As Safir Logo
المصدر:

<نديم الوعول> لمحمد عفيف الحسيني: نثر الشاعر وسطوة الأصل

المؤلف: جـازو علي التاريخ: 2006-07-01 رقم العدد:10432

الكتاب: نديم الوعول شعر المؤلف: محمد عفيف الحسيني الناشر: دار المدى 2006 يعتبر بالنسبة لي، أنا القارئ المتمرن على تواضع يحفظ اللباقة ويقصي المجاملة، نثر محمد عفيف الحسيني اجمل وأشرق، من شعره. في نثره، جهة الاربعاء مثالا، هدوء يحملك في رقة الى غرف الكلمات حيث سيادة الغياب وثراؤه، وسرد محكم ورخيم كضوء صغير يقودك في تمهل وارتواء الى قرى نائية تؤلمك قدر ما تستعطف دفء مشاعرك. الهدوء و الحنين ، لا عن (المنفى الأعمى) على حد تعبير الحسيني، الى الوجود الأعمى المنبسط على أرض الكرد، يكسبان لفته جمال المتأمل ثيابه القديمة وتأنيه في حيازة سعة اشمل لما نسميه، كإجراء مؤقت، موضوع الحكاية المدوّنة في نسختها الحديثة على سبع وسبعين صفحة أرادت استيعاب شقاء الكرد وعشقهم من القرن التاسع عشر الشاحب حتى خواتم القرن العشرين النحيل . لا نحبّذ ميلاً ولا حماسة لطرح عواطف سياسية مباشرة في نص ادبي. كان ذلك حاضراً في جهة الاربعاء واستمر حضوره وإن بصوت اضعف في نديم الوعول . ما نحرص الاشارة إليه، هنا، تعامله مع الكلمة النص، لا مردوده او فحواه. حينما يرفع محمد عفيف صوته، وغالباً ما يكون ذلك نافراً في وهن فقير الإيحاء والتحكم، يقترب من لغة تبعده عن شعريته الرقيقة الهامسة، في تشابه ودود بين شخص الشاعر وجوعه العميق الى الحياة. ربما يعتقد محمد عفيف ان العربية، كلفة أدب وتثاقف، ستعينه على جلاء همّه الكردي الثقافي والإنساني. لا بأس من هكذا طموح، لكننا ندعوه الى الحذر والحيطة لأجل الشعر فحسب لا سيّما ان الكردية في السنوات الاخيرة، على ركاكة بنيانها في اكثر من صعيد، اضحت فجأة، وبعون من أقدار عالية لا رادّ لقضائها، همّاً عاما وساخناً، لدرجة ان صديقا من عامودا اسمه عبد العزيز صار ولادة وطن بالكردية في بلاد اوروبا الحرة حيث حياز الاسم وتبديله هي كالانتقال من الحمرا الطويلة الى الماريغوانا . فما كان في الظل متوارياً، لا بسبب هزال حضوره فحسب، بل ايضا بسبب قدر آخر هو الجوار الكردي الذي آذى نفسه كثيراً حينما امعن ولا يزال، في الجور والإساءة الى شريكه الصغير في الأرض والتاريخ وبسبب قسوة آلامه وتألق رهافته، نرى مدّه في ضوء سريع ومباشر، كالعولمة، سيخدش إن لم يسئ كثيراً الى فقره الروحي وبهائه. نرى من الاهمية بمكان الاشارة الى اعمال محمود درويش الاخيرة، بدءاً من لماذا تركت الحصان وحيداً لنقرأ الفروق والتشابهات بين إرثين كبيرين جمعتهما حدة الأسى والقهر. لقد طوّر درويش وأخفض حنينه على ذاته شاحذاً بأناقته المعهودة، بخفق اجنحة عالية وثروة إيقاعية مشهود له بامتلاك مفاتيحها الفاتنة، من لغته العميقة التي تكاد تصير غناءً صافياً، محوّلاً ومرققا الألم الفلسطيني الباذخ الى ألم وجودي ظليل، ألم الإنسان وحيداً عارياً وغريباً في سخاء حياة لا نفاد لمصائرها الفادحة (نشير هنا، للقارئ الدنف، الى كلمة درويش اللافتة في معرض توقيعه، برام الله، على ديوان كزهر اللوز او أبعد والمنشورة في مقدمة العدد (85) من فصلية الكرمل). ثمة اسمان آخران، هما الكاتبان السوريان، الشاعر نزيه ابو عفش والشاعر والروائي سليم بركات، ويمكننا للاعانة النقدية التنويه الى مؤلفاتهما كوجه بالغ الثراء و العفة في قدرته نحت جرح الإنسان بملامح نفسية وحلمية بلغت شأناً متقناً في صياغاتها الفنية ورقيّ ذاتية أسلوبها الخاص. كان من الأنسب ان تتحول الألفاظ الكردية الى اشارات تعبيرية يعلم الحسيني مدى تأثيرها الفني. نعتقد ان الإلمام والإخفاء، كضرورة أسلوبية تفرضها دقة وصعوبة مهنة الشاعر، اجمل وأعمق من السرد التقرير، ثم إننا في مقام عمل أدبي هو الشعر، نتوخى به ومنه اللطف والحذق، الشوق والذوق، حنو الرأفة المفتقدة ورحابة التحليق (في أوج الطيران... ينسى الشاعر همومه أحمد شاملو)، فما باله يتثاقل محصناً ومحاصراً نفسه بإحالة شغفه الخاص الى معنى عام، في تنقلات جغرافية تشبه كسل السياحة المغري، نشك في صواب قدرته على الاحتماء بالشعر رسالة. من ذلك تضمين الكتاب ترجمة أغاني موالين اكراد جميلة، قام الشاعر بنسج رقيق لأغان تتماثلها، اضافة لمقاطع من قصائد شيخ المتصوفة الاكراد نشاني الملاّ احمد الجذري، وردت تحت تسمية اغنية في غير مكان من الكتاب، وهي، قصائد الملاّ على الاخص، رغم فضائها الموسيقي الراقص وتناسق لفظها البديع اثقلت كعبء خفيف وربما أبعدت نصا يحضن متنه قارئ العربية متذوّقها. ثم إن لوم المنفى، نعته بالعمى، وكثرة الحنين الجارف الى عامودا العاصمة يسهبان فيضعفان، إذ يتحول جرو العدم المقيم في الغياب (أرض الشعر الأولى) الى كبش ايروتيكي يشم بلل انثاه بألفاظ كان من الأجود، ربما، لو آلفت شبقها وغطته اغنيات زرقاء القلب . إن ريح الحنين الى الاصل، إذا كان اصل!، تجعل الاقامة في غوتنبورغ شبيهة بالاقامة في عامودا. وتحت ظلالها لا ينحت قلب الشاعر ولا يلحن لسانه، فيظلان كأن لم يغادرا ولم يتدفآ بقلوب وألسنة أُخَر. لكن من المبالغة حقا ان نعثر على قربى نباتية، استولدها التعثر وإلصاق المتشابه الثابت بالمتنافر المتحول، بين بارام المتناسل من ثديين جليلين من جبل عبد العزيز والفالت من الموت والذي تحوله النجاة الى بتلات زهر عباد الشمس. يلمها فان كوخ، ويلصقها مكان أذنه المقطوعة: سأسمع رنينه في امستردام. أنينه الأخضر المكتوم . ثمة قرائن مشتتة تنثر بين أُصلاء انحاء كردستان التي لا يعوزها الأصل قدر ما يعوزها كسر الأصل، فالشاعر اجنبي لغته لا حارسها بقول عباس بيضون، ليسترد أهل الحق عافية النظر الى كون الأصل ، وهو كون حليق ، طري، فج، صغير، وضعيف كحبة من عرنوس الذرة المسلوقة على عجل. خفوت الصوت في الشعر قوته، وجماله الضعف والتردد والحيرة، لا يقين الانتماء والحزم والصواب. سعة الأرض خفتها، وألق الحضور من ألق الغياب. على الشاعر، دون حصر باسم محدد، ان يعيد التفكير بالكلمات، لكونها الفكر والانفعال والجسد. الكلمات، لا ما يشاع عنها، بل صمتها الغائر فيها كعتمة بذور تحت الأرض. الحنين، ذلك الالتباس الموزع كالزمن بين الليل والنهار بين فتنة التذكر الغض وسواد الألم المشع. الحنين كنيسان إليوت الشهير، يرد لدى نديم الوعول فاجراً كثمرة تين، فيتضاعف سكوته ويتزايد كتمانه كلما صُرّح به وأعليَ من شأن صوته. الحنين، استمناء طفولة اعتدناها البراءة وحدها، فراغ اليائس من حاضر لا نشك في عقمه، ومستقبل لا نكف عن ملئه بالأزهار، انه حذاء المعدم يتسوّل به فردوس الماضي. لكنه، اي الحنين، صمت (يخونه) الحسيني من حيث يحتسب خيانة الصمت اغنيته، فيما نرى الاعلاء من شأن الصمت، مضاعفته وإذكاءه بصمت أشد هو ما يجدر (بالشاعر) ان يتبناه. ألم يقل مارسل بروست: إن (الأدب) ابن الصمت. يظهر ان محمد عفيف الحسيني غير مقتنع بهذه الحكمة، اذ يتحول (الشعر) على فمه الى ابن الكلام (الصوت). وما تحتاجه الثقافة الكردية، بالعربية ام بالفارسية ام بالتركية ام بلغاتها الأم، هو الارتقاء الى (الصمت) لا الهبوط الى (الصوت). وسواء، حسب ابن العربي، تكلم الشاعر أم سكت فهو صامت. هذه اشارات هوامش، نأمل تدوين (اصلها) في قراءة لاحقة اكثر تفصيلا، عن آخر كتاب للشاعر الكردي السوري محمد عفيف الحسيني المقيم في السويد. نرى ضرورة الاشارة، ايضا، الى تقديرنا لجهده الابداعي الكريم ومهاراته اللغوية الفائضة مع ضرورة لفت انتباهه الى الاسراع بالتخلص من سطوة سليم بركات على أسلوبه، هذه السطوة المختارة من لدن الحسيني والتي اخذت ظلالها تزداد عتمة ونفوذاً على بنية العبارة وحسيتها التجريدية، بشكل اخص، في (نديم الوعول) الذي اعتمد في وضوح بيّن واستسهال وديع على قصيدة ديلانا وديرام من ديوان سليم بركات الكراكي .

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة