As Safir Logo
المصدر:

مناقشة هادئة لأفكار البابا

المؤلف: فضل الله محمد حسين التاريخ: 2006-09-23 رقم العدد:10509

في خضم ما يتحرك به الاستكبار اليوم ضد عالمنا العربي والإسلامي، سواء على المستوى العسكري والأمني أو على المستوى الثقافي في ما يتعرض له الإسلام من حملات تشويه ليبدو ذا بنية فكرية مفككة او ضعيفة، والتي منها التعميم الذي يمارس على الاسلام من خلال ما تمارسه جماعات معينة من عنف يطال الأبرياء مما لا يوافق عليه كثير من المسلمين، يطالعنا بابا الفاتيكان (بيندكت السادس عشر) بحديث ينسب الى الاسلام أمورا تنم عن عدم معرفة بالخطوط الإسلامية في علاقة الإسلام بكثير من القضايا التي أثارها، وفي مقدمتها العقل. فمن حديثه ان الإسلام لا يتفق مع العقل، الى تناوله لنظرة المسلمين العقيدية الى مشيئة الله، حيث ينسب الى المسلمين أنهم يرون ان مشيئة الله لا تخضع لحكومة العقل، مشددا على ارتباط المسيحية ارتباطا وثيقا بالعقل، وهو الرأي الذي يتباين مع رأي أولئك الذي يسلمون بنشر دينهم بحد السيف ، مستشهدا بكلام لامبراطور بيزنطي في القرن الرابع عشر في حوار له مع رجل فارسي ان النبي محمدا أحضر أشياء شريرة لا إنسانية، مثل أمره بنشر الدين الذي يدعو إليه بالسيف ، واستخدم البابا في محاضرته مصطلح الجهاد و الحرب المقدسة قائلا إن العنف لا يتفق والطبيعة الإلهية وطبيعة الروح . ونحن إذ أطلقنا استنكارا لما أتى به البابا، وطلبنا منه اعتذارا عما صدر منه، لا لكونه أطلق أفكارا تعكس وجهة نظر تُقابل بالنقد والحوار، بل لأن طبيعة حديثه كانت تمثل اعتداء على الاسلام ورسوله الكريم، وأطلق الاتهامات جزافا دونما تدقيق مطلوب من مقام ديني كالذي يشغله. على ان ذلك لا يمنع من ان نسجل مناقشاتنا ورؤيتنا الاسلامية لما طرحه من قضايا، إيضاحا لمن لديه حولها غموض، وإبرازا للمنهج الثقافي في إدارة الحوار، خصوصا في ظل ما يشهده العالم اليوم من حملات متنوعة ضد الإسلام دينا وواقعا. أولا: علاقة الإسلام بالعقل: ان علاقة الإسلام بالعقل هي علاقة عميقة، فالإسلام ركز كل عقيدته وكل مفاهيمه وكل شرائعه على العقل، وجعل الحجة بين الله وبين عباده العقل، واعتبر ان العقل هو الذي يخضع به الإنسان لربه في ما يأمره به وينهاه عنه. ولو درسنا القرآن الكريم دراسة دقيقة لرأينا ان هناك عشرات، بل مئات الآيات التي تؤكد على العقل، وتدعو الناس الى ان يعقلوا ما يفكرون فيه، وما يتحركون به، وما يعيشونه في حياتهم. ويعتبر ان الآخرين الذين يعيشون الغفلة إنما يعيشون الغفلة لأنهم لا يملكون العقل وأنهم لا يملكون العلم. وهذا أمر لا يحتاج الى الكثير من التدقيق او التعمق، بل هو واضح لمن سرّح نظره في بعض من آيات القرآن او أدبيات الإسلام مما جاءت به السنة الشريفة. حتى إن المنهج الإسلامي في النقد يرى أنه لا يُمكن أن يتعارض النص الديني والعقل، فإذا تعارض ظاهر النص مع العقل لزم تأويل النص لمصلحة العقل إذا أمكن، وإلا فقد قيمته كنص ديني. وفي موازاة ذلك، وأمام ما أثرناه في مسألة انطلاق الإسلام من قاعدة العقل، ندعوه الى ان يقرأ بعض الآيات القرآنية التي تؤكد على الآخرين أن المسألة من الناحية الثقافية بيننا وبينكم هي أنكم إذا كنتم تقفون ضد التوحيد ومع الشرك ومع بعض الأفكار فإننا نطلب منكم البرهان. نحن نقول لكل إنسان يخالفنا في الرأي وهذا هو مفهوم القرآن : إن من حقه ان يخالفنا، ولكن عليه ان يقدم البرهان على ما يتبناه في مقابل تقديمنا للبرهان على ما نتبناه، حتى تكون المسألة هنا وهناك مرتكزة على العقل والمنطق، لا على الظن والخيال وما الى ذلك. ولذلك قال تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا مَن كان هودا او نصارى تلك أمانيهم)/ (البقرة: 111)، هذه أمنياتهم (قُل هاتوا بُرهانكم إن كنتم صادقين)، على أي أساس تعتبرون الجنة لكم إن كنتم يهودا او نصارى؟ وما هي الضمانة التي أعطاكم الله إياها؟ ثم يناقش القرآن هؤلاء الذين يتحدثون عن الشرك (أم اتخذوا من دونه آلهة، قل هاتوا برهانكم) عن هذه الآلهة التي تعتبرونها شريككم لله، (هذا ذكر من معي) وهو القرآن (وذكر من قبلي) وهو التوراة والإنجيل (بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون). ثم يستدل على التوحيد ولا يطلقه كفكرة لا تستند الى بُرهان، فيقول: (أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون، لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) أي لو تعددت الآلهة، وانطلق كل إله بحسب الخطة التي يخطط لها والتي قد تختلف مع خطة الإله الآخر، فعند ذلك يحصل التنافر في ما بينهم وتتحول المسألة الى فساد ينطلق من تعدد الإرادات في حركة الكون والوجود، (فسبحان الله رب العرش عما يصفون). ويقول تعالى: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم) والبرهان هو الدليل. ويقول تعالى: (أمّن يبدأ الخلق ثم يعيده) وهو الله الذي يبدأه ويخلق الناس خلقا وجوديا ثم يعيده ويعيد الناس الى ان يجعلهم يعودون الى القيامة (ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين). ثم يقول تعالى: (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربّه). ثم يؤكد على الناس الذين يدخلون في الحِجاج، وهو الجدال، ان ذلك لا بد ان يكون على أساس علمي موضوعي: (ها أنتم هؤلاء حاججتم في ما لكم به علم) مما تملكون معرفته بشكل وبآخر، (فلم تحاجون في ما ليس لكم به علم). ويشير تعالى الى ان حركة القيامة والحساب تستند الى إقامة الله تعالى للبرهان والحجة على البشر، ولا تنطلق الأحكام جزافا، فيقول تعالى: (ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم)، اي هاتوا الدليل (فعلموا ان الحق لله) لأن البرهان كان دامغا، والحجة كانت ساطعة، (وضل عنهم ما كانوا يفترون). وفي حوار قوم إبراهيم (ع) وجدالهم، فقال لهم: (أتحاجوني في الله وقد هدانِ ولا أخاف ما تشركون به إلا ان يشاء ربي وسع ربي كل شيء علما)، لأن الله هو الذي يملك القوة كلها ويملك الأمر كله ولذلك فإنني لا أخاف أصنامكم التي لا تضر ولا تنفع (أفلا تتذكرون)، (وكيف أخاف ما أشركتم)، وأنتم في مقابل ذلك (لا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا) وهو كناية عن البرهان والدليل الذي ينسجم مع معطيات العقل ونتائجه (فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون)/ (الأنعام: 08 18). ثم يختم الله تعالى ذلك بقوله: (الذين آمنوا ولم يُلبسوا إيمانهم بظلم اولئك لهم الأمن وهم مهتدون، وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه)، فإبراهيم عندما تقدم الى قومه، وإلى أبيه من قبل، قدم الحجة التي تجعل موقفه موقفا مرتكزا على الدليل. وفي مجال آخر يقول تعالى وهو يعرض للمنطق السليم الذي يقود الى الايمان بالتوحيد: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق)، بمعنى أنه إذ لو فرضنا