As Safir Logo
المصدر:

مقاومة في اللادولة.. مقاومة من أجل الدولة

المؤلف: حسن لؤي توفيق التاريخ: 2006-09-28 رقم العدد:10513

عندما تتحدث جماعة 14 آذار عن دويلة حزب الله داخل الدولة ! يرتسم في المبدأ سؤال: عن أية (دولة) يتحدثون!! أما إذا كان القصد هو النموذج الذي يديرونه (اليوم). فهذا وحده مثير للسخط. من دون العودة لنموذج (الأمس). الذي كانوا أيضا من ساداته بفعل استثمارهم الوصاية السورية ، فجنوا بفضلها الثروات والمنافع في مسيرة حافلة بالفساد والفضائح. نكتفي بنموذج (اليوم) الذي كشف على مدى سنة ونصف السنة المفهوم البائس للدولة في أذهانهم. دولة المؤسسات أو الرعاية على حد سواء. وهذه بعض الأمثلة. قضائيا، فراغات جوهرية حتى الأمس القريب بتغيب مجلس القضاء الأعلى. وحتى اليوم في المجلس الدستوري. ما جمد عملية الطعون المقدمة في الانتخابات النيابية. وبالتالي فإن شرعية بعض من يشغل السلطة التشريعية هي موضوع شك أو شبهة! وينطبق الأمر ذاته على الأوضاع التي ستترتب عن القانون الجديد للطائفة الدرزية المطعون فيه والذي قد يؤدي الى انقسام حاد فيها. الأمن الأكثر أهمية ما زال منذ أشهر عدة يُدار (بالتكليف) من قبل وزير الشباب والرياضة، فيما (الأصيل) قابع في بيته واستقالته معلقة! أما (الشاهد الملك) هسام هسام، فقد بات عنواناً لأزمة هذا الأمن أو لمأزقه! القانون يخرقه أصحابه، ومثاله النظام الجديد للمجلس الدستوري. والذي قيل انه قد جرى تفصيله لوضع اليد على هذا المجلس. المسألة القابلة للتصديق بالنظر الى وسيلتها (الفضّاحة) المخالفة بالشكل والمضمون للقانون، الذي لا يجيز تغيير أنظمة أية محكمة قبل أن تبت بالقضايا المطروحة أمامها ووفقاً لنظامها الساري المفعول. وبالعودة الى الوزير الأصيل، والمكلف، فإن كل القرارات الصادرة عن هذا الأخير باطلة قانوناً وذلك بموجب قرار سابق عن مجلس شورى الدولة قبل سنوات، أبطل فيها ما صدر عن السنيورة يومها، بوصفه وزيراً مكلفاً بوزارة المال، والتي كانت حقيبتها للرئيس الحريري. أما الدولة الراعية للسيادة فإن نموذجها في ثكنة مرجعيون يغني عن التعليق، وكذلك تناسيها للأسرى اللبنانيين في السجون الاسرائيلية، وتجاهلها للخروقات الاسرائيلية للخط الازرق (بعد أن بسطت الدولة سيادتها جنوبا)!! فأين (الدولة) في كل ما سبق!.. بل هيئتها في الشكل الوظيفي، إذا تعذر المضمون الأخلاقي!! ثم أين الدولة الديموقراطية بوصفها عقداً اجتماعيا وسياسيا بين فئاتها ولا سيما في لبنان عندما تنفرد جماعة داخل الحكومة من دون الجميع بقرار السلم! بدءاً من مشروع النقاط السبع وصولا الى ما نراه. وما نراه شيء من الغرائب حيث السياسة لا تستلهم حركتها من وحي الإنجاز العسكري، بل هي في مكان آخر تتناساه أو حتى تجحده! ومرة جديدة تنفرد تلك الجماعة بإرساء (استراتيجية للدفاع)، خلافاً لكل الاعراف والمواثيق، ولكل ما جرى على طاولة الحوار. وملخص الاستراتيجية المذكورة هو جعل لبنان محمية دولية، كما يعبر عن نفسه هذا الحشد الدولي برا وبحرا. خاتمة فريدة من نوعها للحروب. حيث نتائجها السياسية تخالف مقدماتها العسكرية الباهرة، في مسيرة بائسة تعاند قواعد الاستراتيجيا، وأشياء اخرى. والى ما يمكن تلخيصه: بالدبلوماسية التي تخذل السلاح! لكن وبعيدا عن التشكيك، سنجاري من يعتقد بأن (نظرية المحمية) هي وجهة نظر تخدم لبنان. الأمر الذي يستوجب مناقشتها. وأول ما يتبادر هو السؤال عن مدى جدية المجتمع الدولي حيال لبنان؟! والإطئمنان لحمايته . والعيون هنا تشخص الى الولايات المتحدة الصانعة للجزء الأكبر من السياسة الدولية الحالية. والحذر من جدية أميركا أمر مشروع ومبرر انطلاقا من أن لبنان لم يكن يوماً (ثابتاً) في استراتيجيتها في المنطقة خلافاً لإسرائيل منذ نشأتها. وهو ليس من حيث الأهمية معادلا لسوريا، بدليل أنه رخّص لها كي تبسط نفوذها عليه ولأكثر من ربع قرن. لقد أظهرت الوقائع على مدى نصف قرن بأن لبنان كان خارج جدول الاهتمامات الاميركية، لمعظم الأوقات، و(طارئ) عليه لبعض الوقت. ثم يتركه بتسوية ما. هكذا مع عبد الناصر ايزنهاور. ثم الأسد كيسنجر. وبعده بوش (الأب). والآن يخضع لبنان لهذه الريح الاميركية (العرضية) لثلاثة اعتبارات: 1 طلب أي نصر أو إنجاز يعوض إدارة بوش أمام الداخل الاميركي خيباتها في العراق، وفي مكافحة (الارهاب)! وعلى هذه الخلفية تم إخراج سوريا من لبنان! 2 الضغط على سوريا وبالتواتر على إيران، لضرب مفاصل الممانعة في وجه مشروع الهيمنة الاميركي. 3 تحقيق أمن اسرائيل عند حدودها الشمالية (بالاعتقاد في إمكانية تصفية المقاومة) ولاحقا اختراق لبنان ليصبح احتياطيا جغرافيا وسياسيا في اللعبة الكبرى المسماة (الشرق الأوسط الجديد)، لا سيما أن هوس المحافظين الجدد يحلم بجغرافيا سياسية على أسس إتنية، يلاقيه استعداد كبير لدى بعض القوى السياسية اللبنانية! إن واحداً مما سبق ليس كفيلاً وحسب بنفي فكرة (المحمية)، بل بتحويل لبنان الى ساحة اختبار أو مواجهة. أما السياسة الرسمية حيال ما سبق فتبدو وكأنها خارج سياق الحذر أو الحرص هذا بأحسن وصف! وغير مهتمة في إيجاد هامش خاص بها للحركة حيال أي من الاحتمالات الممكنة. فمواجهة عدوانية اسرائيل المدعومة أميركيا تستوجب منطقيا المناورة في المقاومة لا على سلاحها، لا سيما أن موازين القوى تميل لصالح اسرائيل عسكريا وسياسيا. بدليل ان خروقاتها الحالية للخط الازرق تجري من غير مساءلة من قوات (اليونيفل)!! أبهذه يستقوي لبنان على اسرائيل!! فإذا كان أمر قوات اليونيفيل هو ما عرفناه منها أعوام .2006 ,96 ,93 ,82 فما مبررات هذه الكثافة، والاتساع في الانتشار ما لم يكن للاحاطة بالمقاومة فقط، كنوع من الحصار الأمني واللوجستي لها.. فإلى من هذا؟! ولصالح من !! ثم أين الحرص، والحسابات الاستراتيجية الدقيقة، مع إرسال ربع الجيش اللبناني الخفيف تسليحا، المكشوف جوا. ليقف وجهاً لوجه أمام الجيش الاسرائيلي الأقوى في المنطقة فهذا بالمفهوم العسكري التكتيكي والتعبوي هو الوضع الاسوأ الذي سيجعل الجيش صيداً سهلاً للنار الاسرائيلية. وهو بالمفهوم الاستراتيجي يكشف لبنان سياسيا، ويمنح اسرائيل الوضع الأمثل لاستخدام تفوقها للتحكم في مصيره (بالضربة القاضية)، إذا قضت حساباتها بذلك. ترى هل يتحمل البلد تدمير ربع جيشه الوطني من غير أن ينفرط عقده! ومن جهة اخرى، أي عقل يقبل احتمال استقرار لبنان (مشروع الدولة) إذا أصبح مصدراً لقلق سوريا واستفزازها وهي دولة حقيقية وقوية إنه بهذا الوضع سيصبح أشبه بالنابض ينضغط بفعل من هذا الجانب، وبرد فعل من الجانب الآخر. وعندها من يدلنا كيف سيكون لبنان بوابة العالم العربي الى الغرب أو العكس، اذا كان الحريق عند هذه البوابة! بعد هذا أصبح جلياً بأن الحديث عن نزع سلاح حزب الله لا ينفصل عن عملية إعادة ترتيب موازين القوى بما يتناسب والوضع الجديد أي (التدويل)، الذي بدوره يستبطن شكلا جديدا من أشكال (الانتداب). وهذا الأخير سينقل لبنان من (مشروع الدولة) في الطائف الى (اللادولة) مجددا. أي الى ذات الوضع الذي نهضت فيه المقاومة يوما كحل بديل في وجه الاحتلال.. يوم كنا نقول مقاومة في اللادولة.. مقاومة من أجل الدولة. (?) كاتب لبناني

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة