As Safir Logo
المصدر:

كتاب التساؤلات.. لبابلو نيرودا في حكمته الشعرية الأخيرة لماذا الأصفر والخريف ونيكسون والبطيخ

بابلو نيرودا بأي لغة يتساقط المطر
لوحة للعراقية عفيفة لعيبي
المؤلف: شمس الدين محمد علي التاريخ: 2006-09-29 رقم العدد:10514

أهمية كتاب التساؤلات Libro de las per guntas الذي كتبه الشاعر التشيلي بابلو نيرودا بالإسبانية في العام ,1973 قبل بضعة أشهر من رحيله في 23/9/1973 ونشر في بونس ايرس في مطلع ,1974 بعد وفاته، أنه يمثل صفوة التأمل الشعري لهذا الشاعر الذي عاش سبعين عاماً إلا عاماً واحداً (1904 1973) وكتب تأملاته الشعرية الأخيرة بصيغة تساؤلات مختزلة، عميقة، طريفة، وذات نكهة خاصة تختلف بالإجمال عن سياقات قصائد نيرودا المعروفة له، في دواوينه: سيف اللهب، وحجارة تشيلي، وماتيلدا والفؤوس... فكأن هذه التساؤلات الشعرية هي خلاصة الخلاصات لتجاربه الغنية في الحياة والكتابة الشعرية، فجاءت الأسئلة مقطرة تقطيراً شديداً وموحياً، من خلال صيغ كتابية، تشفّ وتوحي وترمز أكثر مما تفصّل أو تعرض. هذه التساؤلات التي نقلتها الى العربية، عن لغتها الأصلية مباشرة (الإسبانية)، سحر أحمد (من البصرة، العراق)، وصدرت في طبعتها الأولى عن دار أزمنة للنشر والتوزيع (عمان/ الأردن) في العام الجاري ,2006 بلغة عربية شعرية، إنما منثورة، ذات إيقاع لغوي واختزال تعبيري، تضيف الى زاوية نيرودا في الشعرية العربية الحديثة والمعاصرة، ظلالاً أخيرة جميلة وموحية... وقد وجدت صنيع نيرودا في هذا المجال، شبيهاً بصنيع نجيب محفوظ في آخر كتابين ختم بهما حياته الطويلة الخصبة وهما: أصداء السيرة الذاتية و أحلام فترة النقاهة ، حيث انبثقت لدى الروائي الكبير فجأة ينابيع مكبوتة من الشعر الصافي والحكمة المخزونة. نستطيع كذلك أن نعتبر تساؤلات نيرودا حبات بلورية من كنز مخبأ لديه، كشف عنها فجأة للآخرين قبل رحيله بأشهر، أو قل هل هي وصايا شعرية ووجودية لشاعر شديد الجاذبية عاش ورأى وكتب بالإسبانية، ونالت أشعاره صدى كبيراً في جميع أنحاء العالم، كما منح جائزة نوبل للآداب في العام .1971 لقد تمّ نقل نيرودا الى العربية باكرا، وتمّ الاهتمام به كشاعر ومناضل شيوعي في إسبانيا وتشيلي وفرنسا... وشاعت أشعاره وسيرته النضالية في أميركا اللاتينية وأوروبا والاتحاد السوفياتي، حتى غدا عالمياً بهذا المعنى من الاهتمام به وانتشار أشعاره. ترجمت أشعاره الى العربية مرات عدة، تارة من الإسبانية (لغتها الأم) مباشرة وطوراً من خلال لغة وسيطة: الإنكليزية كما فعل ميشال سليمان في ديوان سيف اللهب، أو الفرنسية كما فعل محمد عيتاني في مجموعة لماتيلدا والفؤوس. وقد استمتعت شخصياً متعة فائقة بقصائد سيف اللهب التي صاغها بالعربية ميشال سليمان صياغة صافية، وأحسب أن الروح الشعرية لبابلو نيرودا قد أثرت في ميشال سليمان، فجاءت قصائد سيف اللهب المعرية، أجمل وأرشق وأشفّ من أشعار سليمان نفسه، فهو في سيف اللهب مترجماً، أجمل وأهم منه شاعراً في دواوينه. وسألت نفسي: لماذا كتب نيرودا في آخر أيامه هذه النبذات الشعرية المختزلة بصيغة تساؤلات، أو مذكرات شخصية، هو صاحب المطولات الشعرية أو المشاريع الكتابية الطويلة؟ تحديات وقد وجدت الإجابة عن سؤالي في سيرة نيرودا نفسه، فقد طرح الشاعر على نفسه مبكراً، تحديين: التحدي الأول لغوي يتعلق بقدرته على تجديد اللغة الإسبانية وإعمال شعريته في هذه اللغة لكي تغدو معاصرة وحاضرة وإبداعية (توليدية). وقد ظهر هذا التحدي من خلال ما كتبه خورخي لويس بورخيس في معرض كلام له على نيرودا. يقول بورخيس: التقينا ببعضنا قبل أربعين سنة. كنا نحن الاثنين في ذلك الوقت، متأثرين بوالت ويتمان (الشاعر الأميركي المعروف صاحب أوراق العشب ).. وقلت نصف مازح: لا، لا أعتقد أن هنالك ما يمكن صنعه باللغة الإسبانية. هل تعتقد بذلك أنت، أيضاً؟ . وافقني نيرودا، لكنه قرر بأنه فات أوان أن نكتب نصوصنا باللغة الإنكليزية.. وأنه علينا بذل الجهد لإخراج الأفضل من أدب هو من الدرجة الثانية .. (من: حوارات مع خورخي بورخيس، تحرير ريتشارد بيرغن، 1988). أما التحدي الثاني الذي واجه به بابلو نيرودا نفسه، فهو تحدٍّ أسلوبي أساسه قلق التجديد والتغيير التعبيري والأسلوب والطليعية. ذكر ذلك عنه الكاتب والناقد رينيه دي كوستا في كتابه شعر بابلو نيرودا الصادر العام 1979: تمّ اعتباره ذات مرة، بأنه بيكاسو الشعر.. بتلميح الى قدرته السريعة لأن يكون على الدوام، في طليعة التغيير. وكان هو نفسه قد لمّح مراراً الى نضاله الشخصي ضد نمطه، والى حاجته المستمرة للبحث عن نظام جديد، في كل كتاب يكتبه . يمكن اعتبار كتاب التساؤلات آخر نضالات بابلو نيرودا الشعرية، ضد نمطه الخاص. ويلوح لي أن هذه المقاطع المختزلة التي كتبها نيرودا، كل مقطع في كلمات لا تتجاوز السطر أو السطرين، موصولة بطرفين متباعدين من حياة الشاعر: الطفولة والكهولة.. فهي تجمع بين حدين: حد البداهة والفطرة الأولية التي هي من صفات الطفولة، وحد النضج والتأمل والحكمة التي هي من صفات الشيخوخة. ويلوح لي أن أبرز سمات هذا الصنيع الجميل والممتع، المفيد والمسلي كأنه اللعب، أنه يثير أسئلة فقط، أسئلة متنوعة ومتباعدة في كل شيء: في الطائرات والطيور، والبدر والطحين، والموت والوردة والعمى، واللون (وأسبابه)، لماذا الأصفر مثلاً؟ والأشجار والغيوم، والشمس والطفلة، والقطة، والرماد، والبرق، والذبابة، والخريف، ونيكسون والبطيخ علامَ يضحك البطيخ ساعة ذبحه؟ ، والعيون أمس، بالأمس، سألت عيوني: متى يرى أحدنا الآخر؟ وعيون ايلوار أين زرعوا عيون الرفيق بول ايليوار؟ ، والوردة وأشواكها سألوا الوردة: هل لديكِ متسع لبعض الأشواك؟ ، والحزن والكآبة هل صحيح أن الحزن كثيف والكآبة شفافة؟ ، وفي الوجود مَن أسأل عما جئت أصنعه في هذه الدنيا؟ وفي الذات... في السخرية من الذات هل في الحياة أسخف من أن تُدعى بابلو نيرودا؟ وفي الشعر والشعراء ألم يكن رمبو بنفسجياً وغونغوار طيفاً من البنفسج، حينما كان بودلير يبكي، فهل يبكي بدموع سوداء؟ ، هل كان فيكتور هوغو مثلث الألوان وأنا شرائط صفراء؟ ، وفي الموت أخيراً... أليس الموت مطبخاً متصلاً؟ ، وفي لطف الانحياز السياسي لماذا سارت أحسن الأنهار لتصب في فرنسا؟ لماذا لا يطلع الفجر في بوليفيا بعد ليلة جيفارا؟ ، وفي التأمل المكثف في الحياة والموت، في الوضوح والغموض أوليست حياتنا نفقاً بين مثلثين مظلمين؟ ، أوليست الحياة سمكة يمكن أن تصير طيراً؟ ، وهناك ضحك على أنف الموت من أين يأتي الموت من أسفل أم من أعلى؟ ، وفي التعارضات والتحولات، وثمة أسئلة محيرة إلا أنها جذابة: ما اسم الشهر الذي يأتي بين كانون الأول وكانون الثاني؟ وأسئلة مركبة بأي علم أو جهل يبكي المطر فرحه؟ . وثمة أسئلة لا تخلو من اللعب أو الطرافة أو الفنتازيا... أنت لا تصدق أن الجِمال تخزن ضوء القمر في السنام ، أليس الأفضل تحريم القبلات بين الكواكب؟ ... ... من أي الأنهار يأتي السمك؟ . يلعب نيرودا أيضاً مع اللغة والحروف ألا تتحطم السفن من شدة ما تحمل حروف العلة؟ هل الياء في الريل، تبعث دخاناً أم ناراً أم بخاراً؟ ... بأي لغة يساقط المطر على المدن؟ هل هناك نجمة أكثر انتفاخاً من كلمة خشخاش ؟ متى صدر تحت التراب مرسوم بتسمية الوردة؟ ... هذه الأسئلة والصيغ الخاطفة والمفاجئة لمقاطع بابلو نيرودا تثير فينا كل ما يثيره الشعر والطفولة والكهولة من مرح ودهشة مفارقة وتأمل... قلق وجد وضحك.. ولا ننسى أيضاً التسلية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة