الغيب هو الوجه الآخر لقلق الوجود والخوف من الموت. إنه التوق الى معرفة المجهول، والرغبة الحارقة في هتك حجب الأيام المقبلة التي تغلف حياتنا بأسرار لا جواب شافيا عنها. والنبوءة إنما هي محاولة لجعل الغيب ممكنا ومتاحا للاكتشاف. ومنذ البدايات الأولى احتاجت المجتمعات البشرية ثلاث وظائف حيوية هي: الساحر والطبيب والكاهن. وقد اجتمعت هذه الوظائف، في المراحل المبكرة، في شخص واحد هو زعيم القبيلة، أو رب القبيلة في بعض الأحيان. كان السحر ضروريا لترويض أفراد القبيلة على أوهام القوى الخارقة، وضمان عدم تمردهم. وكان الطب حيويا للإبقاء على حياتهم ومعالجتهم بالأصباغ ولحاء الأشجار. وكانت الكهانة هي الركن الأساس في إخضاع الناس وضمان طاعتهم وتراصفهم على سطر واحد. وفي ما بعد، مع تطور تلك المجتمعات، راح بعض هذه الوظائف ينفصل عن بعضها الآخر، فصار هناك الكاهن والساحر والطبيب. وكانت مهمة الكاهن إخبار الناس بأمور الغيب، وإنباءهم بما كان وما سيكون. إن التفكر في الغيب فيه، بلا شك، جانب تأملي. ولعل التأمل، العقلي بالتحديد، كان الأساس الذي قامت عليه الفلسفة بما هي محاولة لمعرفة الكائن والكون معا. لكن معرفة الغيب، على استحالتها، انحطت حتى أمست مجرد عملية استطلاع للمجهول، ثم باتت مبتذلة تماما حينما تحولت الى ألاعيب مشعوذين مثل قراءة الكف والتبصير في فنجان القهوة وتفسير أحلام الليلة الماضية وضرب الودع وفتح المندل وأبراج الحظ وورق اللعب (التاروت) وحل المربوط وفك الرصد وإبطال السحر... الخ. النبوءة والخرافة جميع التنبؤات تصبح بلا قيمة، أو كاذبة، بعد انقضاء أجلها. وهذا دليل قوي على أن التنبؤات والخرافة مرتبط بعضها بالبعض الآخر برباط وثيق. ومع ذلك فالناس شديدو التعلق بالخرافات وبمعرفة المستقبل. وعلى سبيل المثال، فقد انتظر الكثيرون يوم الثلاثاء الواقع فيه السادس من حزيران 2006 لتقع معركة هار مجدون ، وبالطبع لم تقع هذه المعركة. وهؤلاء المنتظرون الخائبون اعتقدوا ان السادس من حزيران 2006 يوافق الرقم 666 الوارد في سفر الرؤيا (سفر يوحنا) من العهد الجديد الذي يتحدث عن التنين والوحش وظهور المسيح الدجال الذي سيكون الاشارة النهائية للمجيء الثاني للمسيح المنتظر. وبعد عملية 11/9/2001 نشر العديد من وسائل الاعلام فقرة منسوبة الى نوستراداموس هذا نصها: في السنة الأولى من القرن الجديد، وفي الشهر التاسع سيصل من السماء ملك كبير وقوي (...)، وستحترق السماء بدرجة ,45 وستقترب النيران من المدينة الجديدة والكبيرة . وكالعادة، راحت أفواه الناس تتناقل هذا المقطع عن المدينة الجديدة أي نيويورك الواقعة على الدرجة 45 من خطوط الطول، وكيف ان نبوءة نوسترادموس طابقت التاريخ بدقة، أي في السنة الأولى من القرن الجديد (2001)، وفي الشهر التاسع بالتحديد (أيلول). وتبين، في ما بعد، ان هذا المقطع مزيف بالكامل، وأنه غير موجود، على الاطلاق، في نبوءات نوستراداموس. وعلى هذا الغرار زعم العديد من المواقع الشبكية الاسلامية ان القرآن تحدث عن هذه النازلة التي حلت بمدينة نيويورك في سورة التوبة التي تقول: أَفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم مَن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين . وللمزيد من التلاعب قالوا إن سورة التوبة هي السورة التاسعة من بين سور القرآن، ومكانها في الجزء الحادي العشر، كما أن الآية المذكورة تحمل الرقم ,110 وان عدد الحروف من بداية السورة حتى الآية 110 هو 2001 حرف. أي ان جميع رموز الآية مطابقة لحادثة نيويورك التي وقعت في اليوم الحادي عشر من الشهر التاسع من عام 2001 ودمرت برج التجارة العالمي المؤلف من 110 طبقات، والواقع في شارع جرف هار (جريدة الرأي العام الكويت، 9/5/2002). بقليل من التدقيق يمكن اكتشاف التزوير الساذج في هذه المزاعم. فبرج التجارة العالمي لا يقع في شارع جرف هار بل في شارع ليبرتي . ولا يوجد، على الاطلاق، أي شارع بهذا الاسم أو قريب من لفظه في نيويورك. ثم إن سورة التوبة ليست، لدى البعض، هي السورة التاسعة بل الثامنة، ولا سيما لدى من لا يعتبر الفاتحة سورة قائمة بذاتها. وثمة من يرى ان سورة التوبة ليست سورة مستقلة بل تابعة لسورة الانفال. وفوق ذلك فإن رقم الآية المذكورة هو 109 وليس ,110 وعدد كلمات سورة التوبة 2117 كلمة وعدد الحروف منذ البداية حتى بداية الآية 109 هو 1731 حرفا وليس .2001 وعلى هذا الغرار كانت جريدة الحياة نشرت في 4/1/1948 نبوءة للدكتور داهش (سليم العشي) يقول فيها: إن بيروت ستحترق بالكبريت والنار، وان الخراب سيعم لبنان من أقصاه الى أقصاه نتيجة لاضطهاد الدولة مؤسس الرسالة الداهشية وسكوت الشعب الممثل بنوابه وقضاته وأدبائه وصحافييه عن هذه الجريمة (غازي براكس في أضواء جديدة على مؤسس الداهشية ، بيروت، د.ن، 1977). وبطبيعة الحال احترقت بيروت لا نتيجة لاضطهاد مؤسس الداهشية، بل لأسباب سياسية وإقليمية معروفة. مهما يكن الأمر فإن الثقافة الشعبية العربية تزخر بالكثير من المصادر النبوئية مثل نبوءات هيرمس الهرامسة و ملحمة التبع حسان (التي أنشدها الملك اليماني حسان أمام كليب بن ربيعة قبل أن يقتله كليب ثأراً لجساس بن مُرة) و كتاب الجفر المنسوب الى الامام علي بن أبي طالب، علاوة على الكتب الغزيرة مثل كتب الفتن والملاحم التي تتحدث عن إشراط الساعة و علامات الظهور ... الخ. والعوام، في أغلبيتهم الساحقة، يميلون الى تصديق الكثير من الأوهام حتى التي تتجاوز جوهر عقائدهم الدينية، ولا سيما ان معظم الديانات لديها تصورات نشوئية وقيامية عن الأيام العتيقة وعن الأيام الأخيرة، أي: ما حدث وما سيحدث حتى يوم القيامة. وهذه التصورات التي تحولت في بعض الديانات الى نوع من الهذيان القيامي، اكتسبت صفة القداسة لأنها استندت، في الأساس، الى النصوص الدينية مثل سفر الرؤيا . أما في الاسلام، فإن الكثير من سور القرآن تبدأ بحروف هجائية تسمى المقطعات أو فواتح السور مثل أ ل ر أو ع س ق أو ياء سين . ولعدم وضوح معنى هذه الحروف، انطلق خيال المفسرين للبحث عن المعاني السرية لها، وجرى تفسيرها أحيانا بطريقة سحرية. قصارى القول ان جميع النبوءات، الدينية وغير الدينية، بما في ذلك الرؤى التي طالما انتابت عرّافي الأساطير الاغريقية، تسعى الى تأكيد فكرة القدر، أي ان شؤون الناس مقررة سلفا، ومجريات الأحوال إنما هي أمور جرى رسمها منذ البداية بإرادة طاغية، ولا يمكن ان تحيد عما هو مرسوم لها قيد أنملة، فلا إرادة للناس في صنع حياتهم، ولا مشيئة لهم في تدبير أيامهم. نبوءات يهودية هناك خرافة شائعة في بعض الأوساط الفلسطينية تقول ان تيودور هيرتسل مؤسس الحركة الصهيونية تنبأ في المؤتمر الصهيوني الأول سنة 1897 بأن الدولة اليهودية ستقوم في فلسطين في غضون خمسين سنة. وبالفعل، بعد خمسين سنة بالتمام أصدرت الأمم المتحدة قرار التقسيم رقم 181 في 29/11/.1947 ان المغرمين ببروتوكولات حكماء صهيون يجدون في هذه النبوءة تصديقا لخرافة القوة الخفية لليهود. ولو أنعم هؤلاء النظر قليلا، وببعض من التدقيق لوجدوا ان هيرتسل ذاته تنبأ في يومياته بأن ألمانيا سترعى المشروع الصهيوني وستحمي اليهود. لكن بعد ثلاثين سنة قامت ألمانيا بذبح اليهود والفتك بهم. أي ان هيرتسل عجز عن التنبؤ بالمحرقة النازية. ثم جاء بعده دافيد بن غوريون، الصانع الحقيقي لدولة اسرائيل، ليتنبأ بقيام دولة مسيحية في لبنان، وهذا لم يحدث على الرغم من المحاولات الدؤوبة في هذا المضمار. وتحدث خبراء صهيونيون في ستينيات القرن العشرين عن هجرة يهود الأرجنتين الى اسرائيل، وهذا لم يحدث ايضا. وحتى لو حدث ذلك لاحقا، في أحوال متغيرة، فهذا يعني ان الأمر إنما يحدث لأسباب موضوعية لا علاقة للتنبؤات بها، كأن يتنبأ أحدهم بكارثة في إحدى الدول. فلو وقع فيها زلزال يكون ذلك من باب الامكان لأن المنطقة معرضة للزلازل، وليس لأن ذاك الشخص قد رأى الزلزال كرؤيا نبوئية. نبوءات فلسطينية ? في سنة 1996 نشر الدكتور محمد عزت نصر الله كراسا بعنوان: كتاب مفتوح الى بنيامين نتنياهو (بيروت: المركز الفلسطيني للتربية والثقافة والاعلام، 1996)، قال فيه انه ينتظر ان يكون نتنياهو هبة الله (وهو اسمه بالعبرية)، وأن يكون عهده بداية الزمن المسيحاني المقبل الذي تتحقق فيه بداية المجيء المبارك، ويعمل لتهيئة الظروف المؤاتية لظهور المسيح المنتظر (ص19). وبعد ان برهن ان المسلمين في فلسطين هم أبناء سبط يهوذا الذين اعتنقوا الاسلام في عهد عمر بن الخطاب، أعلن نبوءته المدهشة وهي ان المهدي المنتظر سيظهر في سنة ,1998 وان اسمه سيكون محمد الملقب ب اسرائيل . وبعد ان جال في ألاعيب حساب الجُمل (= القبالاه) قال ان المهدي سيظهر في بلدة المجدل (= عسقلان)، وإنه سيولد في بيت اسرائيل في طرف بيارة العسقلاني لجهة الشرق بجانب بيارة الكرسوح بالناحية المسماة ب الدوار (ص15). وقد أفاض في عرض الكثير من التفصيلات واستعراض الألاعيب لنكتشف أنه يدعو الى نفسه، أي ان محمد عزت نصر الله هو نفسه المهدي المنتظر المولود في بلدة المجدل عند ناحية الدوار على مفارق الطرق في الخط الساحلي في منزل ملاصق تماما لمنزل الكرسوح! وها هي سنة 1998 مرت ولم يظهر المهدي، ولم يتجاوب هبة الله نتنياهو مع دعوة محمد عزت نصر الله لإقامة تحالف بين المسلمين (سبط يهوذا) واليهود ضد النصارى. ? في سنة 1999 توقع الشيخ أحمد ياسين أن تزول اسرائيل سنة ,2027 أي بعد أربعين سنة على اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى في سنة .1987 ويبدو اننا في حاجة الى 21 عاما لنختبر هذه النبوءة. ? توقع الأكاديمي الفلسطيني يوسف الأسطل زوال الاحتلال الاسرائيلي كلية قبل نهاية الربع الأول من القرن الحادي والعشرين. وحدد سنة 2010 لزوال الاحتلال عن الضفة الغربية، واستند في ذلك الى الآية الثانية من سورة الحشر التي تقول: هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب . وشرح يوسف الأسطل نبوءته بالقول: ان تاريخ فلسطين يشير الى أنها لم تقع تحت الاحتلالات المتعاقبة أكثر من مئة عام في كل مرة. وقد مضى على احتلالها منذ سنة 1917 ما يقارب 88 عاما، ولن ينقضي قرن حتى تتحرر، أي ان التحرير سيكون في سنة 2017 بفارق عشر سنوات عن الشيخ أحمد ياسين. (يوسف الأسطل في حوار مع قدس برس نقلته مجلة الأمان اللبنانية في 2/9/2005 وجريدة الرأي العام الكويتية في 8/9/2005). ومن غير المعروف لماذا اختار سنة 1917 ولم يختر سنة 1948 مثلا. ??? هذا غيض من فيض التنبؤات التي تتكاثر في الحياة الثقافية العربية أيما تكاثر. وهذا العياء ناجم، على وجه الخصوص، من غياب العلم والتفكير العلمي. وبهذا المعنى انحط ارتياد المستقبل من كونه طريقة علمية قائمة على الاحصاءات واكتشاف الاتجاهات ورصد الاحتمالات الى مجرد لعبة ذهنية تستند الى نصوص من الماضي مسطورة في كتب المؤرخين والمحدثين والحفّاظ. وتكمن المشكلة في البيئة، أي البيئة الفكرية أساسا، وهي في عالمنا العربي بيئة دينية بالدرجة الاولى. لأن عود الثقاب إذا أُلقي في الماء انطفأ، وإذا أُلقي في برميل بنزين أشعل مدينة. والجرثومة إذا وُضعت في مرق اللحم تكاثرت بسرعة، وإذا وُضعت في سائل حامضي ماتت. والبيئة الدينية هي الوسط الذي يسود فيه التفكير الخرافي والاتكالي، ويتوسع، باطراد، التخلف الاجتماعي والثقافي. وهذا سبب إضافي لنشوء الكراهية والتكفير وتكاثر جماعات الارهاب والذبح.