As Safir Logo
المصدر:

نحو إعادة النظر في مفهوم <أسلحة الدمار الشامل>

المؤلف: عبد الفضيل محمود التاريخ: 2006-09-13 رقم العدد:10500

في ضوء الحملة الجوية الماحقة أثناء غزو العراق عام 3002، وكذا الحرب التدميرية التي شنها سلاح الطيران الحربي الاسرائيلي على لبنان لمدة 33 يوما منذ الثاني عشر من يوليو 6002، يبدو أننا في حاجة الى إعادة تعريف مفهوم أسلحة الدمار الشامل بشكل أوسع بكثير من ذلك التعريف الضيق المتداول حاليا في المحافل الدولية. فلقد تم صك مفهوم أسلحة الدمار الشامل في عام 7391 كما جاء في دائرة المعارف البريطانية ليشير الى الآثار التدميرية التي تنتج عن قاذفات القنابل التي تحقق خرابا ودمارا واسعين، وذلك بالاستناد الى ما حدث من دمار شامل في مدينة جرنيكا Guernica الاسبانية ذلك العام. وقد تم تطوير هذا المفهوم في ما بعد ليشمل الأسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية، ثم امتد ليشمل الصواريخ الباليستية البعيدة المدى باعتبارها أسلحة تؤدي الى دمار شامل في الارواح والمباني ومقومات الحياة البيئية عموما. وقد تم توقيع عدد من الاتفاقيات الدولية لمنع انتشار ما سمي أسلحة الدمار الشامل ، تجيء على رأسها اتفاقية عدم الانتشار النووي (8691)، ومعاهدة منع انتشار الأسلحة البيولوجية (2791)، واتفاقية الأسلحة الكيميائية (3991). ولكن في ظل التطورات التي شاهدناها مؤخرا في منطقتنا العربية، يبدو ان مفهوم أسلحة الدمار الشامل، بالمعنى المشار إليه سابقا، قد غدا مفهوما قاصرا، الأمر الذي يستدعي العودة الى المفهوم الأصلي كما تم طرحه منذ بدايات الحرب العالمية الثانية، حيث ان المعنى الحقيقي ينصرف الى تلك الأسلحة التي تؤدي الى قتل أعداد كبيرة من الناس وتحقيق خراب ودمار شاملين في الأبنية والمرافق الحيوية، وكافة مقومات الحياة. وتشير بعض الكتابات الى انه بالاضافة الى الأسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية هناك ثلاثة أنواع من الأسلحة التي يمكن اعتبارها من فصيلة أسلحة الدمار الشامل: أ الصواريخ الباليستية. ب Cruise missiles (صواريخ كروز) التي تطلق من البوارج الحربية. ت الطائرات الحربية، تلك التي تستخدم متفجرات ذات قدرة تدميرية هائلة. وأعتقد أننا في منطقتنا العربية، وفي ضوء ما حدث أثناء غزو العراق، وبشكل أكثر وضوحا خلال العدوان الاسرائيلي الأخير على لبنان، حيث شهدنا تسوية مناطق سكنية بأكملها بالأرض (الضاحية الجنوبية) وتهديم المساكن فوق رؤوس سكانها الآمنين التي ذهب ضحيتها أسر بكاملها، شاملة نساءها وأطفالها، وحيث شهدنا ذلك التدمير المنهجي للجسور وكافة مرافق الحياة اليومية، من أجل ترويع المواطنين العزل وكسر إرادة المقاومة لديهم. وقد تحقق كل هذا الدمار والخراب المادي والمعنوي بفعل طلعات الطيران الحربي التي لم تنقطع على مدار الساعة. فإذا لم يكن هذا هو الدمار الشامل بعينه، فيا ترى ماذا يكون إذاً الدمار الشامل ؟ وحينما كان يتفاخر القادة العسكريون الأميركيون بأنهم سيعيدون العراق الى العصور الوسطى، وحين يصرح القادة العسكريون الاسرائيليون بأنهم سيعيدون لبنان خمسة عقود الى الوراء، بفعل الضربات الجوية الممنهجة والمكثفة على مدار الساعة، ألا يرى العالم في ذلك ما يفوق، إنسانيا وحضاريا، مفهوم أسلحة الدمار الشامل بالمعنى الدارج للكلمة؟! إذ إن مثل تلك التصريحات تحمل في طياتها رسائل مليئة بالحقد والعنصرية، بل تحمل لغة نازية جديدة . وبهذا الصدد يقدر بعض الخبراء العسكريين ان أطنان القنابل والمتفجرات التي سقطت على بغداد أثناء الغزو الاميركي عام 3002 ما يفوق قوة التفجير للقنبلة النووية التي سقطت على هيروشيما في اليابان عند نهاية الحرب العالمية الثانية. فالعبرة إذاً هي بالأبعاد التدميرية الواسعة للغارات التي تشنها الطائرات والبوارج الحربية، التي تلقي بحممها من المتفجرات والقذائف الصاروخية لتدمر العمران وتقطع الأرزاق وتقضي الأخضر واليابس. وفي مقابل ذلك، ينهض ما يسمى مبدأ بوش Bush Doctrine، القائم على تجريد كافة دول منطقة الشرق الأوسط (باستثناء اسرائيل) من حقها في امتلاك السلاح النووي او الكيميائي، من ناحية، بل حرمانها من وجود قوى مقاومة بأسلحة تقليدية على غرار حزب الله في لبنان، من ناحية اخرى. وذلك حتى يمكن ان تنفرد القوى المتجبرة (الولايات المتحدة في حالة العراق واسرائيل في حالة لبنان) بشن الحملات التأديبية والتدميرية، من جانب واحد، دون ان يكون لتلك الشعوب والدول حق الدفاع عن النفس ورد المعتدي والقوى الغازية. والمحصلة هي إجهاض حق تلك الشعوب في التحرر والتقدم والحياة الحرة الكريمة. ولعل المفارقة التاريخية تكمن في ان الولايات المتحدة الاميركية التي تنصب نفسها اليوم حاميا للأمن في العالم، وتحذر من تملك الدول المارقة Rouge states لأسلحة الدمار الشامل ، بحجة أنها بلدان ليس لديها الحكمة، ولا الأهلية، لاستخدام تلك الأسلحة الفتاكة، كانت هي الدولة الوحيدة التي لجأت تاريخيا لاستخدام السلاح النووي عند نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما ألقت قنابلها النووية على هيروشيما و ناكازاكي في اليابان، وأحدثت ما أحدثت من دمار وتشوهات ما زالت تشكل جرحا غائرا في الذاكرة اليابانية حتى يومنا هذا. (?) استاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة