دقيقتان تفصلنا عن نهاية مباراة المكسيك وأنغولا في الدور الأول من كأس العام لكرة القدم. تعادل سلبي بين الفريقين. وقف رامي فجأة وسط الحانة الليلية البيروتية يتابع هجمة المكسيك. علا صوته: يلا يلا حطها . حماسته الزائدة تخطت قدرة رواد الحانة على استيعاب ما يحصل. من يكترث فعليا للمكسيك أو أنغولا؟ اللهم إلا إذا كان مكسيكياً أو أنغولياً. ورامي لبناني و مكتّر . ضاعت الفرصة وانتهت المباراة بالتعادل السلبي. وقع النتيجة كان أكثر سلبية على رامي مما كان على اللاعبين المكسيكيين أنفسهم، وقد خصّهم رامي بوابل من الشتائم، وصل إلى حد سلب شعب بأكمله صفته البشرية. في إحدى حانات العاصمة الكمبودية بنوم بنيه ، لم يستطع العاملون إخفاء خيبة أملهم الكبيرة بعد تعادل فرنسا وسويسرا. واستشاطت إحداهن غضباً تجاه اللاعبين الفرنسيين: لماذا لم تفوزوا؟ سويسرا بلد صغير جداً! . عبثا حاول زبون شرح سلبية منطقها الرابط بين حجم الدول ونتائج اللعب: المليار ونصف المليون مواطن في الصين لم يجعلوا منها حتى الآن منتخباً ضارباً في كرة القدم! . والأطرف أن العاملة لا تكن إلا مشاعر سلبية تجاه مستعمري بلادها السابقين. عالم خاص بالمراهنات والمراهنين، كبارهم وصغارهم، تخلقه المناسبات الرياضية. رامي راهن ب30 دولارا على فوز المكسيك. قد لا يستأهل المبلغ رد فعل عارم، لكنه منطق المراهنات.. بل هي سلبية المنطق. بعد نصف ساعة على نهاية مباراة المكسيك وأنغولا، لم يتحمل رامي الخسارة، فراهن بكل الميزانية التي خصصها ل المونديال ، أي 90 دولاراً، على فوز تشيكيا ضد غانا: لا يعقل أن أخسر هذا الرهان ، قال رامي لأصدقائه. في اليوم التالي، خسرت تشيكيا ولم يعتكف رامي عن المراهنات. المشهد في بنوم بنيه أشد غرابة. قبل 4 سنوات وفي الدورة السابقة لكأس العالم، راهن العاملون في الحانة أكثر من نصف رواتبهم على فرنسا. لكنها لم تربح أي مباراة حينها. ولا تسألوا عن وضعهم المعيشي طوال فترة الصيف. لم تمنعهم قساوة التجربة من معاودة الكرة هذا العام، فعاشوا المرارة ذاتها في أول مباراتين لفرنسا خلال الدور الأول. ولحسن حظ المغامرين، تمكنت الأم الحنون من الفوز في المباراة الثالثة أمام توغو. غير أن العديد منهم سيعيش صيفا حارا جديدا لتعويض الخسائر المتراكمة. المراهنة على حدث أو نتيجة، هي وليدة روح التحدي لدى الإنسان. في البدء، كان المشهد يتمحور حول مقاتلين يتنازلان حتى الموت ويغنم الفائز بممتلكات الآخر. مع نشوء العقد الاجتماعي، زاد الجشع وحب الذات لدى الفرد. والكلام للفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو. فأصبحت معادلة التحدي كالآتي: بدل التضحية بالنفس، نراهن على أرواح الآخرين! وتحول مشهد القتال الملحمي إلى حلقة نزال. مئات الأشخاص يراهنون على الأقوى (بتقديرهم). يجمع أحدهم رهاناتهم، ثم يوزع الأرباح على الفائزين، مع ضمان حصة بسيطة له. هكذا، نشأت سوق المراهنات عبر التاريخ. وما لبثت أن دخلت عالم الرياضة عبر بوابة سباقات الخيل. يعود تاريخ انطلاقها إلى نحو عام 1500 ق.م، في أوروبا الشرقية وشمال إفريقيا. دخلت بعدها الألعاب الأولمبيّة في اليونان القديمة للمرة الأولى عام 680 ق.م. ومع تأسيس أول مركز لسباقات الخيل في نيوماركت البريطانية نحو عام 1619م.، بدأت أسواق المراهنات تزدهر تدريجيا. تُمكننا العودة إلى مشهدي المونديال من رصد التطور الهائل في تنظيم أسواق المراهنات. في بنوم بنيه، ما زالت طريقة المراهنة بدائية. يضع عاملو الحانة تعهدا بالرهان عند شخص أو سمسار لمؤسسة مختصة. في صباح اليوم التالي، يحضر الأخير لتحصيل الغنائم أو دفعها. لكن، كيف يثق الناس بهم والعكس؟ في الحقيقة، تبنى الثقة على الخوف المتبادل. المراهنون يخافون على حياتهم، والسماسرة على مستقبل عملهم في المهنة. كما أن العديد منهم لا يقبلون رهانات من أي كان. هذه الطريقة البدائية في المراهنة هي مدعاة سخرية لرامي. هل يعقل في يومنا هذا أن نعيش كل هذه المخاوف من أجل المراهنة؟ المسألة أصبحت بمنتهى البساطة. إنه عالم الانترنت . منذ حوالي العقدين، انتشرت المواقع الخاصة بالمراهنات على الشبكة الإلكترونية. يصعب عمليا إحصاء عددها، ولكنها بالآلاف. أضف أن العديد من الدول لا تسمح لمواطنيها بالدخول إلى كل المواقع على الشبكة. لا نتحدث هنا عن الدول النامية أو الدكتاتورية التي تحدّ من الحريات. فإيطاليا قامت منذ بضعة أشهر بمنع مواطنيها من الوصول إلى عدد من مواقع القمار. الحجة أنها لم تستخرج الرخص اللازمة أو لم تتقيد بالقوانين المحلية الراعية لإعمال القمار. وتشير التوقعات إلى استثمار مبالغ قياسية خلال كأس العالم تتراوح بين 10 و15 مليار دولار. وأكد موقع ويليام هيل للمراهنات أنه ينتظر وصول قيمة المشاركة في الكأس إلى حوالى ملياري دولار. لا ينحصر وضع الرهان على النتائج فقط. هناك مروحة هائلة من الخيارات تصل حدود المراهنة على استبدال لاعب خلال المباراة أو من سيحصل على أول كرة زاوية (كورنر) أو حتى أول رمية تماس (آوت). كيف تحدد الأرباح؟ في الولايات المتحدة، هناك ما يسمى بخط لاس فيغاس تضعه مجموعة من الخبراء، لتحديد مردود (odds) أي نتيجة. معظم مكاتب المراهنات أو المواقع الإلكترونية يلتزم به. وبوسع هؤلاء الاجتهاد بدورهم. المردود يتم تحديده استنادا إلى بعض المعلومات: نتائج كل من الفريقين خلال الموسم أو البطولة، نتيجة كل منهما في المباراة الأخيرة، إحصائيات المواجهات المباشرة بين الفريقين. كذلك، يتم التركيز على المكان الذي تجري فيه البطولة (الفرق الأميركية اللاتينية لم تفز بكأس العالم إلا مرة واحدة في أوروبا، البرازيل عام 1958 في السويد) والطقس المتوقع خلال المباراة. إضافة إلى الإصابات في الجانبين ونفسية اللاعبين والأحداث الهامة التي عايشوها مؤخرا. على سبيل المثال، تعرض البرازيلي رونالدو لنوبة صرع قبل المباراة النهائية في العام .1998 في الجانب العملي، يربح من يضع رهاناً في البداية على فوز البرازيل بالكأس، 3 أضعاف قيمته تقريباً، أي من يراهن بدولار واحد يربح 3 دولارات، وتحديدا 2.75 دولار لدى معظم مواقع المراهنات. أما ألمانيا فترد 7 إلى 8 أضعاف، وفرنسا بين 14 و.18 في حين يربح من راهن بدولار على توغو ما بين 2500 و5000 دولار، إذا ما فازت بكأس العالم. وبطبيعة الحال، يمكن المراهنة على نتيجة كل مباراة على حدة، أو الجمع بين عدد من المباريات في رهان واحد. في المحصلة، يبقى الرابح الأكبر من العملية هو مكاتب المراهنات. إذ تفيد العديد من الدراسات أن المكاتب تربح 52 في المئة على الأقل من أي رهان. وإذا ما ظهر تركيز كبير من قبل المراهنين على نتيجة معينة، تقوم المكاتب مباشرة بتعديل المردود عليها وإعطاء حوافز على النتيجة المعاكسة لتعديل الميزان. بالتالي، تبقى نتيجة المراهنات سلبية على مجموع المراهنين.