As Safir Logo
المصدر:

نجاة سبع عائلات في الزرارية: هنا كانوا قبل دقائق.. استقلوا سياراتهم ووقعت الغارة!

أبو أحمد أمام المنزل المدمر (علي لمع)
المؤلف: قبيسي فاتن التاريخ: 2006-09-14 رقم العدد:10501

الزرارية : ماذا يعني ان يفصل بين الانسان والموت اربعة امتار؟ او ان يبعد بينهما خمس دقائق لا اكثر؟ هذا ما حصل في بلدة الزرارية. مبنيان ضخمان في ساحة البلدة استحالا كومة حجارة. انها نتيجة متوقعة من نتائج العدوان الاسرائيلي. ولكن ما يندرج في خانة الاستثناء هو ان ست عائلات كانت غادرت احد المبنين قبل خمس دقائق فقط من وقوع الغارة. وبمحاذاة المبنين، كان الحاج علي مروة وزوجته فهدة مروة، على قاب قوسين او ادنى من الصواريخ المنفجرة.. لم يصدق احد انهما نجيا من الموت في شرفة منزلهما. هذه المرة تفوقت الحياة على الموت. وكُتبت النجاة لاكثر من 20 فرداً، كان يمكن ان تضاف اسماءهم الى لائحة الشهداء خلال العدوان. يشعر اهالي القرية بان في الامر حكمة الهية . فالحاجة فهدة او ام احمد كما ينادونها، هي ام شهيد. كان استشهد احد ابنائها خلال المعارك مع العدو الصهيوني في العام .1982 وربما لذلك وقاها الله شر المقاتلات، هي وزوجها وابنائها الست وعائلاتهم. احد المبنيين في حارة العوجة كان يضم اربعة طوابق. تصاب بالصدمة امام فداحة المشهد. تشعر ان الارض فتحت فاها وابتلعت الطوابق الثلاثة السفلى. لا يبقى امام ناظريك سوى صورة الطابق الاعلى المتهاوي. انه المبنى الذي كان يضم ست عائلات على مدى 11 يوماً من العدوان. وهي عائلات احمد، رضا، هالة، سلمى، عباس مروة، وعائلة زوجة الاخير. بعد ذلك انتقلوا الى منزل اختهم حبيبة في الطرف الآخر من القرية. استشعروا بانه المكان الاكثر امناً. اهتزت القرية ذات يوم على وقع صاروخ استهدف الجبانة فجراً. احسّ الاهالي بانها الرسالة المباشرة الاولى لهم. اتفق الاخوة على مغادرة القرية. وضّبوا امتعتهم، وعادوا الى المنزل الاساسي للملمة بعض الاغراض والحاجيات قبل الانتقال من القرية. امضى الاخوة بعض الوقت في المنزل. اداروا المولد الكهربائي لشحن الهواتف الخلوية. ثم اخذوا ما خفّ حمله. وضعوا الاغراض في السيارات. وودعوا والديهما. وبينما تقلع السيارات باتجاه بيروت، وقعت الغارة على المنزل. كان ابو احمد وزوجته يجلسان على شرفة منزلهما الملاصق لمنزل ابنائهما. يتكوران حول طاولة تبعد عن المنزل المستهدف اربعة امتار. لحظة هستيرية حوّلت المكان الى ركام وغبار كثيف ودخان اسود. شعر ابو احمد بالدماء تسيل من رأسه، احسّت ام احمد باجسام حارقة تؤلم جسدها. تصدّع منزلهما، تخلّعت الابواب، لفظت بعض الغرف اثاثها الى الشرفة. وانحجبت الرؤية. شعرنا كأنو نزلنا ببئر، واندملنا دمل . انها الجملة الوحيدة الذي يتلفظ بها ابو احمد، القطب تبدو بارزة في رأسه على امتداد مساحة الاصابة. يتعب من الكلام، ما زال يشعر حتى اليوم بأنه مشوّش ذهنياً. تستلم دفة الحديث ام احمد فتقول: ما بعرف شو اللي نزل علينا من السما.. لم نسمع صوت طيران ابداً، فجأة زلزلت الارض فينا، وصارت الحجارة تضرب علينا من كل النواحي . يقاطعها جارها محمد ضاهر بقوله انه من يرى الطاولة المتناثرة قطعاً صغيرة، لا احد يستوعب بأن ابو احمد وزوجته الذين كانا يجلسان حولها طلعوا طيبين . تكمل ام احمد روايتها بتأثر بالغ فتقول ان ابو احمد صرخ دخيلك راسي ، انحنت فوقه، وشعرت بان رأسها يحرقها. تلت الشهادة لإحساسها بدنو الموت.. ولم تتمكن من التنفس بفعل الغبار ورائحة الحريق. انساب على يدها دماء تنزف من رأس ابو احمد. فسحبته بصعوبة نحو المدخل، طلبت النجدة، وغابت عن الوعي . في احدى المستشفيات في الصرفند استعادت ام احمد وعيها، فسألت من حولها: دخيلكن شو هيدا اللي نزل علينا من السما؟ فجاءها الجواب: بيت اولادك تدمر يا حجة . عاينتها طبيبة في المستشفى، كشفت على الحروق في جسدها المصاب بالشظايا، وسألتها مذهولة: معقولة بعدك طيبة يا حجة؟ . تقول ام احمد انها تكره ان تستعيد تلك اللحظة. وتتساءل اي نوع من الاسلحة تستخدم اسرائيل؟ وتبرر سؤالها بالقول: حطيت راسي تحت الحنفية بالمستشفى حتى فيق من الصدمة، شعر راسي كلو وقع، نتيجة المواد المتفجرة . وتنتفض كمن شعر بوخزة، وهي تفترض لو ان الطيران كان اسرع من حركة اولادها المغادرين. لا سمح الله تستدرك. وتخبرنا انه قبيل وقوع المصيبة ، رجت ابنها ان يطفئ المولد الكهربائي، لأنها لا تستطيع ان تتحمل هديره مع صوت القذائف التي تزنر البلدة. فاستجاب لطلبها وخرج واخوته من المنزل. ما في خمس دقايق.. اقل من هيك.. وقع البيت تقول. حتى البقرات هشلوا من قوة الضربة، تضيف، قطعوا الرسن وهربوا نحو الاراضي . الحمد الله هو لسان حال ام احمد اليوم. تشكره لنجاة اولادها وزوجها. تشكره للانذار الذي ارسله للاهالي، من خلال قصف الجبانة. عندها فقط قررت عائلة بنت سلفي ، مغادرة المبنى الثاني المستهدف باتجاه بيروت. كان المبنى مؤلفاً من ثلاثة طوابق. تركته عائلة علي محي الدين الى بيروت قبل ساعتين من انهياره، تقول. واذا كانت النجاة كتبت لعائلات المبنيين المستهدفين، فان الحادثة لم تمر من دون وجع. في المنزل المقابل لهما قضت الشهيدة زينب عبد الخالق نتيجة اصابة بمخلفات الصاروخ. تشعر ام احمد بحرقة كبيرة على الضحية. تشعر انها راحت بشربة ماي . وتتحسر على خصالها وشبابها. تضع ام احمد هذا القطوع في كفة، وما عاشته من عمرها كله في كفة اخرى. انها ولادة جديدة لها ولعائلتها.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة