As Safir Logo
المصدر:

هنا القاهرة بحر محمود القرش

المؤلف: خير محمد التاريخ: 2006-07-12 رقم العدد:10441

الأهم من كل هذا الجمال، ومن كل هذه الشعاب المرجانية وآلاف أنواع السمك، هو هذا الصمت الشامل إلا من دقات القلب. مقياس العمر مضبوط على قدر ما تبقى من هواء في اسطوانة الأوكسيجين، إنه الدرس الأول في الغوص: لا تسحبك الدهشة والإنبهار بكل هذا العالم المختفي تحت سطح البحر، فتنسى أن تنظر في ساعتك المضيئة. ثم تدرك فجأة أن ما لديك لن يكفيك حتى تعود. لحظتها، تتشابه النهايات، ولا بد أن نهاية محمود القرش لم تختلف عن ذلك كثيراً. محمود حسن مرزوق. أطلقوا عليه اسم القرش لأنه في الغوص والسباحة أمهر من كل القروش التي تملأ البحر الأحمر. هو ملك الغطاسين، نجم الغردقة الأول، معلم المصريين والأجانب. انتشل وحده تسعين جثة في حادثتي غرق العبارتين سالم اكسبرس و السلام 98 . كان يصر على انتشال حتى الأشلاء الصغيرة عسى أن تساعد الأهل في التعرف على ذويهم الغرقى ، بحسب صحيفة المصري اليوم المستقلة. نزل في رحلة مع أصدقائه، وبعدما زاد غيابه ساعة عن فترة الثلاث ساعات التي تسمح بها اسطوانة الأوكسيجين، أضيئت أنوار الغردقة. خرجت عشرات القوارب تبحث عنه. قفز في الماء أكثر من ستين غواصاً. حلقت طائرة بحث صغيرة لكن القرش لم يظهر. كانت رحلته الأخيرة التي لم يقصد أن يشغل الناس بها، فهو حتى في المرة الوحيدة التي شارك فيها في فيلم سينمائي ( جحيم تحت الماء )، كان مجرد دوبلير لسمير صبري الذي قطف نجاح الفيلم. أما محمود القرش فهو كمئات غيره، يمثلون فئة خاصة جداً من شباب البحر الأحمر. على الرغم من أن هذا البحر يعيش على السياحة، لا يهتم الغطاسون العاملون بها كثيراً. فلقد جاء أغلبهم من أصول ميسورة اجتماعياً، يعيشون في الغردقة ومرسى علم ودهب وشرم الشيخ. يتمتعون بعالم خاص بهم، لا يهتمون للحفلات الصاخبة والسياح المتدفقين من أرجاء المعمورة. لا يهزهم الإرهاب الذي يفجر اليابسة، ولا يعبأون بأراضي البدو أو تجارة المخدرات، بمشاكل الحدود أو إيرادات قناة السويس. لا يعملون من أجل العودة يوماً إلى قراهم ومدنهم بما يكفل العيش الكريم. ولم يتخرج معظمهم من أكاديميات بحرية. جاءوا من مهن مختلفة وبلدان متعددة. بعضهم جاء بالصدفة فقرر الاستقرار. باع كل ما يملك في مسقط رأسه أو بلده البعيدة، وعزم على أن يعيش في البحر فلا يخرج إلا لالتقاط أنفاسه قبل أن يعود إلى الماء. الاهتمام الكبير الذي أبدته السلطات بالعثور على جثمان محمود القرش لم يكن فقط من دوافع إنسانية. فالغواصون الذين يعرفون عن عالمهم البحري أكثر بكثير مما تعرف أي سلطة، يساعدون في تنظيف البحر من المواد السامة ومخلفات السفن، يفرضون بصرامة الحفاظ على بدائع الشعاب المرجانية، يشاركون في عمليات البحث عن الآثار والسفن الغارقة المنسية. ولقد أضافوا إلى شواطئ البحر الأحمر دعاية إضافية بوصفها أهم مراكز تعليم وممارسة الغطس، إذ تحوي الغردقة وحدها 25 مركزاً لتعليم هذه الرياضة. باختصار، صنعوا مزجاً لا غنى عنه بين كون الغوص رياضة ومهنة في الوقت ذاته. التكلفة المادية المرتفعة لتعلم وممارسة الغوص ليست العائق الوحيد أمام الفقراء ومتوسطي الحال. فالمشكلة الحقيقية تكمن في ضرورة التمتع بصحة أكثر من جيدة. من هو الفقير الذي لا يعاني من أحد أمراض الضغط أو القلب أو السكر أو الأنف والأذن والحنجرة؟ وفوق ذلك، يتطلب الغوص لياقة بدنية مرتفعة ثم قدرة على التفرغ وقتاً طويلاً للتعلم والحصول على تراخيص المهنة. هكذا، فإن أكثر من مئتي ألف شاب يعملون في مختلف وظائف السياحة في سيناء، يعيشون في واد بعيد عن ذلك الذي يسكنه الغواصون، برجوازيو البحر العارفون بدروبه، مع أن آباء الفقراء هم الذين أعادوا ذلك البحر إلى أصحابه. (القاهرة)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة