خاضت البوسنة قبل ايام امتحانا جديدا لمدى قدرتها على البقاء والوحدة. يخوض لبنان هذه الايام اختبارا مشابها مثله مثل هذه الجمهورية اليوغوسلافية السابقة، التي تصارعت اطرافها الدينية، وكادت في مرحلة ما من تاريخ حربها الاهلية، تنتهي كأشلاء. ربما لا مثيل للتركيبة السياسية المعقدة التي تحكم البوسنة منذ العام ,1995 وهي تركيبة لم تنتجها الحرب فحسب، وانما اتفاق دايتون الموقع في ذلك العام برعاية اميركية مباشرة، وهو بمثابة اتفاق طائف لترتيبات ما بعد الحرب في لبنان. خلصت الاتفاقية البوسنية الى انشاء جمهورية بثلاثة رؤوس، والانتخابات التي جرت الاحد الماضي، وهي الخامسة منذ انتهاء الحرب، مثلت الاختبار الاخير قبل الخروج من هذه الوضعية الفريدة. فهناك كيان صربي، يُنتخب له رئيس وبرلمان، الى جانب فدرالية مسلمة وكرواتية، يُنتخب لها رئيسان، ويجتمع الرؤساء الثلاثة في مجلس الرئاسة الثلاثي. ولزيادة الوضع تشابكا، تجري انتخابات موازية لمجالس برلمانية محلية لعشرة كانتونات صغيرة. وتسير البوسنة على هذه التركيبة منذ اكثر من عشرة اعوام، وانما باشراف مسؤول دولي له سلطات عليا تتخطى السلطة الوطنية لاي كيان او زعيم سياسي او طائفة دينية او عرقية. والى جانب الحاكم الدولي المطلق، ينتشر آلاف الجنود من الاتحاد الاوروبي (EUFOR) في مهمة عسكرية ورثوها عن حلف الاطلسي في العام .2004 يقال في لبنان ان اتفاق الطائف اضعف صلاحيات رئاسة الجمهورية، وهي ملاحظة مشابهة لما انتجه اتفاق دايتون، اذ ان رئاسة المداورة السنوية المتبعة في مجلس الرئاسة الثلاثي، تعني عمليا تعزيز الاستقطابات الطائفية ما بين الكروات الكاثوليك والصرب الارثوذكس والمسلمين داخل السلطة كلما تولى رئيس ولايته. ويكاد يجمع اللبنانيون على ان الرئاسات الثلاث في لبنان، ادت ادوارا مماثلة منذ ما بعد الطائف، وعززت حكم الطوائف وهيمنتها. لكن المفارقة انه فيما تستعد البوسنة بالرغم من تركيبتها السياسية والدينية المعقدة، الى الخروج العام المقبل نحو تجربة حكمها المستقل، بتوحيد الكيانات في كيان جامع ومغادرة المندوب السامي الدولي، يسير لبنان بذراعين مفتوحتين الى الوصاية الدولية، ويتردد في الوقت ذاته همس عن تجدد خيار الكانتونات. يقول الاتحاد الاوروبي ان انتشار قواته في مهمات حفظ سلام عديدة حول العالم ومن بينها المهمة المستعجلة في لبنان، قد يسرع في ترتيب انسحاب قواته من البوسنة خاصة بعد اجراء انتخابات الاحد الماضي. اذاً تخرج البوسنة تدريجيا، بعد عشرة اعوام على اتفاق السلام، من مناخ حربها الاهلية، ومن الادارة الدولية لشؤونها الوطنية، في حين يظهر لبنان، بعد اكثر من 15 سنة على اتفاق الطائف، كأنه بحاجة الى درجة هائلة من التدخل الدولي لاعادة ترتيب شؤونه. واذا كان المجتمع الدولي فرض نظام حكم الاتحاد الوطني سياسيا وعسكريا في البوسنة، فإن الحالة في لبنان تبدو مغايرة، اذ يقال ان حكومة الاتحاد الوطني فكرة مستحيلة المنال، وهو موقف يثير مفارقة باعتبار ان اصحاب هذا الرفض هم في الوقت ذاته من المتحمسين بشدة لنظام الوصاية الدولية. تستفيد الحكومة الحالية من هذه الوصاية العسكرية، وان بشكل غير مباشر، لتعزيز موقفها السياسي الداخلي كما في قضية مشاركة الآخرين في السلطة. وهناك مفارقات لبنانية بوسنية اخرى تستحق الملاحظة. فاذا كانت البوسنة غرقت في حربها الاهلية بعد سعيها في بداية التسعينيات الى الانفصال عن يوغوسلافيا الام، فان هناك من يقول ان لبنان ايضا دخل المخاص الصعب للخروج من الهيمنة السورية ، وان الفصل الحقيقي تم عن سوريا الام منذ اكثر من 80 سنة. وفي الحالتين، على الرغم من الفاصل الزمني الكبير بينهما، كانت عملية البتر هذه خاضعة لحسابات القوى الكبرى ومصالحها، وثمار حروب الحرب العالمية الاولى ونهاية الحرب الباردة وحروب البلقان. توالت التدخلات العسكرية الخارجية بأسماء متعددة على البلدين. الا ان ما يجب متابعته هو ما جرى في البوسنة في ما بعد الحرب، وقبلها. فقد ارتكبت المجازر الاكثر بشاعة خلال وجود قوات حفظ السلام التابعة للامم المتحدة وتحت انظارها. بعد دايتون، سلم مصير البوسنة الى قوة متعددة الجنسيات IFOR)) يقودها حلف الاطلسي. تقرر بكل السهولة الممكن تصورها، نقل السيادة على بلد، من الامم المتحدة الى قوة اجنبية اطلسية قوامها 60 الف جندي، ثم الى قوة اصغر حجما اطلق عليها اسم (SFOR) ولم يتبدل في اسمها سوى حرف واحد. تمتعت القوات الجديدة بصلاحيات اشتباك اكثر اتساعا. وبعدما كانت مهمة الامم المتحدة حفظ السلام، صارت مهمة القوة الجديدة، فرض الاستقرار ولو بالقوة. اصبحت صلاحيات استخدام القوة فضفاضة، والبحث عن مجرمي الحرب ومصادرة الاسلحة تحولا الى النشاط اليومي الرئيسي للقوة الجديدة. وفي ظل افتقار حكومة الرؤوس الثلاثة الى سيادة حقيقية، صار المندوب السامي الدولي، الحاكم المطلق في ما يتعلق لا بالسياسة وحدها، وانما بكل الشؤون الامنية ايضا. تحقق الهدوء؟. نعم. جرت مصالحات؟. نعم. لكنها على شاكلة مصالحات الجبل في لبنان. عاد البعض الى منازلهم وقراهم، وجرى تبادل القبلات امام كاميرات المصورين. لكن البوسنيين انجزوا، ولو جزئيا، بعض ما تجنب اللبنانيون القيام به: نبشوا قبورهم الجماعية واعادوا دفن موتاهم ولاحقوا بعض القتلة. رسخت القوات المتعددة الجنسيات الانقسام الناتج عن الحرب والتاريخ. حافظت بشكل او بآخر على الوضع القائم في المناطق والمدن والقرى. الا ان المصالحة الحقيقية، لم تتحقق، تماما كما هي حال اللبنانيين الذين آثروا دفن احقادهم لا معالجتها، وظلت متاريس الحرب بين الاحياء والمناطق، كأنها منتصبة في مكانها بانتظار الجولة الجديدة. يفترض باللبنانيين ان يتوقفوا قليلا عند مسألة تبديل مهمة القوات الدولية في البوسنة الى قوات اطلسية القيادة. اذ انها قد تثير مخاوف جدية من تكرار هذا السيناريو لبنانيا، خاصة اذا ما تجدد مشهد فشل الامم المتحدة في مرحلة لاحقة ما يجعل البعض يقبل بخيار اطلسة قوات اليونيفيل الموجودة، مع ما يخلقه هذا التطور من تحول لبنان الى قاعدة عسكرية متقدمة للحلف في قلب الوطن العربي، الى جانب اسرائيل، من تداعيات خطيرة. تبقى ملاحظة اخيرة يمكن رصدها في المقارنة بين ما يجري في لبنان والبوسنة. تقول القوات الاوروبية الموجودة حاليا في هذه الجمهورية البلقانية، ان الحساب الاخير الذي يجعلها تتردد في استعجال حزم حقائبها للرحيل عن البوسنة الموحدة، استمرار الوضع المعلق لاقليم كوسوفو. فكما هو معروف، يتبع الاقليم الى سيادة جمهورية صربيا المجاورة، لكنه يمثل البؤرة الاكثر توترا في البلقان، وكان الشرارة الاساسية التي ساهمت في اشعال حرب التسعينيات. الاقليم رمز ل كرامة الصرب، القومية والدينية، فهناك دخلت جيوشهم في المعركة الانتحارية الخاسرة ضد الجيوش العثمانية. وهو في الوقت ذاته، تقطنه غالبية ألبانية، وتعتبره جمهورية البانيا تاريخيا، ارضا انتزعت منها في العام .1912 اذاً، كوسوفو، بؤرة توتر كامنة متنازع عليها، كانت استدرجت القارة الاوروبية الى المستنقع الاكثر دموية في ما بعد الحرب العالمية الثانية. لكنها ايضا وفرت ذريعة للقوات الاجنبية للتمركز وتسهيل عمليات التوسع الاوروبي وحلف الاطلسي شرقا. وستكون هذه القوات حاضرة في المنطقة خلال المدى المنظور خاصة ان مصير كوسوفو النهائي يتجه نحو الحسم خلال الشهور المقبلة. وضع اقليمي مضطرب، وبلدان محتلان بالكامل، وتوترات قومية ودينية وطائفية، وصراع سياسي داخلي بعد الحرب الاسرائيلية على لبنان، وآلاف الجنود الدوليين واساطيل حربية في البحر ومحكمة دولية تتشكل وتحقيق دولي جار وجلسات متتالية لمجلس الامن الدولي، وضغوط متصاعدة على سوريا وايران. في هكذا اجواء، الى اي ذريعة يمكن ان تتحول شبعا، او لبنان، في ظل هذا الهجوم الدولي المنتفخ سياسيا وعسكريا؟.