As Safir Logo
المصدر:

الشاعر الراحل فؤاد الخشن مبدع مجدد آثر الانزواء قبل ستين عاماً سبق الملائكة والسياب

فؤاد الخشن (الى الشمال) والى جانبه خليل حاوي واحمد عبد المعطي حجازي
المؤلف: ابو فخر صقر التاريخ: 2006-08-22 رقم العدد:10481

أدار فؤاد الخشن ظهره لهذه الدنيا ورحل عنها حزيناً وساخراً معاً. ربما قرر، في خضم أمطار الصيف اللاهبة، ألا تنتظر سنوات عمره كثيرا حينما شاهد بأم العين كيف تحرق الهمجية الاسرائيلية الأرض من السماء. سكن وجيف القلب أخيراً لدى عاشق هذه الأرض، فودعها بعدما أودع فيها عصارة عمره، وهو الذي لم يبرح الكروم وخمائل الصنوبر والسنديان وبقايا الزيتون والزعرور والعوسج... هكذا أغمض الفتى الذي تعلم صيد العصافير بالنقافات وقضبان الدبق عينيه، والذي طالما خاض بقدميه العاريتين في أوحال الأديم وفي مياه السواقي الدافقة. غادرنا، إذاً، شاعر الحنين وشاعر الطبيعة وشاعر المرأة وشاعر الجمال والخيال. شعره عبارات مقطّرة وكلمات مصفاة. وقصائده منحوتة كقطعة أبنوس بين يدي نحّات غجري، كأنها سمفونية متلألئة بالألفاظ الرشيقة، او كأنها شلال من النغمات الناطقة. ولعل قصيدة سوار الياسمين التي صاغها في سنة 1951 تُعد من عيون الغزل في الشعر العربي الحديث التي استدرجت نزار قباني الى ان ينسج على منوالها في سنة 1958 قصيدة طوق الياسمين المشهورة. أهدى فؤاد الخشن الى بلدته الجميلة الشويفات ديوانا عنوانه غابة الزيتون ، لكن هذه الغابة التي كانت تدعى صحراء الشويفات باتت صحراء حقا بعدما أحرقها الاسمنت الهمجي، لا الطيران الاسرائيلي هذه المرة، فاندثرت شجراتها، يا للحسرة، واضمحلت أفياؤها تماما. ريادة وصمت قبل ستين سنة بالتمام، وبالتحديد في حزيران ,1946 نشر فؤاد الخشن في مجلة الأديب قصيدة بعنوان: إلى ملهمتي . وقد لاحظت الناقدة سلمى الخضراء الجيوسي، في ما بعد، ان هذه القصيدة تمثل البداية الحقيقية للشعر العربي الحديث، ووجدت ان في الامكان، نقديا وتاريخيا، اعتبار فؤاد الخشن أول شاعر عربي كتب شعر التفعيلة، سابقا في ذلك أقرانه الذين دانت لهم ريادة الشعر الحديث أمثال نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي. وكان الرأي استقر على اعتبار قصيدة الكوليرا التي نشرتها نازك الملائكة في مجلة العروبة في 1/12/1947 هي القصيدة التي يمكن تأريخ الحداثة الشعرية العربية بها. غير ان إحسان عباس انفرد برأي مغاير، فاعتبر قصيدة هل كان حبا لبدر شاكر السياب التي تضمنها ديوانه أزهار ذابلة هي القصيدة التي تجعله رائدا للشعر الحديث. مهما يكن الأمر، فإن مسألة الريادة في الشعر العربي المعاصر معقدة وشائكة وعويصة إلى حد كبير. ويقول أدونيس في هذا الحقل من السجال: لا أول في الشعر وفي الفكر، لأن مفهوم الأول نقيض للشعر والفكر، فالأول نوع من محاكاة الخالق الأول (...) والقيمة الفنية لا تكمن في البدء الزمني. بشار بن برد بدأ التجديد في الشعر العربي، لكن أبو نواس الذي جاء بعده هو الأهم. والشاعر لوي بيرتراند هو أول من كتب قصيدة النثر في الشعر الفرنسي، لكن مالارميه ورامبو وبودلير أهم منه بما لا يقاس. إن الأسبقية الزمنية لا تتضمن الأسبقية الابداعية (أنظر: صقر أبو فخر، حوار مع أدونيس ، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2000). في مضمار الأسبقية الزمنية يحتل الشعراء السوريون المكانة الأولى. فالشاعر نسيب عريضة دشن كتابة الشعر الحر منذ سنة 1917 ولا سيما في قصيدة النهاية ، والشاعر علي الناصر نشر قصائد متحررة من الشكل التقليدي ذي المصراعين ابتداء من سنة ,1928 والشاعر مصطفى بدوي كتب قصيدة التفعيلة سنة ,1942 ونزار قباني كتب هذا الطراز من الشعر حينما نشر في سنة 1943 قصيدة اندفاع والتي ظهرت في ديوان قالت لي السمراء سنة ,1944 وكذلك كتب أورخان ميسر ديوانه سريال في سنة 1947 على هذا الغرار. ويمكن ان نضيف الى هذه الحلقة شعراء عربا آخرين أمثال أمين الريحاني الذي صاغ منذ سنة 1905 قصائد من هذا العيار في ديوانه هتاف الأودية متأثرا بوالت ويتمان، ورفائيل بطي في سنة 1924 وحسين مردان في سنة ,1944 وعلي أحمد باكثير في سنة .1945 أما الأسبقية الابداعية فلا ريب ان فؤاد الخشن يحتل مكانة مرموقة بين شعرائها الأوائل. حصاد الأيام ولد فؤاد الخشن في 13/1/1924 في بيروت، وفيها أمضى طفولته الأولى. وعندما أغوت مراكب البحر والده وسافر الى البرازيل في سنة ,1926 انتقل مع والدته وجدته إلى الشويفات بلدتهم الأصلية، وهناك عاش في أحضان الطبيعة بين أشجار الصنوبر والزيتون وكروم العنب والسواقي والغدران والينابيع. ومنذ يفاعته راح يكتب الشعر العامي الذي اشتهر به أهالي الأرياف اللبنانية، متأثرا بجده لأمه الزجّال سليمان صعب. لكن، في عام 1939 عاد والده من المهجر البرازيلي، واشترى متجرا في سوق أبو النصر في بيروت، فاضطرت العائلة الى معاودة السكن في بيروت. وفي بيروت درس على الشيخ راشد عليوان في مدرسة حوض الولاية. وفي تلك المرحلة تحول الى كتابة الشعر الفصيح، وكانت أولى قصائده بعنوان بلبل التي غناها المطرب خليل عيتاني الذي كان رفيقه في المرحلة الابتدائية، ثم كتب قصيدة ذكريات ونشرها في مجلة المعارف التي كان يصدرها وديع نقولا حنا من الشويفات. اكتسب فؤاد الخشن ثقافة غزيرة ومتنوعة، فمنذ النصف الأول من أربعينات القرن العشرين قرأ بودلير ورامبو وفيرلين بالفرنسية، وقرأ أشعار بترارك وشيلي وبيرون وطاغور مترجمة الى العربية، وتأثر بالأخطل الصغير وعمر أبو ريشة وأمين نخلة وسعيد عقل والياس أبو شبكة وصلاح لبكي. وفي ما بعد قرأ شعراء أميركا اللاتينية واسبانيا باللغة الاسبانية. حينما نشر قصيدة إلى ملهمتي في مجلة الأديب سنة ,1946 ترجمها المستشرق اللورد آربري الى الانكليزية بعدما أثارت اعجابه الشديد. ومع أن فؤاد الخشن فاز سنة 1951 بجائزة الاذاعة اللبنانية لأجمل قصيدة غزل، وشارك في تأسيس أسرة الجبل الملهم في السنة نفسها، وراح يحتل مكانته اللائقة بين أقرانه من شعراء تلك الحقبة، إلا أن نداء الهجرة استدرجه، على خطى والده، إلى البرازيل التي أمضى فيها قرابة سبع سنوات. وحينما عاد إلى موطنه في سنة 1960 استعصت عليه القوافي طيلة سنتين، حتى عادت جذوة الابداع فيه إلى الاشتعال مجددا، ففاز بجائزة الشعر سنة .1966 يروي فؤاد الخشن كيف تعرف إلى أدونيس فيقول ان سعيد تقي الدين قال له: سأعرفك الى الشاعر أدونيس، وانطلقا معا إلى منزله الذي ما إن وصلا إليه حتى قرع سعيد تقي الدين الباب، فإذا بشاب صغير يرتدي سروالا قصيرا يفتح الباب، فبادره سعيد تقي الدين بالقول: عمو وين البابا . فضحك الشاب ضحكته البريئة والخبيثة معا، فأدرك فؤاد الخشن ان هذا الشاب هو أدونيس، وكانت تلك الواقعة بداية صداقة مديدة (مجلة كل العرب لندن، 12/8/1987). ??? غادرنا فؤاد الخشن الشاعر المجدد والمبدع والمنزوي والمتصوف بعدما ترك لنا عطرا يفوح من بين دواوينه التسعة وهي: سوار الياسمين و غابة الزيتون و أدونيس وعشتروت (ملحمة شعرية) و معبد الشوق و الهوى وحديث العينين و صلوات الشيخ الأزرق و سدوم والوجه الآخر و إلى طفل الأمس و على دروب التوحيد ، فضلا عن سنابل حزيران وهو منتخبات شعرية. رحل فؤاد الخشن كما ترحل الطيور العابرة، بلا جلبة، ولكن بألم وشموخ وكبرياء.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة