شقّت سلمى الحفار الكزبري طريقها في الكتابة، فكانت، منذ البداية، لا تشبه إلا نفسها. وبعد 22 كتاباً بين رواية وقصة وشعر وسيرة ذاتية ودراسات أدبية كانت الأديبة السورية قد قطعت شوطاً في إنتاج أدبي أظهر عشقها الكبير للأندلس، وقدرتها على إبداع قصص حب ظريفة وغريبة. أهم ما في مسيرتها، أيضاً، أنها احتضنت سيرة مي زيادة، وكشفت الرسائل التي تبادلتها مع جبران خليل جبران، حتى غدت كتابتها في هذا المجال مرجعاً أساسياً للباحثين في أدب الرسائل وفي تفاصيل حياة الأديبين المذكورين. هي من المبدعات اللواتي دعون إلى مشاركة المرأة العربية في بناء الوعي. أهملها النقد العربي، لكنها لم تيأس، فاستمرت تنبض بالحيوية، وتجعل من حياتها مسرحاً للنشاط الثقافي، ومنبراً لحياة شخصية قدمت فيها نموذجاً للمرأة البورجوازية الأنيقة الطيبة، تاركة أثراً إيجابية لدى المعارف والأصدقاء. سلمى الحفار، إبنة لطفي الحفار أحد أقطاب الكتلة الوطنية في سوريا أيام الانتداب الفرنسي، والذي تولى وزارات عدة وعمل رئيساً للحكومة العام ,1939 أتت صغيرة إلى لبنان، ودخلت مدارسه في المراحل الأولى، ثم كررت عودتها إليه، إلى أن تزوجت الشقيق الأصغر لعبد الحميد كرامي (محمد كرامي) وأنجبت منه نزيه كرامي، وبعد وفاته تزوجت السوري نادر الكزبري، الذي أصبح في ما بعد سفيراً لبلاده في أسبانيا، ما أتاح للكاتبة إتقان اللغة الأسبانية إلى جانب الإنكليزية، والفرنسية التي ألفت بها شعراً، والعربية. رحلت في 11 آب الجاري، وسط صخب العدوان الإسرائيلي على لبنان. هنا شهادات من عشرة أدباء ومسرحيين ومخرجين ونقاد سوريين عايشوها من قرب أو عايشوا تجربتها الكتابية. وليد إخلاصي: الشعلة الزرقاء في دمشق ولدت الشعلة الزرقاء في سنوات الاحتلال الفرنسي الأولى لبلدها سوريا (1922)، وفي بيروت انطفأت تلك الشعلة في الأيام الأخيرة للعدوان الإسرائيلي على لبنان (2006). وكانت سلمى الحفار الكزبري شاهدة بامتياز على عصر عجيب، استعمار فرنسي لسوريا، وحرب عالمية ثانية توسعت آثارها، ومؤامرة دولية نجم عنها نشوء دولة إسرائيل بنيت على العدوان الدائم والهدم المنظم للعدل المتكون كالدمل في الجسد العربي. أي تاريخ مليء بالقسوة عاشته سلمى الحفار الكزبري! أي زمن قطعته سيدة مثقفة رقيقة مبدعة، فلم تتوقف فيه لحظة قدرتها على التفكير والكتابة. ففي هذا الزمن استمر إنتاجها في كتابة الشعر بالفرنسية وفي تأليفها القصة والرواية والمذكرات والأبحاث، توّجت جميعها بلغة عربية جميلة. وكانت الشعلة الزرقاء دراسة قدمت فيها سلمى رسائل مي زيادة وجبران خليل جبران. منحت الراحلة الكبيرة جائزة الملك فيصل، فباتت بها الممثل الصادق لجهود المرأة العربية وتفوقها. وكانت سلمى الحفار الكزبري من طلائع كتاب القصة والرواية السورية، كما أنها في سيرتها الذاتية عنبر وسعاد أكدت على أهميتها بين كتّاب المذكرات بصدقها ومرارتها. وما زلت أذكر لقائي الأخير بها عام ,1999 وكان في بيروت وقد ضمنا منزل الدكتور نيقولا زيادة، فكانت السيدة سلمى ضيفة ومضيفة، جمعنا معها المحبة والتقدير لصاحب المكان. ومن الأسى أن نعرف متأخراً برحيل نيقولا زيادة قبل أيام من غياب سلمى الحفار الكزبري، وكأنما رحيل الاثنين في فترة مفجعة من التاريخ العربي يدل على هوامش حزينة للمتن اللبناني، وكأنما هذا الرحيل سيفجر حزناً في القلب اشترك فيه الألم على أحداث القتل والتدمير في لبنان. إننا نفقدهم. نفقد أولئك الذين ساهموا في صياغة جميلة وجادة للثقافة العربية، وإننا سنفتقدهم دمعاً، فهم خميرة طيبة صنعت خبزنا. (مسرحي سوري) نبيل سليمان: صاحبة البرتقال المرّ مثل كوليت خوري ابتدأت سلمى الحفار الكزبري شاعرة بالفرنسية. وفي نقلتها من بعد إلى القصة والرواية تتميز روايتها البرتقال المر (دار النهار، بيروت 1974) التي وصفها عفيف فراج في كتابه الحرية في أدب المرأة بأنها كلامولوجيا عن الحرية والتكنولوجيا. وقد اعتمدت في الرواية أسلوب المذكرات فيما يخص عصام. وعبر ذلك تواترت القصص الفرعية والتعليقات الصحفية كالذي جاء من حديث زكي نجيب محمود عن الكلامولوجيا والمقتطفات الشعرية والاستطرادات كالحديث عن تاريخ العرب العلمي (ص 90 98). وربما تسبب كل ذلك في ترهيل الرواية التي بدت أقرب إلى الشهادة على راهنها فيما يتصل بحربي 1967 و,1973 ولكن بالاشتباك مع الأمس القريب للجمهورية العربية المتحدة (1958 1961)، وبدرجة أدنى مع الأمس البعيد للانتداب الفرنسي. تلح رواية البرتقال المر على التغني بدمشق القديمة وعلى نقد المرحلة الأولى من حكم حزب البعث لسوريا (1963 1970) قبل الحركة التصحيحية التي قادها الرئيس الراحل حافظ الأسد. ومن دمشق إلى نيويورك واستوكهولم يترامى فضاء الرواية ليضيف إلى شواغلها وعي الآخر، حيث بدت نيويورك تغتال أحلام الإنسان، وحيث بدت الشخصية النسائية الغربية أكبر شرقية من بطل الرواية نفسه. لم تحظ رواية البرتقال المر باهتمام نقدي يذكر، شأنها شأن أغلب ما كتبته سلمى الحفار الكزبري. ولعل رحيلها يحفّز النقد على أن يستدرك ما فات، جرياً على مألوف عادتنا السيئة من التنبّه لمن سبقوا وسبقن بعد الرحيل. لقد كانت سلمى الحفار الكزبري صفحة ناصعة فيما خطّته باقة من الكاتبات السوريات منذ قرابة خمسة عقود، مثل كوليت خوري وجورجيت حنوش (المنسيّة) و... وسلمى الحفار الكزبري. (روائي وناقد أدبي) عادل أبو شنب: ابنة طبقتها كانت سلمى الحفار الكزبري، رحمها الله، بعيدة عن التجمعات الأدبية. نسيج وحدها في الكتابة. لم تكن تعترف بأيديولوجية إلا أيديولوجية الكتابة. وكانت تصب أداءها الكتابي على نوعين من الكتابة؛ الأول عشقها للأندلسيات، والثاني الولاء للطبقة التي بزغت منها مولداً وزواجاً مرتين، ووسطاً اجتماعياً ميسوراً. وفي النوع الأول كان لها وقفات وكتب، وفي النوع الثاني كانت لها ذكريات، كثيراً ما تحدثت عنها في أحاديث وندوات ومحاضرات حضرت جانباً منها، عندما واجهتْها الأديبة كوليت خوري، ابنة طبقتها، في مضغ ذكريات مشتركة بينهما، وخاصة ما يخص أسرتيهما. في الأندلسيات أطلت سلمى الحفار الكزبري على تاريخ رحب، يزخر بالعروبة والتاريخ الجميل، فراحت تصور كل ذلك في كتب ومقالات، جعلت لها فرادة في هذا النوع من الأدب. وفي الذكريات ألقت أضواء على نمط حياة عاشتها، وكانت الأحلام كبيرة والأمجاد زاخرة، والآباء (لطفي الحفار) يخطّون معالم الاستقلال والعزة والكرامة والتعلق بالتراث، فرضعت كل ذلك، ونقلته بأمانة ليكون وثيقة عن مرحلة من مراحل البلاد في بواكير الاستقلال، وما بعدها. إن شهادة كاتب مثلي، صغرت أو كبرت، لا تفي هذه الأديبة حقها، لفرادتها كما قلت، ولأنها أعطت الكثير بصمت وتواضع وحب... إنها أديبة كبيرة بمقياس حياة البلاد في أمانيها ونزوعها نحو مستقبل ألق. ومع أنها عاشت، مؤخراً، في زخم انحسار البلاد، فهي ما زالت تحمل هذا الحلم، وتبثه حتى رحلت... رحمها الله. (كاتب سوري) رياض عصمت: ستظل متوقدة إن كان مهماً ما كتبته الأديبة الراحلة سلمى الحفار الكزبري، فلعل الأهم هو ما لم تكتبه. كانت واحدة من الأديبات الملهمات في المجتمع، واللواتي يُجدن فن الحوار، وكرم الضيافة، والحضور الواثق المتألق في حفلات الاستقبال، وإمتاع الشخصيات عالية المستوى بحديث ثقافي يختصر الأزمان والمدارس، ويدل على وعي وندية امرأة استثنائية. التقيت بالسيدة سلمى الحفار الكزبري لأول مرة في أوائل السبعينات. وفي حين كنت آنذاك من الأدباء الشباب الواعدين، كانت هي زوجة سفير، وصاحبة باعٍ طويل في أرقى طبقات المجتمع وأجوائه الأدبية. رغم ذلك، سرعان ما انعقدت أواصر مودةٍ صادقة بيننا. فتلك الأديبة كانت مثالاً للتواضع الجم، والانفتاح على جيل الشباب، والرغبة في التعرف والحوار مع الإبداعات الجديدة من دون أية أستذة أو تعالٍ. وترددت وبعض الأصدقاء على فيلتها الكبيرة في مصيف بلودان، حيث أضافت جلساتنا في حديقة الدار وارفة الظلال، مع فناجين الشاي الأنيقة والأحاديث الطلية، إضاءات جديدة على عوالمها الداخلية وطموحاتها الأدبية. كنا نلعب كرة الطاولة أحياناً، ونمارس رياضة المشي أحياناً، ولكن عشق الثقافة والأدب كان يؤنسنا معظم الوقت. وتعرفت خلال ذلك على حبها العميق للأندلس، إذ عاشت وزوجها الدبلوماسي في إسبانيا. ومن الصدف الطيبة أنها كانت هناك في الفترة ذاتها التي عمل فيها الشاعر الكبير نزار قباني في السفارة السورية بمدريد، وانعقدت أواصر صداقة بينها وبينه. وتكررت اللقاءات، وإن كان بشكلٍ متقطع، عبر السنوات التالية من خلال زياراتها إلى بيت أهلي في دمشق. ثم غابت طويلاً، وعلمت أنها كانت مسافرة، وأنها تقضي جزءاً من وقتها في لبنان، الذي كانت تعشق. وبعد انقطاع، فاجأتني السيدة سلمى الحفار الكزبري بزيارة مع كتاب جديد لها فاجأني بموضوعه، وهو كتاب الشعلة الزرقاء ، وكان يحمل عنواناً جانبياً هو رسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة . أعتقد أن الجهد والدأب في تحقيق السيدة سلمى الحفار الكزبري لهذا الكتاب مع الدكتور سهيل ب. بشروئي يكفي لولوجها باب الخلود الأدبي. تضمن هذا الكتاب أدق وأشمل وثائق عن قصة الحب عن بعد بين جبران ومي، تلك القصة التي كتب عنها الكثير، ولم يحط أحد بتفاصيلها إحاطة كتاب الشعلة الزرقاء . عندما بلغني نبأ وفاة السيدة سلمى الحفار الكزبري، استخرجت الكتاب من مكتبتي، وقرأت إهداءها الجميل لي عام ,1979 وقلبت صفحاته بشغف وأنا أستعيد حديثها عنه في حديقة دارنا الدمشقية، لأشعر بمدى المحبة التي كانت تحملها للحب نفسه، والتي كرست معظم حياتها للإشادة به. والغريب، حاولت أن أستخرج من الإنترنت معلومات توثيقية عن الراحلة العزيزة سلمى الحفار الكزبري، فلم يسعفني محرك البحث عنها بشيء باللغة العربية. ولكنني بمجرد أن كتبت اسمها بالإنكليزية، وجدت ملفات عدة تتحدث عن إنجازها التوثيقي هذا لإحدى أجمل وأغرب قصص الحب في أدبنا الحديث من خلال كتاب الشعلة الزرقاء . وكنت أعلم أن الكاتبة تملك الكثير جداً من الذكريات عن نزار قباني في إسبانيا، وهي فترة ازدهاره كشاعر مجدد، والتي أسفر عنها واحدٌ من أجمل دواوينه، وهو ديوان الرسم بالكلمات ، الذي بدا فيه متأثراً بتيار جاك بريفيير الشعري، والمتجلي في تحري البساطة والصدق في المشاعر. وقد ظلت الأديبة السورية تشعر بأن دمشق وبيروت مثل الشريان والوريد بالنسبة لقلبٍ كبيرٍ محبٍ مثل قلبها، بحيث لا تكف عن التنقل بينهما لتزرع ورود الصداقة والمحبة بسماحة روحها، وكرم شمائلها، هنا وهناك. ولعل البداية تتصل بالنهاية في كلامي، إذ إنني لطالما دهشت لروح الشباب الدائم التي كانت تتوقد من عيني الأديبة سلمى الحفار الكزبري، خاصة حين تتحدث عن أديب أو أديبة ممن تحب، أو تبوح بمشروع قادم لها كمن يفشي سراً خطيراً. كانت شابة في الخمسينات، والستينات، والسبعينات من العمر. رفضت الاستسلام للكهولة، ثم للشيخوخة، حتى آخر حياتها، وظلت متمسكة بشباب يتحدى وهن الجسد. فإذا كان وهج عطائها قد خبا بفعل الموت وهو أمرٌ حتمي فإن لهيب شعلتها الزرقاء سيبقى متوقداً طويلاً جداً من بعدها، فالعطاء وإنكار الذات هما سر الإبداع الخالد في هذه الدنيا الفانية. (مسرحي وناقد، سفير سوريا في الباكستان) نبيل حفار: متعددة المواهب سلمى لطفي الحفار، ابنة العم العزيزة التي رحلت جسداً وبقيت بيننا بروحها، وبأعمالها المتعددة التي بثت فيها أفكارها ومشاعرها وطموحاتها. كنت أزورها في فترات متباعدة، إذ كنا، كلانا، نسافر كثيراً وفي اتجاهات مختلفة. كنت أزورها بحكم القرابة والعلاقة المشتركة بأجواء الثقافة والأدب، وكنت أرى فيها قدوة تحتذى في جوانب عديدة، فهي متعددة المواهب؛ تعزف على آلة البيانو بإتقان ورهافة حس، وتتجول بين العربية والفرنسية والإسبانية بانسيابية ورشاقة تنم عن تمكن وتمعن. وهي حالة نادرة أن يتقن المرء ثلاث لغات ويكتب فيها الأدب والدراسات. كانت أنيقة في كل شيء، في لباسها وجو منزلها وحديثها، ببساطة لافتة وحس عميق بالانسجام والجمال. لم تسنح لي الفرصة لأتعرف إليها طويلاً، فقد استقرت في بيروت، وأنا في دمشق، فصارت الزيارات نادرة بسبب الأوضاع السائدة، لكننا كنا نتحادث هاتفياً، ولا سيما في السنوات الأخيرة، في شؤون كثيرة ومنها بحوثها التي كتبتْها لهيئة الموسوعة العربية حيث أعمل في دمشق. وأنا بصراحة لم أقرأ كل ما كتبتْه من أدب، ولكنني أعجبت بدراساتها، وخاصة عن مي زيادة وجبران. يشعر المرء في حديثها بعمق معرفتها بالتاريخ والحضارة البشرية، وباستيعابها لعظمة الإنسان وهشاشته، لجبروته وضعفه، لقسوته ورحمته في الوقت نفسه. وكانت ترى أن هذا الكائن اللغز لم يتعلم كثيراً من تجارب أسلافه، إذ إنه ما زال يرتكب الحماقات نفسها، ويبدع، مع ذلك، علمياً وفنياً، ويقدم الخير والجمال. وعندما يحدثها المرء وجهاً لوجه يجدها امرأة هادئة رزينة تتدفق بحيوية داخلية وتشع ذكاء ودفئاً، تجيد الإنصات وتتلهف لمعرفة ما قد يكون جديداً. لقد كانت إنساناً حقيقياً بكل معنى الكلمة. (أكاديمي وناقد مسرحي) نضال الصالح: علامة فارقة منذ يوميات هالة ، رواية سلمى الحفّار الكزبري الأولى، ومجموعتها القصصية الأولى أيضاً: حرمان ، لم يكن نتاج مبدعة تلك الرواية وسواها ممّا تلا من روايات، وتلك المجموعة وسواها ممّا تلا من مجموعات، إضافة إلى الإبداع النسوي السوريّ فحسب، بل كان إضافة إلى الإبداع العربيّ عامةّ أيضاً، ولم يكن استكمالاً لما سبق من إبداع روائي أو قصصي عربيين، بل علامة فارقة في ذلك الإبداع الذي بدت الكزبري فيه صوتاً خاصاً لا يشبه سوى نفسه. لقد كانت يوميات هالة ، و حرمان من بعد، إيذاناً بظهور إبداع نسوي عربيّ، بل إبداع عربيّ عامة، لا يكتفي بالحفر عميقاً في طبقات الوعي المعوّق للتقدّم الحضاري، بل يتجاوز ذلك إلى تقديم وعي بديل يتخلّى الوعي النسوي معه عن مواجهة الوعي البطريركي، للقصاص منه، أو لتعريته، وإنما يسعى إلى إثارة الأسئلة حوله، وإلى الحوار معه بآن. ولئن كانت تلك السمة إحدى مآثر ذلك الإبداع الذي تميّز عن سواه من معظم إبداع المرأة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين في هذا المجال، فإنّ من مآثره أيضاً صوغه لخطابه على نحو فنّي متقدّم جمالياً من جهة، ومعبّرا عن تملّك مبدعته لوظائف الإبداع وآليات تشكيله من جهة ثانية. وما يؤكّد ذلك، وما يعزّزه، ما تتابع من إبداع للكزبري نفسها في حقليّ السرد الفنّي معاً: الرواية، والقصة القصيرة. ومن أمثلة ذلك روايات: عينان من إشبيلية ، و البرتقال المرّ ، وسوى ذلك ممّا ينتمي إلى مجال السيرة أو المذكرات، ومن أمثلته أيضاً مجموعتا: الغريبة ، و زوايا اللتان شكّلتا، بالإضافة إلى تلك الروايات والسرد السيري، إحدى أبرز القرائن الدالة على بؤس تلك الثانئية الهشة التي تقسم الإبداع إلى مرجعين متعارضين رؤيوياً وفنّياً: إبداع يكتبه الرجال، وآخر تكتبه النساء. لقد مثّلت سلمى الحفّار الكزبري قامة مضيئة في الحياة الثقافية العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد ساعدها على ذلك دأبها على تثمير معرفتها دائماً، وإتقانها لغير لغة غير لغتها العربية الأم (الفرنسية والإنكليزية والإسبانية)، ثمّ اشتغالها في غير حقل إبداعي أو معرفي: من القصة القصيرة، إلى الرواية، إلى الشعر، إلى المذكرات، إلى الدراسة والبحث، وسوى ذلك من حقول أبدعت فيها جميعاً، وحصلت بفضل ذلك الإبداع على غير تقدير من جهات ومؤسسات ثقافية عربية وعالمية. إنّ إرادة سلمى الحفّار الكزبري، المدهشة حقاً، في أن تكون نفسها لا سواها، وفي أن تضخّ في عروق المعرفة لديها دماء جديدة دائماً، تؤكّد أنّ مشاركة المرأة العربية في بناء الوعي تصنعها المرأة نفسها، لا إرادة المجتمعات المعوّقة حضارياً التي لا يزال الوعي البطريركي يمارس نفوذاً غاشماً في تشكيلها على النحو الذي يشاء. (أكاديمي وناقد أدبيّ) أنيسة عبود: تفوقت على زمنها على حين غرة، دقّ الموت على باب الأديبة سلمى الحفار الكزبري. لم ينتظرها الموت حتى تصفق لانتصار المقاومة، خاصة وهي التي عاشت طيلة حياتها تقاوم من أجل القضايا الوطنية والقومية والإنسانية. هي التي تتقن عدة لغات، فأخذت تعمل على شرح قضايا المرأة العربية للعالم وتعمل على الاحتفاء بالنساء المتفوقات في المجتمع العربي، خصوصاً أن سلمى الحفار الكزبري تسلحت بثقافة عالية ووعي اجتماعي متفوق وإيمان كبير بمقدرة المرأة على الخروج من ظلمتها. سلمى الحفار الكزبري تفوقت على زمنها وجيلها فخاضت في الرواية والقصة والشعر والترجمة والسيرة الذاتية ونالت جوائز عربية ودولية، ولذلك هي فعلاً رائدة من رائدات الوطن العربي التي عاشتها فترة المد القومي والنضالي العربي. للأسف رحلت أديبتنا المتميزة. وللأسف لم نعد نحتفي كثيراً بالراحلين لأن المرحلة لم تعد مرحلة المبدعين، إنها مرحلة الرصاص والدم والمجازر. سلمى الحفار وداعاً، كنت دائماً تواقة للقاء بك، خاصة أن المخرجة المعروفة رويدة الجراح صديقة مشتركة بيننا. نحتاجك الآن يا سيدتي، نحتاجك في بهجة الانتصار، وفي حلكة الرصاص. نحتاج لتكوني دائماً أنموذجاً للمرأة العربية المثقفة والمناضلة في سبيل وطن كبير حر وأبي. سيبقى صوت سلمى الحفار الكزبري في الذاكرة. وسيبقى نضالها وإبداعها شعلة في دروب الأجيال القادمة. فوداعاً سلمى الحفار الكزبري، إنك خسارة كبيرة في هذا الزمن الصعب. (أديبة سورية) ماجدة حمود: الإخلاص للكلمة فقدت الساحة الثقافية رائدة من رائدات النهضة النسوية العربية، سلمى الحفار الكزبري، وقد ماتت ابنة دمشق التي ولدت فيها عام (1922) بعيداً عنها في بيروت، فحرمت الدفن في ثراها! لعل أهم إنجاز يميز هذه الرائدة هو انفتاحها الثقافي، إذ أتقنت، بالإضافة إلى العربية، ثلاث لغات أجنبية (الفرنسية والإنكليزية والاسبانية). تركت لنا حوالى اثنين وعشرين كتاباً متنوعاً بين رواية وقصة قصيرة وشعر وسيرة ذاتية ومحاضرات وأبحاث! إن أهم ما أنجزته سلمى الحفار الكزبري في نظري هو ذلك البحث المتميز الذي منحته ست عشرة سنة من الجهد مي زيادة أو مأساة النبوغ ، سيرة النابغة مي صدرت في جزءين ,1987 وأتبعته بكتاب يضم رسائل مخطوطة لم تنشر مسبقاً بين مي وأعلام عصرها، ,1992 إذ أنصفت فيه الرائدة مي زيادة، وعرّفتنا بتفاصيل مأساتها! لهذا أرى أي بحث جاد حول مي زيادة لا بدّ أن يستند على هذا الجهد العظيم الذي بذلته الأدبية بكل إخلاص. لا شك أن الأدب العربي مدين للأديبة سلمى الحفار الكزبري في لفت النظر إلى أدب الرسائل، من خلال الجهد الذي بذلته مع الباحث د.سهيل بشروئي حيث جمعا وحققا رسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة في كتاب الشعلة الزرقاء (1979). وأعترف بأنني مدينة لهذا الجهد، إذ لولاه لما استطعت إنجاز روايتي التي صدرت بعنوان رواية الحب السماوي بين مي زيادة وجبران خليل جبران . برحيل سلمى الحفار الكزبري نفتقد ذلك الجيل الذي أخلص للكلمة، بقدر إخلاصه لقضايا الوطن وهمومه، إنه ذلك الجيل الذي حاول العمل من أجل إنصاف المظلومين بكل ما يملك من نبض! (أكاديمية وناقدة أدبية) رويدة الجراح: شجرة الكبّاد سلمى الحفار الكزبري بالنسبة لي تلك البحرة في أرض ديار البيت الدمشقي، خرير الماء الذي يسعد كل أهل البيت وزواره وقت القيلولة، شجرة الكباد في ساحة البيت الدمشقي، التي تثمر عندما يكون الشجر كله في سبات، إنها ثمرتها الكبيرة التي تجعلنا نشهق لها دائماً. وهي الفلة، وقطعة من الدامسكو المتقن المشغول باليد والعرق لا بالنول. لم تمت تلك المرأة الدمشقية، لأنها أعطت إبداعات مهمة، وصنعت علاقات مهمة دافئة. وكانت في منتهى العظمة ببساطتها الإنسانية التي تعكس ثقافة حقيقية لا مدّعاة، تشبه بساطة أناقتها الخارجية التي تخفي أناقة بالغة في الداخل. لقد تعرفت إلى الأديبة إثر موقف إنساني عائلي، ليس الآن وقت رويه، فقد طلبتْ مقابلة معي، فذهلت، وهي الأديبة العظيمة التي تشبه بالنسبة لي إحدى معلماتي القديمات في المدرسة. ثم التقيتها من بعد بالمصادفة ونحن ندخل المبنى ذاته، إلى أن استضفتها في واحد من برامجي التلفزيونية، وكانت واحدة من إطلالاتها التلفزيونية النادرة هي المقلّة في ظهورها. تركت الأديبة الراحلة أثراً جميلاً، ولها في مكتبتي مكانة خاصة، وكان بيننا مشاريع أولها أننا أول من فكر بتقديم عمل عن مي زيادة، فما قدمتْه هي عن مي بحث مهم جداً قدم تفاصيل لا يكتبها إلا كاتب سيناريو محترف. (مخرجة تلفزيونية) كوليت بهنا: خسارة ثقيلة لا أعرف سلمى شخصياً وكنت أتمنى ذلك، لكن قراءتي لكتابها البديع عن ميّ زيادة جعلني أكوّن فكرة عن شخصيتها وأن أحبها بالتالي. في هذا الكتاب، ورغم أن سلمى ككاتبة حرصت أن تلتزم الموضوعية في المنهج التوثيقي الذي يطبع روح الكتاب، إلا أنني شعرت بأنها غير قادرة بالمطلق أن تخفي تعاطفها الوجداني بمأساة ميّ، وكأنها حقيقة تلبّستها وشاءت بحنانها الأنثوي وبالإحاطة بميّ أن تقدم لها الاعتذار بالنيابة عن كل الأجيال للظلم والغدر اللذين لحقا بها. أستعير قولاً لصديق شبّه موت المبدعين بخسارة جيش لأسلحته الثقيلة. لا شك أن سلمى خسارة ثقيلة تضاف إلى قائمة خسائرنا المتتالية يومياً الواحدة تلو الأخرى. باختصار: ضيعانها. (قاصّة سورية)