بين الحياة وبين الموت يفصل درج صغير، قبالته كان يجلس الحاج عباس العزير يقرأ القرآن ويتابع آخر الأخبار على جهاز راديو وضع الى جانبه. في أسفل الدرج غرفة صغيرة كانت تتسع لثلاثة أجيال: محمد الجدّ (إبن الحاج عباس)، عباس الإبن ومحمد الحفيد الذي لم يكمل شهره الثاني بعد. كان الجدّ يداعب الحفيد يقبل يده والوالد جالس قبالتهما رأيت شهباً من نار أمامي، كان أبي منحنياً فوق طفلي يقبَله، دوّى الصوت بقوة، رأيت والدي يضمّ ابني ويصرخ رأسي، رأسي ، ظلت يداه متمسكة بمحمد الصغير وسقط أرضاً ، يروي عبّاس. الجدّ حمى الحفيد حضنه وهو مضرّج بدمائه، لم يمت، كما بقي محمد الصغير على قيد الحياة مبتسماً لقبلات جده ومداعباته بفضل العناية الإلهية . عند أعلى الدرج دبّ الصراخ، بكت النسوة استشهاد الحاج عباس وهو يتلو آيات من القرآن الكريم. هو شهيد بلدة شمسطار الذي سقط بفعل غارة إسرائيلية كانت تستهدف مركزاً سابقاً لحزب الله، كانت واحدة من أربع غارات طالت البلدة على دفعتين وأصابت حوالى عشرين جريحاً، وألحقت الأذى ببعض المنازل ، يلفت نائب رئيس اتحاد بلديات غربي بعلبك علي قاسم. يضيف لكن عزاءنا كان بحالة الصمود التي لمسناها من قبل الأهالي وقد حاولنا إخلاء بعض الأحياء إلا أنهم رفضوا. وعزاؤنا بالعناية الإلهية التي خلّصت الطفل محمد من الموت وتركت ابتسامته على محياه . قبالة منزل آل العزير كان عبدالله الحاج يتفقد منزله ومنزل ابنه برفقة حفيديه. كان يحدّق بركام بيته لفترة طويلة وكأنه يحاول تركيب لعبة بازل متذكراً كل جزء من بيته الذي دُمّر بالكامل. وفي بيت مجاور بدأ أهالي البلدة بالتوافد إليه، كان آل حيدر أحمد يتلقون التهنئة بالسلامة وهم يجولون على أنقاض منزلهم. طاريا في طاريا القدرة الإلهية ذاتها، أنقذت ملاكين: حوراء وعباس. تقول حوراء بصوتها المغناج الخافت كانت امي في المطبخ تقوم بتحضير الحليب لشقيقي، طلبت منها الشوكولا فردت طولي بالك ياحوراء ، لم تكمل الأم فاطمة كلماتها حتى دوى انفجار كبير نال من المنزل وجدرانه عملت الطيارة بوف... ، كما عبرت حوراء. كان عباس قد انطلق نحو أمه التي تحولت بثانية الى لبوة شرسة لا اعرف كيف مسكت كلاً من حوراء وعباس بيد ورفعتهما عن الأرض وركضت بهما صوب الجيران . خرجت فاطمة من منزلها من دون حجابها حافية القدمين، تتسابق مع لهاثها في الحقل المحاذي للبيت رافعة ولديها وهي تصرخ، تسقط أرضا ثم تنتفض بسرعة لتتابع رحلة من بضعة امتار خالتها كيلومترات قبل أن يوافيها زوجها حسن حامية ضاماً العائلة الى صدره قاصداً بيت الجيران. حوراء خسرت ألعابها ولكنها تعيش اليوم في بيت يشبه بيت اللعبة باربي مكشوف من جهات ثلاث، غرف نومه من دون سقف وقد بقي من حماميه دوش لا تصله المياه. حوراء تبكي لعبها لكنها غداً ستدرك أن العناية الإلهية انتشلتها من بيت انهارت كل جدرانه وبعضاً من سقفه وتهاوى ركاماً وقد زاره الشيطان ، إلا أنه لم يجد حوراء وعباس لأن فاطمة كانت قد ركضت وهي تقبض بيد من حديد على ملاكيها. التليلة في التليلة كان آل البواري يقيمون مجلس عزاء في الليلة ذاتها، جمع من حوالى خمسة وخمسين شخصاً انهوا الصلاة واستسلموا للنوم... في إحدى الغرف كانت فاطمة نائمة، عمرها يوم واحد، ولا تعرف من هذه الدنيا الا رائحة أمها بتول. استيقظت بتول عند الخامسة والنصف صباحاً، حملت ابنتها وبدّلت ملابسها وقررت ان تضمها الى صدرها بدل من تركها في سريرها، غمرتها ودوى الانفجار. خمس وخمسون روحاً كانت نائمة في البيت الفسيح، وحدهم حسين البواري وشيخ بضيافته ومحمد صقر من شمسطار كانوا يرتشفون قهوتهم الصباحية، جرح الأولان واستشهد صقر بفعل شظية. فاطمة كانت ما تزال نائمة بين ذراعي امها، الى جانبهما مهد فاطمة وقد تكسّر. خمسون شخصاً ما إن استفاقوا على وقع الانفجار حتى ركضوا باتجاه فاطمة. ظنوا أن إسرائيل تمكنت من الملاك الصغير، ظنوا أنه ربما كتب لها الحياة ليوم واحد. نفضت بتول الغبار عن ابنتها ضمتها أكثر الى صدرها... لقد نجت بأعجوبة.