As Safir Logo
المصدر:

كتاب فرناندو دي أراندا بمناسبة مرور قرن على قدومه إلى دمشق أموي مدريد ومعماري دمشق

المؤلف: عيسى راشد التاريخ: 2006-10-11 رقم العدد:10524

ليس في ذاكرتي حنين إلى الحجارة، أنا حلم السماء الذي يبني وهو نائم، ناطحات السحاب وسجناً لكبريائه، بأي إله يؤمن أراندا في دمشق؟ . مقطع لشاعر إسباني يسوقه كتاب صدر في دمشق (بمناسبة مرور قرن كامل على قدومه إليها) عن مواطنه المهندس المعماري فيرناندو دي أراندا، هذا الذي يرقد في مقبرة باب الصغير منذ دفن فيها في كانون الأول من العام .1969 الشاعر الحائر يسأل عن إله أراندا، وهو محق بالطبع، فالمعماري البارع المدفون في مقبرة إسلامية، وقد حمل اسم محمد، بعد أن تحوّل إلى الإسلام، كان في الغرفة رقم 7 في مشفى الطلياني مطروحاً في فراش المرض الذي استفحلمنتهزاً عمر التسعين، كان يطلب الغفران من صورة لمريم العذراء معلقة في غرفته، بعد أن طالب بحضور الكاهن إليه. ليس ذلك فقط ما يحيّر في أراندا، هو برمّته لغز من ألغاز المدينة. جاء إليها في العام 1905 قادماً من استنبول، التي غادرتها عائلته إلى مدريد (بعد أن عاشت الأجواء التي تسبق سقوط الامبراطوية العظيمة) فيما أصرّ الشاب الثلاثيني على البقاء في منطقة الشرق الأوسط. ولد فرناندو دي أراندا في مدريد في 31 كانون الأول ,1878 من أم لم تلبث أن توفيت بعد ولادته بوقت قصير. رافق والده الموسيقار، منذ كان طفلاً، إلى باريس، ومن هناك إلى استنبول. وكان يميل إلى فن التصميم والهندسة مذ كان شاباً. حين وصل دمشق، أوائل القرن، مكث في فندق فكتوريا وفيه تعرّف على زوجته الأولى زنوبيا سيريكاكيس، اليونانية الأصل، التي كانت تعيش بين دمشق وبيروت، هذه التي توفيت فيها، ولها فيها بعض الأملاك، بعد رحيل نهائي عن دمشق إثر انفصالها عن أراندا، الذي أنجبت منه ولدين. وحين طلبت عائلة حلمي، بالغة الثراء، من أراندا أن يبني لها بيتاً تعرّف إلى صبرية حلمي، قريبتهم، تزوجها، وكانت تصغره بعشرين عاماً، حين رحل معها إلى حيفا واعتنق الدين الإسلامي، قبل أن يعود إلى دمشق ليكمل فيها بقية أعوامه التسعين. حين يذكر اسم إسبانيا في سوريا، أو يذكر اسم سوريا في إسبانيا، يخطر على البال فوراً ذكرى واحدة؛ عهد حكم السلالة الأموية في دمشق واستمرارها في الأندلس. لكن هنالك أيضاً تاريخ مشترك أقرب حدوثاً.. لقد ساهم شخص في تكوين هذه المدينة بشكل بارز، ترك أثراً لا يمحى في مخططات عمرانية وأبنية رائعة. عمران دمشق الجديدة لم يكن على ما هو عليه لولا فرناندو دي أراندا . هكذا يقدّم خوان سرات سفير إسبانيا في دمشق لكتاب فرناندو دي أراندا ، الذي يحوي نصوصاً عن المعماري الإسباني لأليخاندرو لاغو، وبابلو كارتاخينا، وأوخينيو غارثيا غاسكون، وعفيف بهنسي، وكارمن سيرانو دي آرو مارتينيث. لكن هل كان هذا هو حقاً سرّ أراندا؟ الحنين إلى موطن الأمويين؟ أم أن رحلته ليست سوى استمرار لرحلات المسافرين الرومانسيين في القرن التاسع عشر، الذين وجدوا في دمشق ما يجدونه في أي بلد شرقي؛ الروح، وغموض الشرق المنشود؟ . لكن عمارته لم تكن تشير إلى حنين من هذا النوع، فقد كان يستوحي عمارته من الامبراطورية العثمانية في المدينة الأموية التي تشهد خليطاً من الجماليات المعمارية . محاولة محو تشكل أبنية أراندا صروحاً معمارية رائعة، لا يمكن لمن يتجول في دمشق الجديدة ألا يلتفت إليها. أبرز هذه العمارات وأروعها مبنى محطة الحجاز الذي تعود مخططاته إلى العام ,1912 وشيد في العام .1917 وقد أعدّ لركاب الخط الحديدي الحجازي، ويرجع الفضل في بنائه إلى الوالي حسين ناظم باشا وعزت باشا العابد الذي كان صديقاً للسلطان عبد الحميد الثاني فأقنعه بالمشروع الضخم الذي يصل دمشق بالمدينة المنورة. واستدعي المواطنون المكلفون بالخدمة الإلزامية لإنجازه . ومن أبرز مزايا البناء، حسب الكتاب، استعادة عناصر في العمارة الإسلامية مثل ألواح القيشاني وتشكيلات النوافذ، والزخارف الخشبية الداخلية. واستعارة الملامح المعمارية الكلاسيكية المتبعة في العمارات عموماً وخصوصاً عمارات محطات القطار، مما نراه واضحاً، والكلام لعفيف بهنسي، في عمارة محطة عثمان باشا في استنبول، وعمارة محطة المدينة المنورة، ومحطة حيفا. ومن مزاياه أيضاً الاهتمام بتصميم الواجهات الأربع للمبنى. ومن أبنيته الضخمة أيضاً بناء (عزت باشا) العابد، الذي كان من أوائل الأبنية الحديثة في دمشق (1906)، وهو بناء ضخم ذو نمط ألماني، يقع في ساحة الشهداء (المرجة)، وكان فندقاً في بداية الأمر، ثم تحوّل إلى ثكنة عسكرية خلال الحرب العالمية الأولى. وكانت لأراندا يد في استعمال الإسمنت المسلح لأول مرة في بيتين في حي السنجقدار بين عامي 1925 و.1927 ومن أبنيته مبنى البسام، وهو ذو طابع ألماني على غرار بناء العابد، ومبنى المصرف التجاري السوري في شارع النصر، وبيت الأيوبي، وبناء جميل مردم بك، بالإضافة إلى فندق زنوبيا في تدمر، الذي بُني في العام 1924 وأدارته نبيلة فرنسية رومانسية في الثلاثينات، وكان من بين نزلائه الملك ألفونصو الثالث عشر، وأغاثا كريستي. ومن أبرز معارف أراندا محمد كرد علي، الذي ذكره في كتابه خطط الشام ، وسلطان باشا الأطرش، والشيخ نوري بن شعلان. وكان لافتاً أن اسم وتوقيع أراندا لم يعودا إلى الظهور في المشاريع التي بناها آخر أيام حياته، وقد أثار ذلك الريبة؛ فإما أن الرجل لم يكن يمتلك شهادة أكاديمية في هندسة العمارة، حيث راحت الحكومة السورية بعد الاستقلال تطلبها كشرط لعمل المهندسين، أو أن الرجل كان دخل في مرحلة الزهد بالعالم وما حوله، ما يدفع بكثير من المبدعين إلى محاولة محو أي أثر شخصي لهم. (دمشق)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة