شكل العدوان الاسرائيلي على لبنان (21 تموز 41 آب 6002) منعطفا جديدا في سياسة الحروب الأميركية التي تطلق عليها صفة الاستباقية ، والتي انطلقت، بعد الحادي عشر من ايلول 1002، من أفغانستان لتمتد الى العراق، وبعده الى فلسطين، فلبنان، وبعدهما الى السودان، اليوم... مع تهديدات جدية أطلقت، ولا تزال، ضد سوريا وإيران. وإذا كانت هذه الحروب الاستباقية ، التي عادت اليها الإدارة الاميركية، قد اتخذت لها عنوان القضاء على الارهاب ، وإذا كان صانعوها قد استفادوا، وما زالوا، من الوجود الصهيوني وما يرافقه من تعصب ديني في الولايات المتحدة هو، في حقيقة الأمر، موقف يميني متطرف، إلا أن الأهداف الفعلية للنزعات العدوانية الجديدة (التي يدعوها البعض باسم العولمة العسكرية ) تكمن في السيطرة على منطقة استراتيجية مهمة، تجمع بين قارات ثلاث، وتفيض في باطنها الخيرات من بترول وغاز طبيعي (هما مصدرا الطاقة اليوم)، وفيها ما يكفي من شمس وماء (وهما، كما يشار، مصدرا الطاقة المستقبلية)... اضافة الى كل ذلك، وهنا بيت القصيد، فإن هذه المنطقة سهلة كونها حسب منظّري الولايات المتحدة منذ مرحلة ستينات القرن الماضي تجمع في ذاتها عناصر تفجرها وتشظيها الى عشرات الدويلات المتناحرة في ما بينها، ان بفعل التناقضات العرقية والقبلية القابلة للتصدع والتفسخ، أو بفعل عوامل طائفية استمرت في التأزم منذ القرن السابع (ميلادي) وقسمت المنطقة الممتدة من افغانستان الى فلسطين ولبنان الى ما يسمى بالهلالين: الهلال الشيعي ، الممتد من شرق أفغانستان الى ايران وجنوب العراق وسوريا وصولا الى لبنان، والهلال المسمى سني ويمتد قبالته وبمواجهته. أولا في الشرق الأوسط الجديد إن هذه الصورة، المختصرة الى حدها الأدنى، تبرز العوامل الأساسية التي دفعت بالولايات المتحدة الاميركية، في عهدي جورج بوش الإبن، الى العودة الى مشروع وزير خارجيتها في سبعينات القرن الماضي، الجمهوري هنري كيسنجر. هذا المشروع الذي ارتكز الى إعادة صياغة الشرق الأوسط، والبلدان العربية منه بالتحديد، على أساس التفتيت الى دويلات متناحرة، تجتمع فقط حول حاميتها الولايات المتحدة وذراعها العسكري الأساسي في المنطقة: اسرائيل. وخاصة ان هذه الأخيرة قد استطاعت، إبان مرحلة الستينات والسبعينات من القرن العشرين، ان تضعف العرب وتهزمهم مرات عديدة، مستفيدة في ذلك من النظام الرسمي العربي ومواقفه المترددة في مسألة مواجهتها من أجل استرداد حق الشعب الفلسطيني في العودة الى أرض وطنه وبناء دولته المستقلة عليها. ويمكن القول ان مشروع الشرق الأوسط الكبير، او الجديد، قد اعتمد، اولا، على سياسة الخطوة خطوة التي وضعها كيسنجر والتي أظهرت نجاحها في تقسيم العرب، بعد ان دفعت بالرئيس المصري السابق أنور السادات الى الصلح المنفرد مع إسرائيل. وتجدر الإشارة، في هذا المجال، الى ان المشروع هذا استطاع ان يحقق نجاحات اخرى ظنت الولايات المتحدة، من خلال تحقيقها، أن بالإمكان الانتقال الى الجوهري فيه. فبعد إخراج مصر من المواجهة، جرى إخراج العراق من خلال حرب طاحنة مع إيران، امتدت لسنوات طويلة وكانت كلفتها باهظة. كما جرى، كذلك، تقسيم التجمع العربي الذي اتخذ اسم دول الطوق : فبعد مؤتمر مدريد بقليل، أدخلت منظمة التحرير الفلسطينية ضمن مسار آخر، أسميناه يومها باسم غزة أريحا: اولا وأخيرا ، وبدأت الصراعات العربية العربية تعود الى الواجهة، بينما استمر الحكام العرب في قمع جبهاتهم الداخلية التي عادت فيها الشعوب لتشطب مرة جديدة من فعل المواجهة مع اسرائيل، ولتوجه معها، ضربة الى جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد العدو الصهيوني بهدف تطييف الفعل المقاوم في لبنان... أتى ذلك إثر إنهاك لبنان عبر إدخاله في دوامة حرب أهلية دموية امتدت الى أكثر من خمسة عشر عاما... ولعبت الولايات المتحدة في كل مراحلها، وحتى خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان (بعد العدوان الواسع الذي وصلت فيه اسرائيل الى قلب بيروت، في العام 2891) دورا مهما عبّر عنه هنري كيسنجر في الكتاب الأخير من مذكراته. ثانيا في الحرب الأميركية الإسرائيلية على لبنان: هذه المنطلقات وتلك الأهداف، الجوهرية بالنسبة للولايات المتحدة، وفي مقدمتها إنهاء كل أشكال المقاومة (وخاصة المسلحة منها) بهدف استتباب الأمور بالنسبة للنظام العالمي الجديد. ورديفه الذي لم يولد بعد، الشرق الأوسط الكبير ، هي وراء الحرب العدوانية المدمرة التي شنتها إدارة جورج بوش على لبنان، من خلال أداتها الاسرائيلية. نقول أداتها ، لأن دور حكومة أولمرت، حسب ما كتب وقيل اقتصر على وضع الخطط التنفيذية، لمخطط رسمه قادة الأمن القومي الاميركي بإشراف ديك تشيني، نائب رئيس الولايات المتحدة، منذ عدة سنوات وأسهمت فيه اسرائيل عبر رئيس وزرائها الأسبق ناتنياهو... هذا، عدا عن ان الحكومة الاسرائيلية اعترفت علنا ان الادارة الاميركية، ووزيرة خارجيتها كوندليسا رايس بالتحديد، هي من فرض استمرار القتال، بالرغم من الانهيار الذي نجم داخل صفوف الجيش الاسرائيلي إثر الحملة البرية ... كما ان هذه الإدارة هي التي حددت موعد وقف النار، عبر قرار ملتبس يذكر بالقرار 242 (الصادر عام 7691). وهي، ايضا من فرض تجزئة تنفيذ القرار 1071، عبر الموافقة على استمرار حصار لبنان بحرا وجوا الى ما بعد تنفيذ المادة 41 والاستيلاء على سلاح حزب الله...الخ. أما لماذا وجهت الحرب العدوانية على لبنان، فالأسباب كثيرة. منها ما يرتبط بأمور داخلية صرفة، ومنها ما له علاقة وطيدة بما جرى ويجري في فلسطين، وبالتحركات التي بدأت تبرز في غير بلد في العالم العربي، وصولا الى ايران وما يجري في العراق. 1. ويمكن تلخيص الأسباب اللبنانية للعدوان بالآتي: ? القضاء على المقاومة الاسلامية، وسلاحها، بل على إمكانية قيام فعل مقاوم آخر، في الحاضر والمستقبل... اضافة الى تجريد الفلسطينيين من سلاحهم، ليس فقط خارج المخيمات، بل في داخلها ايضا. ? تجريد منطقة جنوب الليطاني من السلاح الثقيل والبعيد المدى، والعودة الى ما نص عليه اتفاق الهدنة السابق في هذا المجال حول وجود عسكري محدود، ذي تسليح خفيف لا يؤثر على اسرائيل، ولا على سكان مستعمراتها الشمالية، ويسمح لها، في الوقت عينه، ان تدخل الى الاراضي اللبنانية ساعة تشاء وكلما شاءت. والغريب ان موضوع العودة الى اتفاق الهدنة قد طرح من قبل بعض أطراف ما يسمى ب الأكثرية المنضوية في تجمع 41 شباط . ? الانتهاء من مقولة لبنانية مزارع شبعا وتلال كفرشوبا ، لأن هذه المناطق ترتدي أهمية استراتيجية واقتصادية، في آن، بالنسبة لاسرائيل، وهي تستفيد للبقاء فيها من الموقف السوري الملتبس في مجال هوية مزارع شبعا وكذلك من إصرار الأطراف اللبنانية المذكورة سابقا على أنها أرض سورية... ? مساعدة بعض القوى الحليفة في الداخل اللبناني على إجراء تغييرات سياسية لم تستطع تحقيقها سابقا، بفعل العدوان الاسرائيلي في العام 2891، وإتاحة الفرصة، بالتالي، أمام عودة لبنان الى الحظيرة الأميركية التي غادرها في الستينات بفعل تأثير عوامل عربية ودولية عدة، أهمها الدور الذي لعبته ثورة 41 يوليو وجمال عبد الناصر، وكذلك المقاومة الفلسطينية والتغير الإيجابي الذي طرأ على العلاقة بين الحركة القومية والحركة الشيوعية في بعض العالم العربي بفعل موقف الحزب الشيوعي اللبناني ونتيجة نشوء قوات الأنصار والدور الذي لعبه الاتحاد السوفياتي في دعم الشعوب العربية... ? جر لبنان الى التوقيع على صلح منفرد مع اسرائيل يؤدي، ربما، الى الموافقة على مشروع توطين قسم من الفلسطينيين فيه... خاصة أن المشروع الاميركي العام بالنسبة لهؤلاء، والذي تم الاتفاق عليه في الولاية الثانية لجورج بوش الإبن، يقضي باستخدام سياسة النقل القسري (Transfert) لحوالى مئة ألف عائلة فلسطينية الى الأردن، وبإرفاق هذه السياسة مع خطة دعم مشابهة لخطة مارشال التي وضعت بعد الحرب العالمية الثانية. 2. أما الأسباب الإقليمية للعدوان، فنوجزها بالآتي: ? إن أهم هذه الأسباب هو ذلك المتعلق بالوضع الفلسطيني. فمحاولة القضاء على حزب الله، او اي شكل من أشكال المقاومة، يمكن ان تنعكس إيجابا على اسرائيل وخطتها الهادفة الى تصفية الانتفاضة بالحديد والنار. وخاصة أن الحرب على لبنان ستلفت كل الأنظار اليها، الأمر الذي يسهل على حكومة أولمرت ان تقتل وتقصف وتحاصر الفلسطينيين دون إثارة ردات فعل عالمية معارضة: وهذا ما حدث بالفعل خلال الشهرين الماضيين اللذين شهدا، يوميا، قتل وجرح العشرات من الشعب الفلسطيني وتهديم المنازل وتوسيع منطق الاعتقالات، وصولا الى المسؤولين في السلطة، من وزراء ونواب... الخ. ? أما السبب الثاني، فيكمن في طمس ما يجري في العراق من محاولات أميركية لإثارة الفتن الطائفية وتحريك الغرائز المؤدية الى الحرب الأهلية، وزيادة العنف... دون ان ننسى ان الاعتقالات اليومية وفنون التعذيب لم تعد تثير الكثير من الحساسية في صفوف الجمهور الغربي، خاصة خلال فترة الحرب على لبنان. من هنا، نرى ان لبنان كان أحد حقلي التجارب لإطلاق المرحلة الثانية من مشروع الشرق الأوسط الكبير التي كان الأميركيون ينتظرون ان تتحرك، ايضا، في منطقة شبه الجزيرة العربية، بدءا بالعراق ومن ثم السعودية وإيران. ولذلك ركزت وزيرة الخارجية الأميركية، كوندليسا رايس، عندما أثيرت أمامها مسألة الآلام التي يخلفها العدوان الاسرائيلي على لبنان: ان هذه الآلام هي آلام المخاض من أجل ولادة شرق أوسط جديد... ولا يحتاج هذا الموقف الى الكثير من الشرح والتفصيل لكي نعي خطورته، بل ما يحتويه من إجرام. ثالثا: النتائج والاستنتاجات: لقد فشل العدوان الأميركي الصهيوني على لبنان من تحقيق أهدافه اللبنانية . فتماسك اللبنانيون إبانه، على الرغم من محاولات سياسية جرت، وما تزال مستمرة، باتجاه تحميل المقاومة مسؤولية القتل والدمار الكبيرين اللذين خلفهما العدوان... علما ان ما يسميه البعض رد الفعل الاسرائيلي على فعل الخطف كان محضرا منذ زمن، كما قلنا، لأن اختيار الأهداف في كل المناطق اللبنانية وطريقة تنفيذ العدوان والحصار ليست وليدة الصدفة، وإن تكن بعض اوساط العدو الصهيوني قد حاولت اللعب على هذا الحبل لتبرير هزيمة الجيش الذي لا يقهر أمام بضع مئات من رجال المقاومة. ونعتقد ان المرحلة القادمة القريبة، بعد صدور تقرير الأمين العام للأمم المتحدة في شأن تطبيق القرار المذكور، وبالتحديد في مسألتي مزارع شبعا والأسرى اللبنانيين، ستشهد انطلاقة محاولات جديدة تهدف الى ليّ ذراع المقاومة والموقف المعارض للسياسة الأميركية. وسيعتمد الأميركيون، في هذه المرحلة القريبة، على رافعتين: ? الأولى داخلية لبنانية، من خلال تكثيف الضغوط وتشديدها لتسليم سلاح المقاومة، والسعي الى انكفائها في كل الاراضي اللبنانية الى الموقع السياسي فقط تمهيدا لتصفيتها (في حال نجاح الخطة). ? الثانية دولية، وتتكامل مع الرافعة الأولى، عبر دفع القوة الدولية الجديدة للقيام بمهام لا ينص عليها القرار 1071 الذي من الممكن ان تعدل بعض بنوده على ضوء تقرير الأمين العام للأمم المتحدة او من خلال مصلحة اسرائيل. المنطقة، ولبنان بالتحديد، قادمان، إذاً، على تطورات جديدة يمكن لها ان تؤسس، في حال استمرار فشل المخطط الأميركي الصهيوني أو نجاحه، لإحداث تغيرات نوعية، ليس فقط على المستوى المنظور، بل وكذلك لعشرات السنوات. والاستفادة من الهدنة الحالية ضرورة، لا بل واجب، بالنسبة للقوى التي تواجه، منذ عشرات السنين، هذا المخطط وعلى وجه التحديد منذ العام 2891 (الذي شهد بروز دور مختلف للمقاومة الوطنية والإسلامية لمواجهة آثار العدوان الذي تم صيف ذلك العام). والاستفادة تبدأ من مراجعة نقدية لمجريات الأمور، منذ التحرير في 52 أيار 0002 وحتى اليوم، وذلك على كافة المستويات: بدءا بالأوضاع اليومية للناس، وكيفية الانخراط معها في همومها، ومشاكلها، ومواجهتها للمشاريع الهادفة الى الاعتداء على مكتسبات بسيطة حققتها حركتها النضالية... ووصولا الى آفاق التغيير الديموقراطي الفعلي المطلوب وآليات تحقيقه. وهذا يعني دراسة جدية لما جرى، في المجالين السياسي (الداخلي، خاصة) والاقتصادي الاجتماعي، من خلال الحكومة وخارجها، وقبل ذلك في الانتخابات النيابية... وكذلك في المشاريع المقدمة للوصول الى قانون جديد للانتخابات في لبنان وإلى إصلاحات جدية (حتى لا نقول جذرية) في صلب النظام السياسي اللبناني. لأن المطلوب، الآن، هو تطوير التفاهمات المختلفة باتجاه برنامج جامع يمكنه ان يشكل رافعة لانتصار المقاومة اللبنانية، ومعها الشعب اللبناني، في المواجهة مع العدوان الأميركي الاسرائيلي. فيتم التأسيس على هذا الانتصار، وتلك التضحيات الجسام التي قدمت في سبيل الوطن، لبناء أسس ثابتة للبنان الغد المتفلت من المحاصصة الطائفية، وكل الويلات التي أنزلتها به، منذ بداية الحرب الأهلية في العام 5791 (حتى لا نقول منذ الانقضاض على عامية انطلياس في أواسط القرن التاسع عشر). لبنان الوطن، السيد، المستقل، الذي لا ينتقل بين الوصايات، القريب منها والبعيد. لبنان العربي الهوية، فعلا لا قولا. لبنان الشعب المنتج في المدينة والريف. لبنان حقوق الإنسان، وحقوق المرأة ضمنها. لبنان الشباب والمثقفين والمبدعين... هكذا نفهم مقاومة إسرائيل ومشاريعها ومشاريع الولايات المتحدة في منطقتنا والعالم... هكذا تعلمنا ان نقاوم في المقاومة الاسلامية والمقاومة الوطنية، مع الاعتذار عن هذا التصنيف، لأن لا فرق بين أحرار العالم الى أية جهة فكرية انتموا. (?) عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني