As Safir Logo
المصدر:

بطل من بلادي: عبد الناصر فياض <حكيم الفقراء> أنهى مهمته وغرق في الغيبوبة

صورة الدكتور عبد الناصر فياض وبطاقته النقابية
المؤلف: قبيسي فاتن التاريخ: 2006-08-26 رقم العدد:10485

حكيم الفقراء . هكذا ينادونه في قريته، في انصار. لأهالي انصار مع عبد الناصر فياض حكايات. هو الطبيب الذي شاركهم يومياتهم، يعينهم في السراء والضراء. هو الذي بقي في أنصار خلال أيام العدوان الطويلة، الطبيب الوحيد في القرية والجوار، يسعف المصابين وينقل الشهداء إلى المستشفى، يرد بيده وحدها آلام آلة الموت الإسرائيلية. ثم، وما إن انتهى العدوان، وانتهت معه مهمته الطارئة، قرر أن يترك لتعبه العنان. نام الدكتور عبد الناصر فياض يوم الخامس عشر من آب وهو لم يفق من غيبوبته بعد. في الحرب كان وحده هناك، وحده يعالج المرضى، وحده يسعف المصابين، وحده ينقل الجثث والأشلاء. خلال العدوان، صمد عبد الناصر في انصار. كان أفراد أسرته يتوسلون اليه للانضمام إليهم في بيروت. وكلما كان يشتد القصف، كان يتمسك أكثر بالبقاء في القرية لمساعدة من صمد من أهلها فيها. خلال عدوان العام 1996 قام الدكتور عبد الناصر بالدور ذاته. قناعته هي أن دور الطبيب، خلال الحروب، يصبح أكثر ضرورة ويصير معناه أكثر إنسانية. وأبناء انصار يعرفون جيدا الطبيب الذي كان يقدم المعاينات والأدوية مجانا لمن أحوالهم متواضعة من بينهم. يقول بعضهم إنه زاهد في ملذات الحياة، لا تبدو عليه نِعَم ومظاهر معظم الاطباء. يقتني سيارة هوندا تعبانة ، ويقتفي اثر الفقير ليقدم له المساعدة . عندما كان مندوبو بعض شركات الادوية يزورونه لتسويق كميات جديدة، كان عبد الناصر يشترط عليهم تزويده بعينات مختلفة من الادوية على مدار العام، لتقديمها مجاناً الى المرضى المحتاجين. يقول شقيقه عادل ان عبد الناصر كان يزور عدداً من مرضاه في منازلهم بشكل دائم ويقدم لهم الأدوية. ليس في انصار فحسب، بل في محيطها في قرى كالدوير وجبشيت... في 12 تموز الماضي، دقت ساعة الحرب على لبنان. قرر عدد من سكان انصار النزوح باتجاه مناطق آمنة. طاول القصف محيط القرية. فغادرها زملاؤه من الأطباء بعدما اخبروه بانهم سيرسلون مرضاهم اليه. ألحّت زوجته وأشقاؤه مراراً يدعونه للانتقال الى بيروت، فكان جوابه دوما: طالما هناك مواطن واحد في انصار، فمهمتي كطبيب هي ان ابقى معه . أمضى عبد الناصر ايامه متنقلاً بين منزله وبين عيادته اللذين يقعان في المبنى ذاته. قرر والداه خلال الايام الاولى للعدوان ملازمته. سريعا فرغت الصيدلية التي يقتنيها داخل عيادته. جهد لتأمين ادوية بديلة. عانى بسبب غياب سيارات اسعاف في القرية لنقل المصابين. فبادر الى نقلهم بسيارته الخاصة احياناً كثيرة تحت نيران القصف، معرضاً نفسه للخطر ، بحسب اخته زينب. كان لسيارته دور آخر خلال العدوان. فقد كان يستخدمها لنقل السكان وخصوصاً الاطفال منهم الى مناطق اكثر امناً، تقول زينب. كان يجول على السكان عقب الغارات طالباً منهم الاختباء في أماكن آمنة، عارضاً مساعدتهم في ذلك. كان كل شيء ما زال خاضعا للسيطرة بالرغم من صعوبته، حتى وقعت مجزرة انصار . سارع عبد الناصر الى المكان المستهدف، وذلك قبل وقوع الغارة الثانية في المحيط. حاول اغاثة المصابين، إلا أنه كان يصرخ لهول مشاهد الموت والدماء. كان يطلب النجدة. كانت آلات التصوير التابعة لبعض الفضائيات هناك. نقلت شاشة إحداها صوره وهو يرفع الصوت، يدل على أشلاء من حوله.. رأس هنا، قدم هناك.. منفعلا لعدم وجود سيارات إسعاف، طالبا إرسال الأدوية.. يحاول العمل على وقف آلة الموت. أسعف المصابين. نقل الجثث والأشلاء المتناثرة، بعدما وضعها في اكياس بلاستيكية، الى برادات مستشفى النبطية الحكومي . عايش الموت، خبره، التصق به لأيام نالت المجزرة من جسد عبد الناصر ومن اعصابه. فضّل تضييق هامش المغامرة، فأرسل والديه الى بيروت ضماناً لأمنهما. بقي وحيداً ينفث دخان السجائر ويبتلع فناجين القهوة بلا احتساب. قاطع الطعام وجفاه النوم، فيما اصوات المقاتلات بقيت تحوم فوق الأهالي بلا هوادة. ذات يوم، دنا الخطر من عبد الناصر نفسه. بدأ القصف يقترب، وكان عليه مغادرة المنزل الى الطابق السفلى. بعد ثوان فقط من مغادرته، سقط زجاج منزله وعيادته التي تعرضت لاضرار. حمد الله على سلامته، مستلهماً من الحادثة مقومات اضافية للصمود. يوم الاثنين في 14 آب، بدأ العمل بوقف العمليات العسكرية. تنفس عبد الناصر الصعداء. ولكن العدوان كان قد انهكه. كان يحتاج الى ما يريحه ويشحذ همته. قصده عدد من سكان البلدة يشكرونه على المساعدة التي قدمها لهم طوال هذه الفترة. يوم الثلاثاء في 15 آب، انه اليوم الاول بعد وقف اطلاق النار. كان من المفترض ان يفتح عبد الناصر صفحة جديدة، ان يزيل عنه رائحة الموت، ان ينزع آثار الدمار. حمل المكنسة في صبيحة ذلك اليوم ليرفع الزجاج المنثور عن ارض عيادته. دقائق قليلة، ثم اصيب بدوار وتصبب عرقاً. طلب منه جاره ان يخلد الى الراحة. نام حوالى الساعتين. وعندما حاول افاقته لم يستجب. نُقل على الفور الى مستشفى النجدة الشعبية في النبطية، ومنها الى مستشفى حمود حيث امضى اياماً، ثم نقل الى اوتيل ديو في بيروت. خضع لعمليتين جراحيتين لم تسعفاه خلال 11 يوماً على استرجاع وعيه. يغرق الدكتور عبد الناصر اليوم في غيبوبة بين الحياة والموت. يلازم احد اسرة الانعاش في مستشفى اوتيل ديو . نالت الحرب من قدرته على الاحتمال، من طاقة البشرية على معايشة الموت، نالت الحرب من دماغه. انفجر رأسه وأصيب بنزف حاد في الدماغ كأنه كتب على عبد الناصر الا يفرح بانتهاء العدوان. كأنه كان منذوراً ليعيش خلاله من اجل ان يقدم أقصى ما يقدر عليه. يقول بض الاطباء اليوم ان حالة عبد الناصر غير مشجعة كثيراً. هناك عوامل ساهمت سلباً في تدهور صحته، وهي الوقت المهدور خلال نقله ما بين المستشفيات، خصوصاً انه لم يتم نقله الى المستشفى في النبطية بسيارة اسعاف مجهزة، بل بسيارة عادية. يضاف الى ذلك الساعتان اللتان نام خلالهما بعد العارض الذي اصابه، لأن النزف في الدماغ كان قد بدأ خلالهما. اليوم، أكثر من اي وقت مضى، يحتاج عبد الناصر الى معجزة طبية. يحتاج من عالم الطب الى شيء من رد الجميل. يحتاج الى رعاية إلهية تطيل في عمره الذي لا يتعدى بعد الخامسة والاربعين. مرضاه الفقراء اليوم يدعون له بالشفاء، من اجلهم.. من اجل طفليه (اكبرهما عمره ست سنوات) حتى لا يصيبهما اليتم، شأنهما شأن غيرهما من ابناء انصار اليوم.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة