culture التى اضحى بسببها اكثر شهرة وعلى لسان الجميع داخل تركيا وخارجها. اي ان شهرة باموق لم تتشكل اولا في الداخل لتنطلق منها الى الخارج، بل كانت تتسع بالتوازي بين الداخل والخارج في نفس الوقت، وهذه مفارقة نادرة. في العام ,1994 نشر واحدا من اكثر الكتب قراءة في الأدب التركي الحديث: الحياة الجديدة التي تحكي حياة شبان جامعيين. وفي العام 1998 نشر رواية اسمي الأحمر ونال عليه جائزة افضل كتاب اجنبي الفرنسية وجائزة grinzane cavour الإيطالية عام ,2002 واخرى ايرلندية عام .2003 في التسعينيات بدأ باموق بكتابة الكثير من المقالات السياسية التي ينتقد فيها الدولة التركية في مجالات حقوق الإنسان والحريات الفكرية. لكنه لم يهتم كثيرا بالسياسة في رواياته. روايته السياسية الأولى والأخيرة كانت بعنوان ثلج عام ,2002 وتروي النزاعات والعنف والتوترات في مدينة قارص في شرقي الأناضول بين الإسلاميين والجيش والعلمانيين والأكراد والقوميين. وكان نشر عام 1999 كتاب الألوان الأخرى وهي مزيج من المقالات المنشورة والنصوص من دفاتره الشخصية. كتاب اورهان باموق الأخير صدر عام 2003 بعنوان اسطنبول ، وهو عبارة عن ألبوم من النثر الشعري مرفقا بصور طفولته حتى سن ال22 وصور اسطنبول في تلك السنوات. باستثناء سنواته النيويوركية الثلاث، أمضى باموق كل عمره في اسطنبول. وهو الآن يعيش في المنزل نفسه الذي وُلد فيه. ثلاثون سنة لم يفعل خلالها باموق سوى كتابة الروايات التي ترجمت الى اكثر من ثلاثين لغة آخرها اليابانية. تفاوتت ردود فعل زملائه من النقاد والأدباء الأتراك على نيله نوبل للآداب. الناقد الشهير دوغان هزلان وصف الجائزة بأنها للأدب التركي كله وبأن نيل كاتب جيد باللغة التركية هذه الجائزة امر مفرح جدا وسيساهم في اسماع الأدب التركي للعالم عبر ترجمات لأدباء آخرين. الكاتبة المعروفة عدالت آغا أوغلو قالت انه خبر مفرح بعدما اسفنا لقرار البرلمان الفرنسي. الكاتب طغرل اريلماز قال انه كاتب ناجح بكل المقاييس تقرأ بفرح روايته المشغولة بتكنيك رفيع. واذا لم تعط الجائزة له فلمن ستعطى؟ لكن الشاعر اليساري المعروف اوزديمير اينجه كان له رأي آخر اذ قال ان باموق كاتب هامشي وليس اساسيا، والجائزة لم تمنح للأدب التركي، بل لأورهان باموق شخصيا. ان باموق الذي نال جائزة نوبل هو الذي قال بحصول ابادة ارمنية. هذا شيء مهم الى اقصى حد. لقد بيعت تركيا وبيع التاريخ التركي. لذلك اشعر بالخجل من منحه الجائزة. يجب قول ذلك. اما اورهان باموق نفسه فقد حاول ربما تهدئة ردود الفعل السلبية المتوقعة ضد نيله الجائزة بقوله لمحطة cnn turk انه لم يهتم ابدا بالجائزة ولم يسعَ اليها وليست حتى مثاراً للهفة!. اورهان باموق في جنة نوبل: انتصار لمن؟ لتركيا أم لأوروبا؟