راشيا: شهد القطاع الحدودي بين لبنان وسوريا، الممتد من مرتفعات شبعا، عين عطا جنوباً، وحتى منطقة دير العشاير حلوى ينطا شمالاً، مروراً بالفاقعة واليابسة شرق مدينة راشيا، وامتداداً حتى مرتفعات عيحا وكفرقوق، انتشاراً واسعاً لوحدات من اللواءين الثامن والمجوقل في الجيش اللبناني، بالتزامن مع بدء عملية انتشار الجيش في الجنوب، إنفاذاً لقرارات الحكومة اللبنانية، وتطبيقاً لبعض حيثيات وبنود قرار مجلس الأمن الدولي ,1701 القاضية بمراقبة الحدود اللبنانية، وإيقاف عمليات التهريب بين طرفي الحدود. وتشكل سلسلة لبنان الشرقية، الحدود الطبيعية بين لبنان وسوريا، بطول وهمي يتراوح حتى نقطة المصنع الحدودية بين 40 50 كلم، تتخللها بدءاً من أعلى قمة فيها، المعروفة بعقبة الفرس (2814 متراً)، حيث تتخذ منذ أوائل السبعينيات قوة من المراقبين الدوليين، مركزاً لها، انكسارات حادة تتجه شمالاً، لتشكل منحدرات قليلة الارتفاع نسبياً، فيما تتقاطع السلسلة عند طرفها الجنوبي، مع مزارع شبعا المحتلة منذ العام ,1967 وهذه تخضع لإشراف ولمراقبة للقوات الدولية (الأندوف)، وتتواصل عمقاً لتشكل ترابطاً مع هضبة الجولان السورية المحتلة. وتركّز القوات الإسرائيلية عند الطرف الجنوبي من السلسلة، أكبر مرصد مراقبة لها، يشرف على امتدادات واسعة من سهل البقاع، وعلى قسم من الأراضي السورية في المقلب الآخر، فضلاً عن إقامة مركز سياحي مهم، لممارسة رياضة التزلج، إلى جانب استخدام بعض المساحات، للأغراض العسكرية، تتمثل في تموضع مرابض مدفعية في تلة سدانة. ويعود الانتشار الميداني للجيش اللبناني في هذا القطاع الحدودي، إلى فترة انسحاب الجيش السوري من لبنان في أواخر شهر نيسان من العام ,2005 ولكنه شهد في الأسبوعين الماضيين تعزيزات واسعة بالمدرعات والآليات وناقلات الجند والملالات، وبالعناصر والعتاد، وحتى بمرابض المدفعية، فضلاً عن توسع هذا الانتشار، وامتداده الى مناطق متاخمة للحدود، مع استحداث عشرات النقاط في المرتفعات والتلال والمناطق المتقدمة بهدف مراقبة ورصد اية تحركات غير شرعية. وتنتشر عند طرفي الحدود في هذا القطاع عشرات القرى، وعمليات التهريب ليست حديثة العهد، إنما هي قائمة ومعروفة منذ سنوات طويلة، وشملت كل انواع السلع والبضائع، تبعاً لحاجات الأسواق في البلدين من جهة، وانخفاض الأسعار التي تناسب الطبقات الفقيرة من جهة أخرى. فبدءاً من تجارة الماشية، الى تهريب الحديد، والأدوات الكهربائية على جميع أنواعها، الى المواد الغذائية، حتى السمك والفروج، والمشروبات الروحية، ومن ثم الى المازوت والغاز والبنزين وغيرها كثيراً من المواد، حتى ان التهريب كان اوسع انتشاراً وأشد حركة خلال تواجد القوات العسكرية السورية في المنطقة. وليس سراً أن خطوطاً يمكن وصفها بالعسكرية او بالمضمونة، كانت مفتوحة أمام عشرات التجار الذين جنوا اموالا طائلة من وراء هذا التبادل التجاري (غير الشرعي ومن البلدين)، وان كثيراً من أبناء القرى والبلدات الواقعة على طرفي الحدود بين لبنان وسوريا، قد امتهنوا وظيفة التهريب، نظراً للحوافز والإغراءات المالية التي وفرتها للبعض، حتى ان المهربين استحدثوا أسواقاً خاصة بهم في الجبال لتبادل البضائع، مع ما ينسحب ذلك على صرف العملات. وتجارة التهريب روّجت أسواقاً غير طبيعية، للبغال ، التي كانت تستخدم في عمليات نقل البضائع عبر السلاسل الجبلية الوعرة، بعيداً عن عيون المراقبين من القوى الأمنية في البلدين، حتى جاوز سعر البغل الواحد في بعض الأوقات ثمن سيارة. لكن عمليات التهريب لم تمر في كل اوقاتها ومراحلها بسلام، بل إن المنطقة الحدودية شهدت وفي مراحل متباعدة ومتقاربة، اشتباكات بالأسلحة الرشاشة، بين القوى الأمنية لا سيما الجيش اللبناني، وبين المهربين، حيث سقط بنتيجتها قتلى وجرحى، وكان آخرها في 4 تموز الماضي، حيث قتل أحد المهربين السوريين من قلعة جندل، في مرتفعات عيحا. ومع أن معظم ابناء القرى والبلدات المحاذية للحدود مع سوريا، يقرون بعمليات تهريب واسعة منذ عشرات السنين، إلا ان احداً منهم لا يستطيع نفي او تأكيد إدخال أسلحة الى لبنان من سوريا، لمصلحة تنظيمات فلسطينية، او لأحزاب لبنانية مؤيدة لسوريا، والكل يقول: ما دامت الحدود والخطوط العسكرية كانت مفتوحة ومضمونة، فلماذا يتم تهريب الأسلحة وغيرها عن طريق معابر ومسالك لا تحتمل مرور الشاحنات الثقيلة من جهة، تقع تحت عيون المراقبة والرصد من جهة أخرى.