أنه كان هناك إلاهان، فذلك يعني ان هذا يكون عنده جماعة وذاك عنده جماعة، او لهذا خلق ولذلك خلق، ومن الطبيعي ان كل واحد منهما يأخذ جماعته ويفسد الكون نتيجة ذلك. والخلاصة ان القرآن الكريم يركز على مسألة الدليل والحجة والبرهان، وينطلق بالحوار في المسألة الثقافية، سواء أكانت عقيدية او أمرا يتصل بالشريعة او ما الى ذلك مما جاء في الديانات. وعلى هذا الأساس قلنا للمسيحيين، وقلنا لليهود ايضا في المسألة الثقافية، وحتى للذين يبتعدون عن الدين كليا: (هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين)، تعالوا لننطلق بالحوار من خلال العقل والحجة والبرهان، ليكون ذلك بيننا وبينكم. وإذا كان البابا قد حاول التأكيد في مقابل نفيه العقل عن الإسلام على ان المسيحية تختلف عن الإسلام في كونها دين العقل، فإننا لا ندري اي إيمان هو إيمان العقل؟ وقد قرأنا تصريحا لبعض المفكرين المسيحيين في تعليل الجمع بين التثليث والتوحيد، بأن المسألة فوق العقل، لأن الإيمان فوق العقل، لأنه ينطلق من القلب والروح بعيدا عن المعادلات العقلية. وفي المقابل نرى ان العقيدة الاسلامية لا بد ان تخضع كلها للعقل، حيث ان العقل هو الذي يؤسس للإيمان، وهو الميزان الذي تقيّم على أساسه الفكرة التي يُفترض الاقتناع بها والإذعان لها. حتى ان ما يدخل في إطار التعبد والتسليم لا بد ان يؤسس طريق الإيمان به من خلال العقل، فإننا عندما نؤمن بالعقل بصدق النبي، وأنه رسول الله، فإن العقل يقول لنا ان نصدق ما جاء به، سواء فهمناه عندما نملك ادوات معرفته، او لم نفهمه لأننا لم نملك تلك الأدوات. وبذلك يكون العقل هو المحور الذي تدور حوله كل القضايا التي تشكل مفردات الإيمان، سواء على مستوى العقيدة او الشريعة او المفاهيم او ما الى ذلك. ثانيا: ارتباط المشيئة الإلهية بالحكمة: أما قضية مشيئة الله سبحانه وتعالى وإرادته فإنها تخضع لحكومة العقل. والعقيدة الإسلامية تؤكد ان الله هو الحكيم، وأنه تعالى لا يتصرف إلا بالحكمة، والله سبحانه وتعالى هو الذي يؤكد في خلقه للكون على أساس النظام المتوازن الذي يخضع للقوانين الحكيمة المتوازنة التي تقود الإنسان الى ما فيه الخير كله وإلى ما فيه الصلاح كله، حيث قال تعالى: (إنّا كل شيء خلقناه بقدر)، وهو الذي أرسى السنن والقوانين في حركة الكون والإنسان، وقال تعالى: (ولن تجد لسنة الله تبديلا). كما ان الله هو الرحمن الرحيم الذي يأخذ عباده بالرحمة كما يفتح لهم آفاق الحياة بما يُصلح أمرهم وبما يُبعدهم عن الفساد. ويعلم الباحثون أن منهج العدلية الذي ينتمي إليه المعتزلة والشيعة الإثنا عشرية يؤكد على الحُسن والقُبح العقليين، هذه المسألة التي ترتكز على أنه لا يصدر عن الله تعالى إلا كل فعل حسن، ويستحيل أن يصدر القبيح منه. وحتى ان الأشاعرة يستدلون على وجود الله والوحي الإلهي بالعقل، فإذا حكم العقل بذلك استسلموا له، وهم عندما لا يقولون بالحسن والقبح العقليين فإنهم لا يجوزون فعل القبيح على الله، بل يرون ان العقل لا يتدخل في ذلك. ثالثا: الإسلام والجهاد: أما حديثه ان الجهاد يمثل العنف ضد الآخر في سبيل إجبار الناس على الدخول في الإسلام، فهو إنما يقول ذلك لأنه لم يدرس فلسفة وخلفيات الجهاد في الإسلام. إن الله يقول: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم..)/ (البقرة: 091)، وهذا هو الجهاد الدفاعي، اي: من قاتلك قاتله، وهكذا قوله تعالى: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها)/ (النساء: 57)، فإن القتال في الآية إنما يشرع دفاعا عن المستضعفين وعن المظلومين وعن المقهورين، وليس عدوانا على الناس. والجهاد هو حركة وقائية ايضا، وذلك عندما تتوفر المعطيات التي تشير الى خطر محدق بالمسلمين ودولتهم، فيتحرك الجهاد في سبيل رفع هذا الخطر، وقد قال تعالى: (وإما تخافن مِن قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين)/ (الأنفال: 85)... فتواجه الذين يريدون أن يخونوك بما عقدت معهم من المعاهدات. وهكذا ورد، حول الحرية الدينية لدى الذين ينتمون الى الاسلام عقيدة وعملا، قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)، في معالجة الوضع الذي كان يتعرض له المسلمون في مكة من الاضطهاد والقتل والتشريد لتحويلهم عن دينهم وإرجاعهم الى الشرك الذي كانوا عليه. وبذلك يكون الجهاد في الإسلام منسجما مع الحالة الإنسانية العامة في دفع الأعداء وأخطارهم، وهو بعيد كل البعد عن العدوان والظلم للآخر، حتى لو كان كافرا. وقد نجد في هذا المجال تصريح القرآن بأن الاختلاف في الدين او المذهب او غيره لا يبرر القتال، وإن ما يبرره هو وقوع العدوان والظلم من الطرف الآخر، أيا كان، فنجد في الدائرة الاسلامية الحديث عن قتال المسلمين، فيقول تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا ان الله يحب المقسطين)/ (الحجرات: 9)، فتحدث عن البغي في الآية وهو تعبير آخر عن العدوان. وأما خارج الدائرة الاسلامية، فقد قال تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم ان تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون)/ (الممتحنة: 8 9)، فإن الآية واضحة في ان الاختلاف في الدين لا يبرر القتال، بل إنما يخضع بمنطق الآية لعدوان الآخرين بالقتال او بالقهر والظلم وما الى ذلك. على أن القرآن صريح في أنه (لا إكراه في الدين)/ (البقرة: 752)، ولذلك لم يكن القتال لأجل إدخال الناس في الإسلام، وذلك هو شأن دين يقوم على العقل والبرهان في بناء العقيدة، مما لا يخضع لأي ضغط خارجي بعيدا عن الاقتناع الذاتي. ومن الطريف ان البابا نسب الى القرآن ان هذه الآية تمثلت في بداية الدعوة الى الاسلام، عندما كان الاسلام ضعيفا وكان النبي محمد (ص) في حالة ضعف، حتى إذا حصل على القوة تحول الى الأمر بالقتال. وهذا يدل على جهل البابا بتاريخ نزول آيات القرآن. ولو كان يملك الثقافة العلمية لاكتشف ان هذه الآية الكريمة نزلت في المدينة، اي بعد ان أصبح الإسلام، بقيادة النبي محمد (ص)، في موقع القوة الكبرى، وذلك ما تمثل في انتصاره على المشتركين في معارك الإسلام والشرك. على ان بالإمكان ان نلاحظ على البابا في هذا المجال أنه لم يتحدث عما جاء في العهد القديم، من أمر بني اسرائيل بإبادة الذكور من البلد الذي يدخلونه بالقتل الشامل لهم. وفي نص آخر: إذا دخلتم مدينة أسيلوها بحد السيف، ولا تتركوا فيها رجلا ولا امرأة ولا طفلا ولا حياة ولا نباتا. ولا ندري هل ان عدم الاستشهاد هذا كان خشية من سيطرة اليهود في ألمانيا، فلم يستشهد بنصوصهم الداعية الى إبادة الانسان غير اليهودي ليستشهد بالمسلمين في حديث لا عمق ولا صدق فيه؟! ثم إذا كان يعتبر ان الحروب التي خاضها المسلمون هي حروب مقدسة، وأن قتل الناس كان يتم باسم القداسة. ونحن مع نفينا صفة القداسة عن الحروب الاسلامية بالمعنى الذي يحمله المفهوم لدى الغربي للحروب المقدسة نسأله: ماذا عن الحروب الصليبية، المسماة حروبا مقدسة، والتي قادها البابوات والتي هاجموا فيها فلسطين وبيت المقدس، وقاموا فيها بمختلف الفظائع ضد المسلمين المدنيين؟ وماذا عن إجبار مسلمي الأندلس على الدخول في المسيحية؟ وماذا عن قتلى المسلمين في الأندلس، هؤلاء الذين رفضوا الدخول في المسيحية؟ وينقل التاريخ في هذا المجال ان المسيحية التي خرجت من الدياميس في عهد قسطنطين الملك لتصبح ديانة القصر والملكية، ألم يضع قسطنطين الصليب على الدروع ليجعل جنوده أكثر شراسة في القتال بحجة ان القتال تحت راية الصليب؟ رابعا: الاستشهاد بكلام الامبراطور: وإذا كنا نعتبر ان البابا قد أخطأ الفهم في كل ما تقدم من قضايا، فإنه أخطأ الموقف وهو يستعيد رؤى قديمة عبر اقتطاع نصوص تنتمي الى تلك العصور المغرقة في التاريخ كما حصل في الاستشهاد بكلام الامبراطور البيزنطي المتقدم . وما ذُكر في الدفاع عن إيراد هذا النص بأن الاستشهاد بكلام الامبراطور البيزنطي لا يعكس رؤيته، فإن سياق الكلام ينفي ذلك، لأن المسألة هي ان هناك نقلا تفصيليا لمسألة لا علاقة لها بصلب الموضوع، لأن ما يراد التركيز عليه وهو مسألة ارتباط الإسلام بالعنف يمكن الاشارة إليه بعيدا عن الاستشهاد بالنص المشار إليه، علما ان هذا النقد للإسلام أعني كونه قائما على إكراه الناس على الدخول فيه بالسيف ليس جديدا، فهو طرح قديم قد أجاب المسلمون عنه كثيرا، إلا ان المسألة هي ان تعمد الاستشهاد بنص يتناول النبي (ص) بهذا الوصف يوحي بأن إرادة الصفة من قبل البابا متعمدة أيضا. ثم إذا كان البابا يتحدث عن أنه لا يتبنى هذا الرأي، بل هو كلام مقتبس عن الآخر في محاضرة علمية، فإننا نقول له: لقد أخطأت التبرير، لأن الباحث العلمي عندما ينقل نصا مقتبسا فلا بد له من إعطاء الرأي فيه، تأييدا او رفضا، إخلاصا للمنهج العلمي. وهذا ما لم يحصل، بل إن أسلوب الطرح يوحي بأنه جاء به استشهادا لا اقتباسا، لأنه يتطابق مع اتجاه المحاضرة في اتهام الإسلام بأنه يقف ضد العقل، ويتبنى العنف في الدعوة الى الايمان، على اعتبار ان الدين لا يتماشى مع العنف الذي يؤكد البابا أنه ضد الله والروح، ما يعني ان الاسلام، في مفهومه الإيحائي، ليس دينا سماويا. وإن من اللافت للباحث أن البابا يعتبر محاضرته فتحا للحوار بين الأديان، بينما هي مهاجمة للإسلام الدين الذي يؤمن به مليار ونصف مليار من الناس بطريقة غير علمية، مرتكزة على جهل بالحقائق الإسلامية، لأن اسلوب الحوار بحاجة الى لغة موضوعية علمية حيادية، لا تشهيرية. ولذلك رأينا ان ضجة عالمية ثارت ضد الموقف البابوي في العالم الاسلامي، وفي أنحاء اخرى، حتى في بعض أوساط المسيحيين والباحثين في مسألة حوار الديانات والحضارات. وأما تبرير البعض بأن الموقف المستنكر لكلام البابا ناشئ من موقف سياسي، فإنه اي هذا التبرير ناشئ من دراسة غير واقعية، لأن العالم الاسلامي انطلق من رفض للإساءة الى الاسلام والى رسوله، ولا سيما ان البابا لا يمثل موقعا سياسيا في العالم، مع احترامنا لمقامه ومنصبه. وختاما: إننا نؤكد على أننا لا نستهدف في مناقشتنا الإساءة الشخصية الى البابا، ولا الى العلاقات الاسلامية المسيحية التي نحرص على توثيقها وتقويتها، وقد كنا من السباقين للتنظير لمسألة الحوار الإسلامي المسيحي. ونستمر في دعوتنا الى الحوار الموضوعي الانساني الهادف.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة