لا تحتاج السينما المصرية إلى رحيل كبارها، كي تتأكّد إصابتها بأزمات عدّة، في الوعي والثقافة والمخيّلة الإبداعية والنتاج السويّ. لا يرتبط انحدار هذه السينما، بشقّها الكوميدي على الأقلّ، بغياب مؤسّسيها فقط، الذين عجزوا عن توريث اللاحقين بهم شيئاً من لغتهم الناطقة باسم الضحك الحقيقي أو الكوميديا الجادّة، ليس لأن الكبار لم يعرفوا كيفية توريث الجدد تلك اللغة الأعمق في صناعة الضحكة الجميلة والكوميديا الحقيقية، بل لأن الجدد أنفسهم ظنّوا أن قدراتهم الذاتية، وحدها، قادرة على دفعهم إلى احتلال أمكنة هي، في الواقع، ليست لهم. وليس لأن الكبار بدوا أنانيين، فحجبوا التجربة وقطعوا الطريق على اللاحقين بهم، بل لأن الجدد هم الأنانيون في مسلكهم الفني، وإن عبّروا مراراً عن احترامهم الجيل أو الأجيال السابقة عليهم، فأدّوا لهم واجب المحبة والثقة. هناك خلل في التواصل بين الأجيال العربية. هناك نوع من قطيعة كبيرة. لا يعني هذا أن كل ما فعله الكبار جيّد ومهم، وأنه يُفترض بالجدد الاستعانة بإنجازات السلف الصالح والاستفادة منها من دون مساءلة أو نقاش. لكن الواقع الآنيّ مرير، ولهذا، يشعر المرء برغبة في إجراء مقارنة كهذه، في لحظة وداعه الفنانين الكبار. والواقع الآنيّ مرير، لأن الغالبية الساحقة من النتاج الفني الحالي منقوصة ومرتبكة وعاجزة عن ابتكار لغة عصرية ومتجدّدة لترجمة إبداع ما يُتوقّع أن تفرزه المخيّلة الفنية. وهذه أقسى الأزمات التي تعانيها السينما المصرية والعربية أيضاً: غياب المخيّلة والابتكار. تزداد قسوة هذه الأزمة، برحيل كبار لعبوا دوراً فاعلاً في ضخّ الجديد والمبتكر في شرايين المخيّلة ونبضها وروحها. ذلك أن أزمة السينما المصرية نابعة من بؤس الكتابة الفنية والتمثيل السطحي والمواضيع الساذجة، التي باتت كلّها سمة أفلام يصعب على النقد الموضوعي أن يجد لها وصفاً واضحاً، أو أن يُدرجها في أي خانة من خانات الإبداع الفني. كأن غياب هؤلاء يزيد من فداحة الواقع المتأزّم للسينما المصرية، الكوميدية والدراماتيكية على حدّ سواء. أو كأن رحيل هؤلاء ناتجٌ، في أحد جوانبه، من هذا المأزق الكبير الذي وجدوا أنفسهم فيه: إنهم كبار في الأداء والإخراج والإنتاج. إنهم جزء أساسي من صانعي التاريخ العريق للنتاج السينمائي. إنهم أسياد حقيقيون، إذ امتلكوا الموهبة الجدّية، وأدركوا أن اشتغالهم الفني سيؤدّي، حتماً، إلى وسم الذاكرة الجماعية بسمات العطاء النظيف ، وهو التعبير الذي يستهوي عدد من النقّاد والصحافيين والفنانين عندما يتحدّثون عن نتاج لم يعد له حضور فاعل في المشهد الفني المصري والعربي. إنهم، باختصار، آخر فرسان الإبداع السينمائي الجميل، في زمن الهزائم والفوضى. أم إن مبالغة ما تنضح من كلمات أردتها تعبيراً عن وفاء لجيل يبدو أنه بلغ مرحلة الاندثار الأخير، ويبدو، مع رحيله، أن المقبل من الأيام تنذر باستمرار هذه الفوضى في إنتاج صنيع فني هشّ، على الرغم من أن ضوءاً شحيحاً يفتح ثغرة متواضعة في جدار الظلمة والانهيار؟ لا بأس في شيء من المبالغة ، إن كانت تعبيراً عن مأزق حقيقي في مواجهة الفراغ شبه المطلق في الحياة الثقافية والسياسية والفكرية العربية. لا بأس في شطحة كهذه، تبتعد عن قراءة واقعية للتحوّل الحاصل في الثقافة العربية، والمتمثّل بعدد قليل جداً من الوعود الإبداعية. ذلك أن رحيل كبار يصيب المرء بشيء من الوجع، في هذه الصحراء العربية الممتدة إلى اللانهاية. رحيل كبار وأزمة الكوميديا المصرية لم تمض أيام كثيرة على رحيل أحد أعمدة الفن الكوميدي المصري والعربي عبد المنعم مدبولي، مبتكر ال مدبوليزم ، حتى رحل كبير آخر من أولئك الذين سطّروا فصلاً متكاملاً من الإبداع الكوميدي، في المسرح والسينما معاً. ففي السادس عشر من أيلول الجاري، أي بعد عشرة أيام فقط على مرور اثنين وثمانين عاماً على ولادته، غاب فؤاد المهندس في إحدى اللحظات الحرجة التي تعانيها الحركة الإبداعية العربية. وفي ظلّ التدهوّر الخطر الذي تعانيه الثقافة السينمائية في مصر والعالم العربي، بدا غياب فؤاد المهندس انتكاسة إضافية لمعنى أن يكون الفنان كوميدياً، وأن يكون الممثل مثقفاً، وأن يكون المبدع منتبهاً إلى أهمية الفعل الإبداعي في الوعيين الفردي والجماعي. بمعنى آخر، فإن أزمة السينما المصرية، الكوميدية بالدرجة الأولى، ازدادت حدّة بغياب عبد المنعم مدبولي وفؤاد المهندس، لأنها عانت الأمرّين جرّاء طغيان الكوميديا المسطّحة والغبية والمفرّغة من أصول الضحك وقواعده المرتكزة، في الوقت نفسه، على الشكل والحركة والنطق والنكات وأسلوب الكلام و القفشات واختيار المواضيع وكيفية معالجتها بنَفَس كوميدي سليم وسوّي. ولأنها عجزت عن تأسيس جيل كوميدي شاب، على الرغم من تنامي ظاهرة الممثلين الشباب الذين ظنّوا، لوهلة، أنهم مستمرّون في احتلال الشاشة الكبيرة ب بهلوانياتهم المملّة إلى وقت طويل. إن غياب مدبولي والمهندس أكّد الفرق الشاسع بين الجيل القديم، الذي توزّع نشاط أبنائه على السينما والمسرح والإذاعة والتلفزيون والغناء، والجيل الجديد، الذي ظهر في مطلع التسعينيات الفائتة، من دون أن يتوصّل إلى خلق نمط ثقافي وفني يُكمل التجربة السابقة، ويسعى إلى تطويرها وفقاً للمرحلة الآنيّة، ويذهب بها إلى لحظة ابتكار سمة ما تميّز العمل الكوميدي الخاصّ بهم عن ذاك الذي صنعه السابقون لهم، من دون أن يقطعوا معهم. واستمرّ هؤلاء الكوميديون الجدد في توليد أعمال مسطّحة، على الرغم من التراجع الملحوظ في شعبية نتاجهم، خصوصاً في الأعوام القليلة الفائتة. هذا الفرق بين الجيلين واضحٌ تماماً: هناك كَمّ هائلٌ من الأعمال الفنية التي قدّمها عبد المنعم مدبولي وفؤاد المهندس وأبناء جيلهما (وربما بعض أبناء الجيل اللاحق بهما تماماً)، لا تزال حاضرة في المشهد الإبداعي العربي، في حين أن كثرة الأعمال التي أنجزها كوميديو المرحلة الآنيّة سقطت في النسيان، أو هي على وشك السقوط فيه. على الرغم من هذا كلّه، فإن فؤاد المهندس، الذي منح عادل إمام فرصة الظهور الأول قبل أن يمثّل أدواراً صغيرة إلى جانبه، والذي تنبّأ له بأنه سيصبح زعيم الكوميديا في مصر ، أبدى قراءة منطقية لمسار الحياة. فهو اعتبر أن السينما للشباب، وأن على الفنان الذي يتقدّم عمره أن يتعامل مع المتغيّرات الحاصلة: إمام أحد تلامذتي. مع هذا، لم يكن لديّ أي مانع للتمثيل إلى جانبه ولو في دور صغير. مع أحمد زكي، شاركت بدور صغير في البيه البواب ، لأن الدور أعجبني، وموضوع الفيلم أيضاً في زمن انقلبت فيه الأوضاع، وأصبح الجهلاء والمتسلّقون هم أصحاب السيادة . ألا يُشكّل هذا التعليق صورة حيّة عن الواقع الآنيّ لمجموعة كبيرة من مدّعي الكوميديا والضحك؟ ألا يعكس قوله هذا جانباً أساسياً من يوميات السينما العربية كلّها، في لحظة الانفلات الثقافي الكبير، والانحطاط المتنوّع في السياسة والفن والإبداع والإعلام؟ ألم تنقلب المعادلة، بأن أصبح صاحب السيادة الأصيل مجرّد لاعب كومبارس على خشبة الحياة، لأن الجهلاء والمتسلّقين احتلّوا أمكنة ليست لهم، وفرضوا أنفسهم بقوّة مزدوجة على الساحة: قوة الفراغ المدوّي الذي أحدثته عزلة الكبار وصنعه رحيلهم وأمراضهم، وقوة ثقافة الاستهلاك التي سيطرت على مقدّرات النتاج الإبداعي العربي؟ معلّمون وأساتذة أمضى فؤاد المهندس مسيرة حياتية وفنية طويلة مع عبد المنعم المدبولي (نحو ربع قرن)، إلى درجة أن هناك مرحلتين في هذه الصُحبة التي جمعتهما: كنت بصحبته شيئاً مختلفاً تماماً عمّا كنت عليه قبل لقائنا. إنه الناظر والأستاذ بالنسبة إليّ وإلى الكثيرين من أبناء جيلنا والجيل اللاحق بنا . كم من فنان عربي حالي من أولئك البهلوانيين السذّج، قادر على الاعتراف، بصدق وشفافية وحميمية، بأن هناك من علّمه أو درّبه أو كان له أستاذاً ومعلّماً؟ لا أعمّم، بل أتساءل عن معنى العلاقات القائمة بين الأجيال، وعن التواصل المطلوب بين الجميع. غير أن عبد المنعم مدبولي لم يكن الأستاذ الوحيد لفؤاد المهندس، إذ سبقه في هذا المجال نجيب الريحاني. وهذه قصّة تروى. أما مدبولي، فقد لعب دوراً غير مباشر في تنظيم لقاء المهندس بالفنانة شويكار: كنا نلتقي في حفلات ومناسبات فنية ونتبادل الكلام بشكل عادي. لكن، كان هناك شيء في داخلي يدفعني إلى الحديث معها. كذلك الأمر بالنسبة إليها. كنت أعتقد أنها معجبة بي، فهي حرصت على حضور عروضي المسرحية الأولى، وعلى مشاركتها في فرقة ساعة لقلبك . لم أكن أتخيّل أنها من الممكن أن تكون ممثلة كوميدية على الإطلاق، فعندما رشّحها مدبولي للعمل أمامي، أبديت له دهشتي الشديدة، مع أني كنت أرغب في رؤيتها والعمل معها. لقد تسبّب ترشيح مدبولي لها بهذا الشكل في قلب حياتي وحياتها رأساً على عقب . اقترنا معاً، وعملا في أكثر من مسرحية وفيلم سينمائي. وبدا واضحاً أن النتاج الفني المشترك بينهما أحدث تأثيراً بالغاً في ستينيات القرن المنصرم، إذ كانت أعمالهما المسرحية الأكثر نجاحاً في تلك الفترة ، مما دفع عدداً من المنتجين السينمائيين إلى استثمار هذا النجاح في أفلام حقّقت، بدورها، نجاحاً جماهيرياً تفاوت مداه بين عمل سينمائي وآخر. فبعد أخطر رجل في العالم (1967) لنيازي مصطفى (الذي مثّله إلى جانب ميرفيت أمين)، بدأ الثنائي المهندس وشويكار العمل في أفلام عدّة، ك شنبو في المصيدة (1968) لحسام الدين مصطفى و أرض النفاق (1968) لفطين عبد الوهاب الذي عملا معه أيضاً في اعترافات زوج (1964) و أنا وهو وهي (1964). هناك أيضاً أفلام عدّة بإدارة المخرج حسن الصيفي، ك هارب من الزواج (1964) و غرام في أغسطس (1966) و المليونير المزيّف (1968)، في حين أنهما مثّلا في العتبة جزاز (1969) لنيازي مصطفى و مطاردة غرامية (1968) لنجدي حافظ. لكن محمود قاسم رأى، في كتابه أبطال الضحك في تاريخ السينما المصرية (الجزء الأول) ، أن تجربة نقل بعض الشخصيات المسرحية والإذاعية إلى السينما لم تؤدّ إلى النجاح المطلوب، مستشهداً بتجربة فيلم عريس مراتي (1959) لعباس كامل، الذي جمع عدداً من فناني الكوميديا البارزين في تلك الفترة، كإسماعيل ياسين وزينات صدقي وعبد السلام النابلسي: بدت اسكتشات زوجة محمود (شخصيتا محمود وزوجته شكّلا أساساً فاعلاً في برنامج ساعة لقلبك ) وكأنها محشورة من أجل الإضحاك داخل أحداث الفيلم (التي تدور) حول الزوجة التي تسبّب المتاعب لزوجها، حتى وهو مريض . في أي حال، فإن انفصال المهندس وشويكار عن بعضهما بعضاً، بعد نحو عشرين عاماً من الزواج والعمل الثنائي، أدّى إلى خسارة الفن الكوميدي أحد أبرز مقوّماته الشعبية والجمالية، إلى درجة أن الفنانة هند رستم قالت، ذات مرّة، إن هذا الانفصال أفضى إلى فقدان المسرح الكوميدي ثلث قوته . المثل الأعلى لا يُمكن تفسير السبب الذي دفع فؤاد المهندس المراهق والشاب إلى التعلّق بنجيب الريحاني. هناك شيء خفي جعله يرى في الأعمال المسرحية والسينمائية للريحاني، التي كان يُشاهدها باستمرار ويتابع جديدها، طريقاً وحيدة لصنع مستقبله، على الرغم من أنه، كالغالبية الساحقة من أبناء جيله في تلك المرحلة (كما في مراحل كثيرة لاحقة)، وجد نفسه في بيئة لا تحبّذ الفن، ولا تحرّض أبناءها على العمل فيه (مع أن والده زكي المهندس عالِمٌ لغويٌ ومثقفٌ رفيع المستوى، في حين أن شقيقته صفية نجحت في العمل الإعلامي والإذاعي). لم يشأ المهندس أن يسير على الخطى نفسها التي سار عليها والده. أراد الفن، ولعبت أفلام نجيب الريحاني دوراً حاسماً في هذا الاتجاه. شقيقته صفية وزوجها بابا شبارو (محمد محمود شعبان) كانا الصلة التي جمعت فؤاد الشاب بالكبير والقدير نجيب الريحاني: ففي إحدى حفلاتهما التي دُعي إليها الريحاني، انقضّ المهندس عليه ولم يفارقه لحظة، إلى درجة أن الريحاني ضاق ذرعاً به، وطالبه بصوت عالٍ أن يبتعد عنه. فما كان على صفية إلاّ أن اعتذرت منه قائلة له إن فؤاد مولع به، وإنه حوّل منزل العائلة إلى مسرح لأعمالك . إنها اللحظة المنتظرة، التي فتحت أمام فؤاد المهندس الدرب الذي أراد: اشتغل مع مثاله الأعلى لعامين كاملين، تدرّب فيهما على مفردات العمل الفني وتقنياته وجمالياته. لكن، في النهاية، كان لا بُدّ من الافتراق عنه، من دون أن ينسى أبداً تلك الجملة التي قالها الريحاني له في أحد الأيام: أنا أثق تماماً بقدراتك وموهبتك، ومقتنع بأنك ستكون خليفتي. لكن، يجب أن تكون لك شخصيتك المستقلّة وأداؤك المختلف. كن رجلاً، ولا تتبعني . هذا ما حصل. إذ انطلق فؤاد المهندس سريعاً في رحلته الفنية الطويلة، التي جعلته واحداً من كبار صانعي اللغة الكوميدية الجميلة والممتعة في المسرح والسينما على حدّ سواء. من هنا، يُمكن القول إن رحيل فؤاد المهندس بدا ضربة جديدة تلقّتها السينما الكوميدية المصرية، خصوصاً أن كلاماً كثيراً قيل في الآونة الأخيرة عن تراجع الاحتضان الشعبي لها، وبداية ما لسقوطها، وفقدانها القدرة على إقناع المشاهدين بها. وعلى الرغم من أن الراحل وجد عالمه الفني الحقيقي في المسرح، (إذ ظلّ يؤكّد أن المسرح بيته الأول، وأنه الأساس: لهذا لم أتنازل عن مكانتي فيه أبداً )، إلاّ أن تقنياته الخاصّة بتقديم الشخصية الكوميدية ساهمت في تشييد عمارة سينمائية تميّزت بتفرّدها في التأثير على المُشاهد من خلال تضافر عدد من المقوّمات، لعلّ أبرزها موهبة الإضحاك الذي، وإن لم يهدف إلاّ إلى الإضحاك، منح الصورة السينمائية إحدى علاماتها الفارقة في جعل الضحك ركيزة حيّة للعمل البصري. فقد اعتمد فؤاد المهندس في أدائه التمثيلي على الحركة في المقام الأول، بالإضافة إلى العبارة والأداء المسرحي (وإن تمكّن المهندس، غالباً، من تطويع هذه التقنية في الأداء أمام الكاميرا، بحيث تحرّرت من متطلّبات الفضاء المسرحي ولغته المباشرة في مخاطبة المشاهدين وانعدام الحواجز بين الخشبة والجمهور). كما أنه تميّز بمرونته الجسدية، وصوته القوي، وقدرته على تلوين الحروف التي ينطق بها ، كما كتب محمود قاسم (في كتابه المذكور أعلاه). في حوار صحافي نشرته مجلة الجزيرة (التي تصدر أسبوعياً عن الصحيفة السعودية الجزيرة ) في عددها الصادر في الثاني والعشرين من حزيران ,2004 قال المهندس: كان قدري أنني ظهرت في وقت كان فيه عمالقة الكوميديا يعتمدون على إفيه شكلي أو ملمح خارجي ينتزعون به ضحكات الجمهور. أدركت أنا من البداية أنني لا أملك فم إسماعيل ياسين ولا ضحكة حسن فايق ولا حَوَل عبد الفتاح القصري. وبسبب هذه الظروف، احتجت لنحو عشرة أعوام قبل أن أتقدّم الصفوف، فانطلقت من تركيبة ثقافية وعقلية مغايرة من خلال النشأة الأولى لي، وقرّرت أن أكون لوناً مختلفاً، تقبّله الجمهور بمرور الوقت. كان هذا من حسن حظي في التحليل الأخير . أما النشأة الأولى لفؤاد المهندس فتأسّست في أكثر من مرحلة واحدة. هناك أولاً والده، الذي اكتسب منه حسن النطق اللغوي لمخارج حروف اللغة العربية. وعلى الرغم من التوجيه العائلي الذي أوصله إلى كلية التجارة، إلاّ أن المهندس وجد في الفن طريقه الحقيقية في الحياة، معلناً تأثّره الكبير بأفلام نجيب الريحاني، مع أن البعض اعتبر أن المثل الأعلى لفؤاد المهندس في شبابه كان الممثل شرفنطح، الذي برز في الإضحاك من خلال شكله أيضاً. الرحيل أهي الصدفة التي تحاول أن تُعلن شيئاً فتتحايل على القدر، أم أنه القدر الذي يستبق الحدث الجلل، فيمارس سطوته الخفيّة على الناس؟ ذلك أن محطّات تلفزيونية فضائية عربية عدّة دأبت، في الأسابيع القليلة الفائتة، على بثّ أفلام لفؤاد المهندس، متّخذة من بلوغه الثانية والثمانين من عمره في السادس من أيلول الجاري مناسبة للاحتفاء به. من معبودة الجماهير (1967) لحلمي رفلة إلى فيفا زلاطا (1976) لحسن حافظ، مروراً بحوار مع هالة سرحان، بدا فؤاد المهندس وكأنه يُعلن للجميع، من وراء ابتسامته الملتبسة وتعبه الجسدي الحادّ ونظّارته الطبية التي أخفت بعض ملامحه وسخريته، أن اللحظة آتية، وأن الرحيل لا بُدّ منه، وأن الحكايات كلّها، الجميلة والسيئة، الحزينة والمفرحة، يجب أن تنتهي عند هذا الحدّ الفاصل بين حياة وموت، أو بين معلوم ومجهول في الأيام. وإذا استنفرت هذه المحطّات جزءاً من برامجها اليومية من أجل فؤاد المهندس، فإنها لم تتردّد، في خلال الأعوام الفائتة، عن بثّ وإعادة بثّ بعض مسرحياته القديمة، الطالعة على عيون المشاهدين من جمالية التصوير التلفزيوني بالأسود والأبيض، كي تُعلن، مرّة تلو أخرى، أن هناك زمناً جميلاً انقضى، وأن هناك زمناً ملتبساً نقيم فيه الآن، وأن هناك زمناً غامضاً مقبلٌ إلينا من مجاهل الغد.