في حديث بثته قناة العربية يوم الثلاثاء 25/7/2006 لدولة السيد نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني، قال دولته حول الهلال الشيعي، الذي كثر الحديث عنه في الآونة الأخيرة، بأنه (لن يكون هناك هلال شيعي إلا ضمن القمر السني). وهو تعبير لافت للنظر، ولا أعرف فيما اذا كان السيد بري هو أول من استخدم هذه العبارة ذات الدلالات العميقة، ام سبقه اليها أحد غيره. وأهم هذه الدلالات وعلى رأسها، التلاحم والتمازج بين السنّة والشيعة من وجهة نظر السيد بري، أو على الأقل هذه رغبته. أحدهما قمر مكتمل (السنة)، والآخر هلال فيه وجزء منه (الشيعة). فلا وجود لأحدهما إذاً دون وجود الآخر من ضمنه. وتمشياً مع هذا الكلام العميق من مسؤول كبير، بل رفيع المستوى، له احترامه وتقديره في مختلف الأوساط الاقليمية والدولية، نقول بأن هناك تداخلا، بل تطابقا بين الطائفتين في أساسيات الإسلام، بحيث يستحيل تمييز المنتمي لأحدهما عن الآخر، ووصفه بأنه شيعي أو سني. فكلاهما يؤمن بأساس الدين الإسلامي، وهما الإله الواحد بما له من أسماء حسنى، وان هذا الإله أرسل محمدا (ص) نبيا ورسولا للعالمين، وأوحى إليه بالقرآن العظيم، بما فيه من أحكام وشرائع واجبة الاتباع، مع الأخذ بالاعتبار لإمكانية الاختلاف في تفسير نصوصه. فالدين الإسلامي بالمعنى الضيق، يقوم إذاً على ثلاثة اركان: الله ومحمد (ص) والقرآن. والمسلمون من سنة وشيعة (اثنا عشرية ومنهم السيد بري وسماحة السيد نصر الله)، مجمعون على هذا المثلث الايماني، وان عدم الايمان بأحد هذه الأركان، يخرج المرء من حظيرة الدين الإسلامي، لمعتقد آخر لا يعنينا اسمه أو تسميته. وهنا يكمن الفرق الأولي والأساسي بين أتباع الدين الإسلامي (بالمعنى الضيق) من جانب، وأتباع الديانتين السماويتين الأخريين: المسيحية واليهودية من جانب آخر. فأتباع هاتين الديانتين يؤمنون بالله، ولكنهم لا يؤمنون بمحمد (ص) نبيا، ولا بالقرآن كتابا منزلا عليه، من الله جل وعلا. والإنسان يكون مسلما ولا شك، متى آمن بهذا المثلث المتوازن: الله، محمد (ص)، القرآن. ويترتب على هذا الايمان، واجبات يتعين على المؤمن (المسلم) القيام بها، وحقوق له أن يمارسها ويطالب بها، سواء كانت تلك الواجبات دينية، من صلاة وصوم وحج وزكاة، أو كانت هذه الحقوق والواجبات دنيوية، مثل الميراث وحقوق وواجبات كل من الزوجين في مواجهة الآخر، كل ذلك في إطار التعاليم القرآنية بالدرجة الأساسية وكذلك على أبعد التقدير تعاليم محمد (ص) الثابتة يقينا. وهذا يقودنا الى القول، بأن الشعائر الدينية في الإسلام (الصلاة والصوم والزكاة والحج)، هي من آثار الإسلام وليست من أركانه، خلافا لما تقوله وتكاد تجمع عليه الكتب الدينية التقليدية والحديثة حتى يومنا هذا. ونعود نقول هنا، بأنه لا خلاف بين السنة والشيعة من أي نوع كان، حول هذا المثلث الايماني (الله، محمد، القرآن)، ولا على تعاليم الإسلام الدينية والدنيوية، وخاصة تلك الواردة في القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ووجوب اتباع تلك التعاليم. وفي هذا الإطار وضمن حدوده، فإن السني هو شيعي، والشيعي هو سني