عندما طلب مني صاحب دار للنشر في بيروت، وكان ناشرا مبتدئا يود ان يسطع اسمه بين الناشرين المرموقين، ان اكتب عن كتب نجيب محفوظ في مطلات الثلث الاخير من القرن الماضي، أشرت عليه ان يزودني بما يرسم محيطه الذي نشأ فيه، لاقف على مقدار الدافع الخاص في خزين المكان، ليملي على الكاتب ما يتعلق بالزمان الذي جرى به تياره، والى اي مدى افقي او منساب جرى في خطواته، ونظراته، وتأملاته، ليستطيع الكاتب ان يرسم له لوحة وجود في حاضر راهن، وموقفه من النشأة التي نمت شجرته في مناخها تربة، ومناخا، واستطالة، وأمره بين الآخرين ومقدار فاعليته لذاته، ومجتمعه، ومدى إنسانية حضوره، ومقاديرها. مددت يدي الى مكتبتي، واخرجت ثلاثيته لأعيد النظر فيها، ثم التفت الى زقاق المدق ، هذه القصة التي اخذت بأن ادرس منها عبارة، وفصولا، واشخاصا، وادوار كل واحد منهم، كان ذلك في كلية التربية قسم اللغة العربية للسنة الرابعة، وكان المقرر هذا الكتاب بالذات، فطلبت نسخة من مكتبة الكلية فوجدتها سيئة الطباعة، مهينة الظاهر، فعمدت الى التبويب، والتفريق بالاشخاص وادوارهم بعد مقدمة عن آثار المؤلف نجيب محفوظ. وعندما عدت الى لبنان وجدت الظرف ملائما لتقديم دراسة عن نجيب محفوظ، فأنشأت رسم المخطط، واخذت اتأمل واجداً النقص في القاء الاضواء على طفولة نجيب محفوظ لعلمي ان الرجل مهما تقدمت به السن، فإن طفولته تلاحقه، ترسمه، تثير كرامته، تربطه بعصره ومجتمعه وكونه! تراخيت والناشر يلاحقني، فوعدت وصرفت البال عن رسم المآل، الى ان كانت مناسبة طارئة ألمت، وتمت وارتسم فيها قول البحارة: الريح تنبت من تحت المجذاف . وفاجأني زوار ألمان اعرفهم منذ ما كنت طالبا في باريس وكان بعضهم زميلا لي، وطلب مني هذا الوافد الكريم ان ارافقه الى الجامع الاموي بدمشق. فلبيت الطلب، وها نحن نغادر صحن الجامع لنأخذ طريقنا الى حيث رمى ضيوفي، واتجهت بهم صوب سوق الحميدية، فطلب مني اكبرهم سنا ان اعرج بهم ليمروا يمينا في الشارع اللصيق بالحميدية، فوقع نظري على مكتبة تعرض كتبا مختلفة، ومن بينها كتيّب عنوانه: حكايات حارتنا ، فلم أصدق نظري. انهمرت على صاحب المكتبة اسأله نسخة من حكايات حارتنا تأليف نجيب محفوظ بالذات، ولفرحي قدمت لصاحب المكتبة ورقة من فئة عشر ليرات فقدم لي سبعاً فرفضت وتبين العجب في ملامحه. فأطلعته على امري وانني لم اصدق انني سأظفر بمرجع رسمه نجيب محفوظ بذاته. ويشاء القدر ان يطلب اليّ السفر الى صنعاء في امر يتعلق بالمركز الثقافي الليبي في بيروت، فراق لي ان اعرج على القاهرة وان احصل على نسخة في علم الكلام من عدة مجلدات لمؤلفها احمد عبد الجبار الاسترابادي. في القاهرة، قصدت شارع سليمان باشا حيث تقوم مكتبة الحاج مدبولي صديق نجيب محفوظ الذي تعود ان يمر به في طريقه الى عمله، وعندما وصلت صاح بي الحاج مدبولي: اي ريح حملتك إلينا، يا أخي قد وصل كتابك عن نجيب محفوظ وهو جد مشتاق ليلتقي بك. واخذ الهاتتف فردت زوجة نجيب محفوظ: يا أخي اسرع واوصل السي علي اللبناني الى البيت، والاستاذ نجيب سيحضر مسرعا عندما يعرف ان الاديب اللبناني الذي رعاه، خلافا لسواه، يينتظره...! . شكرت السيدة الكريمة واعتذرت لان ظروفي لا تسمح لي بالتأخر، وطلبت منها ان تدلني على موقعه، وكان ذلك نديّ قصر النيل، فلما وصلت لقيته واضعا قبضة يده تحت عشونة وحوله عدة شبان يختصمون، ويدورون في فلك نجيب محفوظ! دعيت الى المشاركة فاعتذرت وطلبت من الاستاذ نجيب ان انفرد به واني اعرض عليه ان يتخذ من دار المسيرة التي اشرف عليها، فرعا لمؤلفاته الجديدة. وعندما عدت الى بيروت واخبرت صاحب دار المسيرة بما تم لي مع نجيب محفوظ وجدته اصم أبكم خائفاً من أن ذلك سيكلفه فوق طاقته، فابتسمت، وفتحت الباب ولم اعد ألتقي به..! كتاب أولاد حارتنا هنالك فئة من الكتاب تلائم بين القصة والشعر، ويزيدون الملاءمة بالمسرح. الشعر قائم على الصورة، والايقاع والخيال وربما الاسطرة. القصة ترتسم بالحادثة، يتناول الخيال جانبا منها ليزيد الحادثة تمثلا. المسرحية تقوم على الحوار، والواقع، وهذا الواقع يتجنح ليركب اجنحة الخيال. إذا كانت اقصوصة حكايات حارتنا واقعاً منسجماً مع زمان ومكان ما، فهي تعتمد على السرد، والتلاحق الزمني، ولا تلتفت الى خيال، وزخرف، فالمهم في مثل حكايات حارتنا التلاحق الزمني والانطباع، والربط والمؤدى، ودعابة التسلية، والاعتماد على محدث باعث. بينما يلائم فريق من الدارسين بين القصة والشعر، وهذا يعد تجاوزاً للمقاييس. صحيح ان الخيال يجمع بين الشعر والقصة، ولكن خيالها يرتبط بالمكان والزمان، بينما خيال الشعر له زمن خاص به، ومكان فلكي كوني يتمادى فيه بجناحيه. الشعر لا زمن له، ولا مكان يشبهان ما للقصة. في القصة يحلو السرد احيانا، اما السرد في الشعر فهو تفويت على السامع المتأمل لذة الاكتشاف والاندغام في جو الشعر. في اولاد حارتنا، يخرج المكان عن خصوصيته الى معنى آخر، ويرتسم زمن فكري يصلح للسعي في الأرض وللدوران في الفلك وفي الماضي والآتي ولدى مناخ مفترض! اولاد حارتنا، فلسفة فكرية، دينية، يتجنح الخيال فيها بمقدار ما يرسم ويطل الدين من بين شقوق البناء، ويختفي لانه لم يجد المكان. وتنساب الثورة الفكرية دون ان يسمع لها صوت، ولكن تمثل لها صورة، ثم إن أولاد حارتنا ذات مفهوم مكاني واقعي في المعجم، ولكنها في مؤلف نجيب محفوظ كون من حياة وعدم، وكون وفساد، وجحود وايمان، انها عالم محاط بكون، كتب بأبجدية صامتة لا حروف لها، ولكن لها وحي! إنها المطل العالمي على العصر، والعالم، تقف، وتتجنح قبالة ارقى قصص عالمي، وتهمس بالدين، والحرية، والسلام، والكونية. تعري الواقع من لفتات الى وبعد وعن ومكوث في. وقد أوجد لها نجيب محفوظ زمانا، ومكانا، وأمة وعصراً، بذا تكون ساطعة على كل زمان. عندما كتب العقاد من بيتي في سلسلة اقرأ ، كان يرمي الى مصر، والعصر، لكن اولاد حارتنا نجيب محفوظ هم كائنات واعية مبحرة في كل اوقيانوسات الدهور! ملحوظة: كتاب حكايات حارتنا تأليف نجيب محفوظ تناول به سيرة حياته ناشئا محتدما ليخوض اوقيانوس غده. (أديب لبناني)