لا فرق بينهما، وكل منهما هلال في القمر الواحد. ومع ذلك، هناك كتابات موروثة تنسب للسنة تدّعي بأن الشيعة لا تؤمن بمحمد (ص) كنبي ورسول، وان جبريل أخطأ بل خان الرسالة، وكان يتعين عليه إعطاؤها لعلي كرّم الله وجهه، وليس لمحمد (ص). ودون الدخول في تفاصيل هذا الادعاء، فإن أقل ما يقال بشأنه انه نوع من الهراء، لا يستحق حتى ذكره، أو هو زبد يذهب جفاء، ولا يقول به إلا كذاب أشر، حتى لو كان من أصحاب العمائم واللحى والأثواب القصيرة، وغالبا فإن قائله من السلاطين أو وعّاظهم، الذين ابتليت بهم الأمة منذ فجر الإسلام وحتى يومنا هذا. وبالنسبة للقرآن، فإن المسلمين، من سنة وشيعة وغيرهم، يجمعون من حيث النتيجة على أن القرآن الذي بين أيديهم الآن، هو كله من عند الله دون نقص أو زيادة، وانه ليس للمسلمين كتاب مقدس سواه، بصرف النظر عمن دوّنه (عثمان أو غيره) وكيفية وزمان تدوينه، وهي مسألة يطول الحديث بشأنها مما لا مجال للخوض فيه لغايات هذا المقال. والمؤمن بالقرآن، يؤمن حتما بكل ما ورد فيه من تعاليم وشرائع، سواء في مجال العبادات أو المعاملات أو غير ذلك، وهذا بدون أدنى شك هو حال السنة والشيعة. وما غير القرآن من كتابات، هي حتماً وراءه أو حتى دونه، ولا تصل الى مرتبة القرآن، مهما حاول البعض إضفاء نوع من القدسية عليها، سواء سميت هذه الكتابات تفاسير للقرآن، أو أحاديث نبوية شريفة، أو آراء فقهية أو غير ذلك. وفي ما دون القرآن على هذا النحو، تكمن الخلافات بين المسلمين، لدرجة القول انهم يكادون يختلفون في كل مسألة، كبر شأنها أو صغر. ومن هنا نشأت المذاهب الرئيسية الأربعة، الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية، وهي ما تسمى كوحدة واحدة بالمذهب السني، ليقابلها مذاهب أخرى (في التفاصيل)، من ضمنها ما يسمى بالمذهب الشيعي أو الجعفري (الإثنا عشرية). وبعض أتباع المذاهب الأربعة، اعتبروا اجتهادات المذهب الخامس (الشيعي) رفضاً لاجتهاداتهم، فسموهم بالرافضة أو الروافض. فالسنة مثلا، قبلت بخلافة ابو بكر وعمر وعثمان وعلي، في حين رفض المذهب الشيعي (الاثنا عشرية) خلافة الثلاثة الأوائل، واعترف بالإمامة لعلي وولديه الحسن والحسين، ومن ثم لأولاد الحسين، وان الإمامة لهم لا لغيرهم. ومنذ ذلك الوقت (حوالى 1400 سنة)، ما زال المذهبان يتصارعان حول هذه المسألة، وكل منهما يرفض التسليم للآخر. وهو بدون شك جدل لا طائل تحته أو، بمعنى آخر، فإن العلم به لا ينفع، كما ان الجهل به لا يضر. فالمسلم، مثلا، في شرق استراليا أو غرب أميركا أو جنوب افريقيا، لا يعنيه حتما لمن كان يجب أن تؤول الخلافة بعد النبي (ص)، قبل حوالى 1400 سنة كما ذكرنا. وأعتقد انه من غير الجائز ولا المقبول، توجيه نظره وفكره من حياة اليوم والمستقبل، لحياة الماضي البعيد. هذا يطلب منه الايمان بخلافة أبو بكر، والآخر بخلافة علي. فإن آمن بقول أحدهما، أصبح كافرا أو مرتدا بنظر الآخر، مما يوجب إقامة حد الردة عليه، استنادا لما هو دون القرآن من كتابات. وتخيلوا معي ان تبقى الحياة الدنيا قائمة لمليون سنة أخرى (والله أعلم كم ستدوم)، ويبقى الخلاف قائما بين الفريقين، لمن كان يجب أن تؤول الخلافة أو الإمامة قبل مليون سنة، لأبي بكر أم لعلي رضى الله عنهم وكرّمهم أجمعين. وكلا الفريقين يؤمن بالسنة النبوية الشريفة ولا شك. ولكنهما يختلفان في مدى الاستناد اليها وشروط ذلك. ففي حين يقبل السنة، بوجه عام، بالكتب الموروثة لأحاديث النبي (ص) على علاتها، بصرف النظر عن رواتها، وخاصة الصحيحين (مسلم والبخاري)، فإن الشيعة لا تقبل إلا بالأحاديث التي رواها الثقات عن النبي (ص)، أو أحد الأئمة من آل البيت، ولكل حججه وسنده في هذا الشأن. وما عدا ذلك، فإن الخلاف بين السنة والشيعة هو خلاف فقهي اجتهادي، كأي خلاف بين أتباع المذهب الواحد، بل هو أحيانا أقل منه بكثير. ولو عدنا لبعض الكتب الموروثة، لوجدنا أن الخلاف بين المذاهب السنية الأربعة، بلغ أوجه في وقت من أوقات التعصب المقيت، لدرجة انهم كانوا، كما هي العادة عند البعض حتى اليوم، يكفّرون بعضهم البعض، لمجرد الاختلاف في الرأي. وكان أحدهم (الحنفي مثلا) ينظر الى الآخر (الشافعي مثلا) نظرته الى البعير الأجرب، وكانوا يطلبون تقسيم المساجد بينهم (مساجد حنفية وأخرى شافعية وثالثة مالكية وهكذا)، ويعتبرون أتباع المذهب الآخر من أهل الذمة، لدرجة انهم كانوا يقولون لو كان الأمر لنا لأخذنا منهم الجزية. وكانوا يتساءلون فيما إذا كان يجوز للحنفي التزوج من شافعية، حيث ذهب بعضهم الى أن هذا لا يصح للشك في إيمان الشافعي. وأفتى بعض فقهاء الحنفية، بأن الصلاة خلف إمام شافعي باطلة. كما تروي كتب التراث، بأن في المسجد الأموي أربعة محاريب لصلاة الأربعة مذاهب السنية، بحيث أن أتباع كل مذهب، كانوا يصلون في محرابهم الخاص بهم، وغير ذلك من قصص وروايات تعج بها بعض الكتب الصفراء التقليدية، والتي تدل على مدى الانحطاط الفكري وضيق الأفق آنذاك، وكان المستفيد الأول من ذلك السلطان (ولي الأمر) من الداخل، وأعداء الأمة من الخارج. ومع ذلك، فإن أتباع المذاهب الأربعة، وقفوا صفاً واحداً في مواجهة المذهب الشيعي، وسموه بالرافضة (أو الروافض) كما تقدم. وبدلا من تجاوز الخلاف كما هو الحال الآن بين المذاهب السنية الأربعة، زادوا في تعميقه وتأجيجه بشتى الوسائل، وخاصة من قبل السلطان ووعّاظه (أيام الدولتين الأموية والعباسية)، ممن كانوا يلبسون العمائم ويطيلون اللحى ويقصّرون ثيابهم، ليضفوا على أقوالهم نوعاً من القدسية، ويقبضون المعلوم من السلطان مقابل ذلك. فمبدأ فرّق تسد الذي تبناه الانكليز للسيطرة على مستعمراتهم، كنا نحن المسلمين من أوائل دعاته قبل مئات السنين، ولكن ليس على مستعمراتنا في الخارج، وإنما على أبناء جلدتنا في الداخل، ليبقى السلطان (الأموي مثلا) متربعا على رأس الهرم، يهلك الحرث والنسل في طول البلاد وعرضها، والى جانبه جيش من المنافقين، وخاصة الوعّاظ الذين يبررون له أفعاله دينيا تحت مسميات شتى، ويدعون له في صلواتهم، وبشكل خاص في صلاة الجمعة، وما على الرعاع من الشعب (الأموي مثلا)، الذين كانوا كالأنعام في نظر السلطان ووعّاظه، إلا القول آمين. فالمهم بقاؤه حفظه الله، وليذهب الشعب للجحيم والوطن للدرك الأسفل من النار. حتى ان ما يؤمن به (الروافض)، يسخر منه بعض أتباع السنة من وعّاظ السلطان، مع انهم يؤمنون به ذاته، ولكن مع اختلاف التسمية أو المسمى. فهؤلاء الوعّاظ ينتظرون ما أسموه بالمهدي، الذي سيأتي آخر الزمان لإقامة العدل على الأرض، بعدما ملئت جورا وظلما، في حين يؤمن (الروافض) بالمبدأ ذاته، في انتظار عودة الإمام الغائب الثاني عشر للغاية ذاتها. ومع ذلك، يهزأ الأولون من الآخرين، حول تفصيلات هذه الفكرة الغيبية المستقبلية، التي لا يعلم مدى صحتها إلا الله سبحانه وتعالى تصديقا لقول القرآن الكريم (ولا يعلم الغيب إلا هو)، (قل لو كنت أعلم الغيب لاستثكرت من الخير)، وغير ذلك من آيات كثيرة. إن هؤلاء الوعّاظ، اعتبروا أنفسهم يمثلون الأمة (الإسلامية)، شاهدهم في ذلك بعض الكتب التقليدية التي توارثوها جيلا عن جيل، ولا يعرفون غيرها. فهم قلب الأمة النابض، وعقلها المفكر، وكل من يخرج على رأيهم، هو من الروافض أو المرتدين، وفي كلا الحالين هو كافر يجب دق عنقه، طالما ان كثيرا من آيات التسامح والرحمة والعفو عن الكفار وغيرهم، نسختها، كما يزعمون، آيات السيف التي حلت محلها. ولتدعيم رأيهم، أخذوا يفسرون الآيات القرآنية الكريمة بما يلائم هواهم لمهاجمة (الروافض). وعلى سبيل المثال الآية الكريمة (فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار). فما تعنيه هذه الآية، حسب زعمهم، تكفير (الروافض)، الذين يبغضون الصحابة لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة فهو كافر (ابن كثير، ج ,4 ص 205)؛ وأحيانا، لا يذكرونهم في كتبهم إلا مع عبارة لعنهم الله (التفسير الكبير، ج ,12 ص 25 ,19) وتارة اخرى يلصقون بالنبي (ص) أحاديث موضوعة من أحلامهم. فهذا عبد الأعلى الترسي (وما أدراك من هو)، رأى النبي (ص) في المنام قائلا ان شر من ينتحل قبلتي الروافض (لسان الميزان، ج ,1 ص 437)، وقوله (ص) ان اربعة لعنوا على سبعين نبيا، منهم الروافض الذين يشتمون أبا بكر وعمر (الموضوعات، ج ,1 ص 203). واحيانا اخرى يفسّقونهم ولا يكفّرونهم (المغني، ج ,1 ص 168)، ويعتبرونهم من الضالين (كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه، ج ,28 ص 493)، وهم معروفون بالكذب (مجموع فتاوى ابن تيمية، ج ,3 ص 357). هذا قليل من كثير مما قيل عن الشيعة في كتابات بعض من ينسّبون أنفسهم لسنة رسول الله (ص) عبر التاريخ، وهم إما من وعاظ السلاطين الذين باعوا دينهم بثمن بخس من أجل دنياهم. وهؤلاء اعتقدوا بعملهم هذا انهم كسبوا دنياهم بالتزلف للسلطان (الأموي مثلا) ونفاقهم له، كما كسبوا آخرتهم بقيامهم بمظاهر التديّن من لحى وعمائم وأثواب قصيرة وصلوات يومية، زاعمين أن كل صلاة كفّارة لما بين الصلاتين، وان الحج المرفّه الذي يرسلهم اليه السلطان على حسابه (ولكن من مال شعبه)، يخرجهم مغسولين من الذنوب، كيوم ولدتهم أمهم مهما ارتكبوا من الموبقات. أو هم من الجهلة الذين درسوا ويدرّسون أبناءنا في كليات الشريعة (خاصة)، كتبا تقليدية توارثوها من مئات السنين ولا يعرفون غيرها، وحاولوا أن يضفوا عليها قدسية تكاد توازي القرآن العظيم أو، على أحسن الفروض، تقل عنه درجة بسيطة، تكاد لا تذكر، وأصبحوا يرددون هذه الكتب في مجالسهم الخاصة والعامة، وفق طقوس لا يعرفها غيرهم، حتى انهم كادوا ينسون القرآن العظيم ويتخذونه مهجورا، تصديقا للآية الكريمة (وقال الرسول يا رب ان قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا...). كل ذلك بالرغم من ان بعض هذه الكتابات، مليئة بالأكاذيب والوهم والحيل والخداع، وكثيرا ما تحتوي على الشيء ونقيضه في آن واحد، وهي تسيء للقرآن والإسلام ونبي الإسلام (ص) وزوجاته الطاهرات وصحابته الأبرار وسيرته العطرة. ولو أحرقت هذه المدوّنات عن بكرة أبيها وزالت من الوجود، لما نقص الإسلام شيء، ولا حتى مقدار ذرة، إلا في عقول بعض أصحاب العمائم واللحى من وعاظ السلاطين والجهلة السطحيين. فالاسلام يقوم على التسامح والعفو والعفة والطهارة والصدق والإيمان والعدل والمحبة والغفران والرحمة والوفاء وحرية العقيدة، والقوة في الوقت ذاته، وغير ذلك من صفات حميدة، حتى يمكن وصفه بأنه دين العجائز الطاهرات النقيّات فعلا، نظرا لبساطته الشديدة، وهو مبنيّ أساساً على القرآن العظيم الموحى به من الحي الذي لا يموت، وليس على كتب معقّدة، تغص بالروايات والأقوال الصادرة عن أموات، هذا بافتراض انهم وجدوا أصلا على الحياة الدنيا. ولم يكتف وعاظ السلاطين وأبواقهم بمهاجمة (الروافض) تاريخيا على النحو السابق، بل ما زالوا يتربصون بهم حتى يومنا هذا، ويرفضون نصرتهم حتى لو كانوا مظلومين من قبل عدو يفترض أنه مشترك. بل انهم يحرّضون أتباعهم وحتى العدو عليهم. وفوق ذلك كله، نصّبوا من أنفسهم أولياء الله على الأرض، وممثلين أو وكلاء عنه، بقولهم انه لا يجوز حتى الدعاء لهم بالنصر. هذا الإله العظيم الذي وسعت رحمته كل شيء، لا يجوز الدعاء اليه بنصرة من يؤمن به وبنبيّه وبكتابه، قولا وعملا وانما، بالمفهوم العكسي، يجوز بل يجب الدعاء لنصرة العدو وتمكينه عليهم. هذا هو منطق وعّاظ السلاطين قلبا وقالبا، بحجة انهم يمثلون سنة رسول الله (ص)، والسنة منهم براء. ومقابل ذلك، هناك وعّاظ آخرون، بالرغم من انهم يداهنون السلطان احيانا، بل احيانا كثيرة، رفضوا هذا الموقف المشين، والذي يمكن القول عنه انه يمثل الشيطان لا سنة محمد (ص)، وطالبوا بنصرة (الروافض) على أعداء الأمة الواحدة (أمة الله ومحمد والقرآن). وبدون شك، ان لكل من الفريقين من هؤلاء الوعّاظ حججه وأسانيده، ايضا من كتب التراث العقيمة التي تغص بالشيء ونقيضه، كما سبق القول في هذا المقال. وفي خضمّ هذين الرأيين المتناقضين تماما حول مصير الأمة، جاءت عبارة دولة السيد بري، بأنه لن يكون هناك (هلال شيعي إلا ضمن القمر السني)، بما لها من دلالات عميقة كما ذكرنا. وختاما، فإن السؤال الذي يطرح نفسه على كل من ينتمي لهذه الأمة العظيمة (من غير وعّاظ السلاطين)، هو فيما إذا كان يفضل الانتماء للروافض، المدافعين عن ثورة الحسين، ضد الظلم والقهر والتسلط والهوان، والذين يعتبرونها قدوة حسنة لهم ولغيرهم، أم لهؤلاء الوعّاظ الذين يعتبرون ولي أمرهم ونعمتهم (السلطان)، هو قدوتهم الحسنة في الدنيا والآخرة؟! سؤال أترك لكل شخص معني الاجابة عنه كما يريد ويعتقد، والله من وراء القصد. (?) وزير العدل الأردني السابق.