As Safir Logo
المصدر:

<سقوط الملاك> بين ميشيما والصوفي: الحياة تنعدم

المؤلف: جـازو علي التاريخ: 2006-06-23 رقم العدد:10425

لو حدث انني تحدثت أو تحركت بأدنى دافع غير واع، لحاق الدمار توّا بالعالم، وعلى العالم أن يشعر بالامتنان لوعيي بذاتي، فليس في الوعي ما يدعو الى الفخر، إلا الانضباط . هذه عبارة مقتبسة من رواية سقوط الملاك ليوكيو ميشيما المولود في 14 كانون الثاني ,1925 والذي سيقرأ في الثانية عشرة من عمره وايلد و ريلكه و تانيزاكي ، ثم يتلقى نتيجة تفوقه في الثانوية هدية الامبراطور الياباني التقليدية (ساعة يد). يتم تجنيد ميشيما بإحدى ضواحي طوكيو، حيث نظراً لضعفه البدني يجد الوقت الكافي ليقرأ نيتشه و كتاب هاغاكورا الذي يرد في أحد مقاطعه المستلهمة من روح الساموراي في القرن الثامن عشر، والذي أعاد ميشيما قراءته أكثر من مرة: (في كل يوم تهيّأ للموت لكي يتسنى لك حين تزف الساعة أن تموت بسلام. فالمصاب حين يأتي ليس بالبشاعة التي كنت تخشاها.. مت بالفكر كل صباح، فلن تعود تخاف الموت). في العام 1970 ينجز ميشيما كتابة الملاك يتعفّن وفي 25 تشرين الثاني من العام نفسه يقوم وصديقه موريتا بالانتحار على طريقة الساموراي القديمة بقر البطن من اليسار الى اليمين ثم ضرب العنق بالسيف في حال وجود شخص آخر بعد إلقائه خطاباً فريداً في جمع من الجنود من على شرفة في أحد مكاتب وزارة الدفاع الوطني. قبل هذا التاريخ بعشر سنوات، أي في العام ,1960 في العشرين من شهر تموز، يموت منتحراً بكوناكري الشاعر السوري عبد الباسط الصوفي المولود عام ,1931 في المشفى الذي نقل اليه بعد إصابته بانهيار عصبي شديد سبقه أكثر من محاولة انتحار. دُفن الصوفي، بعد شهرين، في مسقط رأسه بحمص. لما بلغ الصوفي سن الدراسة أُدخل الابتدائية الخيرية الأميركية ثم التحق بالمدرسة التجهيزية حيث نال الشهادة المتوسطة، فالثانوية، ثم عُيّن معلماً بمدرسة قرية عز الدين ثم مدرساً للغة العربية في متوسطة قرية فيروزة، وفي عام 1956 نال الليسانس في الآداب من المعهد العالي للمعلمين. واصل مهنته في ثانويات دير الزور وحمص حتى شهر شباط 1960 حيث أوفدته وزارة التربية والتعليم في بعثة الى غينيا لتدريس العربية. ? ? ? لا يصدر شعر الصوفي عن خصب عاطفة عميقة وشفافة فحسب، بل يضاف الى العمق والرهافة ذلك العنف الجسدي النابت بدوره في قلق ذهني عنيف. نعلم أن الزهد والإباحية يتفتّقان من برعم زهرة واحدة: امتلاك العالم كله كأريج نسمة عابرة! الزهر عن طريق الترفّع والتسامي، والإباحية عبر شدة القرب و الهبوط المتداعي الى ما لا نهاية له من لذات ممتعة. هكذا يمسك ويحضن ظلام النور كما لو جسدان عاشقان توحدا في كشف روحي فائق الحسيّة والشبق. رأى دالي ان العفة هي الخطيئة، فيما شهد متصوّفة أُخر أن سبب النأي عن الله تعالى المحبوب المطلق هو ذاك (البعد بلا مسافة). هل لنا إضافة سهم زينون الأيلي، والمسافة الوهمية التي لا يمكن أبدا للسهم أن يقطعها؛ أي انعدام حركة العالم. لكن ما الذي يجمع ميشيما الياباني حتى العظم، ذا الروح العريقة والمنفتحة بصلابة وتألق على منجز العالم الثقافي، الى عبد الباسط الصوفي الصغير و اليائس و المهمل من لدن السوريين أنفسهم قبل الآخرين. الشاعر ثمرة ذكاء الجسد، يولد من الخوف والسمو كما تولد النجوم في الظلام. ميشيما والصوفي تربطهما قرابة، غير متوقعة، على هذه الشعلة المتقدة كنصل الثأر من عدمية الحياة الفاتنة. وحدهم الشّغفون بالوجود الحالم لا يكفّون عن التفكير وتأمل الموت الذي يحاصر الحياة وينفدها، تماما مثلما هو الشاعر محاصر بالشعر دائما، لكن قيود الشعر ليست سوى أفكار حرة تتحوّل الى زهور تخرج عن جسم القيد نفسه (بتعبير محوّر عن سارتر في كتاب القديس جان جينيه). انهم، عبر اتجاه نقيض وشديد الاختلاف، يبلغون ذُرى متألقة فيها تتساوى الأبدية الفارغة مع الفناء الفارغ. عانى ميشيما ضعفاً بدنياً منعه البقاء بخدمة الجيش الياباني، لكنه واظب، في صراحة لافتة تذكّر بصرامة الجبّار رامبو حين إجبار نفسه تعلّم الانكليزية على تمارين قاسية، ساعتين كل يوم، مع إنتاج غزير ومتنوّع، كان يكتب معظمه بدءاً من الحادية عشرة ليلا حتى الفجر. عدا هذه المعاناة المادية المباشرة، ثمة معاناة من نوع آخر. اللغة، أيضا، جسد يعاني عبء مرور الوقت لذلك يظهر حلمها ورفعها هذا العبء البريء والخطير في ردود جسدية. طبيعة المادة هنا، المماثلة في جوهرها لطبيعة الفكر الخلاق، تشحذ مصقولة من النبع نفسه؛ أي الشعر تذكّراً دائم الرقة والاخلاص لآلام أرض البشر وجمالها العصي على النضوب. أحد الاحتمالات التي تخيلها بورخس عن فكرة السيد المسيح، كان رغبة الله، بعد معاناته حال البشر بالعلم، أن يضع جسده الروحي في صلب هذه المعاناة. هكذا، افتراضاً، يكون صلب المسيح عقاباً أرضياً لجسد فكرة الخلاص السماوية. بالمقابل، في الآن ذاته، ينبغي عدم إغفال أن المسيح كلمة الله . أي، بمعنى مجازي محدد، هو حضور الله الجسدي ومعاناته الفعلية المادية من عالم بلا روح، لكنه أي كلمة الله، بالدرجة نفسها، لغة.الكلمة، بمعنى أفصح، هي تفكير اللغة بذاتها وقد صارت جسداً للعالم والحياة. الشعر (الأدب) كذلك جسد لغوي، أي انه بتعبير شكسبير ذهن يفكر عبر الصور باعتبار الوجود ليس سوى تركيب صوري تراكمي عن مثال بدئي مفقود يعاد خلقه، كل مرة، مثلما خلق الله آدم (الإنسان) على صورته. فالجسد، حمّال بذرة الحياة المضنية، هو بنفس الوقت قربان حماية الحياة. لكننا نتساءل: لمَ يستعجل ميشيما والصوفي هذا القربان المفجع طالما ان الأضحية مبذولة سلفاً، وان كل آت قريب؟! ? ? ? عانى الصوفي من الرداءة العامة وصدأ المقاهي (مثلما هي رائجة الآن) إضافة الى سخف النظام العائلي ومحرمات النظام الديني (بلغت الرداءة حداً لا يطاق، والغباء ثقافة القطعان وحدها تسم الشارع السوري. لا المتن ولا الهامش يعد بجحيم أفضل).. وفي وضع كهذا، شيئا فشيئا يفقد الشاعر المندفع بحب شديد الى الحياة كل رغبة بالحياة. الهوى ينقلب الى ضده، والاحلام التي تشرك الارواح بالنجوم ورقّة الآلات الموسيقية الناعمة تصير الى هاوية لا تقدم غير السقوط حيث يعثر الاحباط على بيته الأخير. على الشاعر (الملاك) أن يحرق جناحيه (ايمانا) منه ان الأجنحة لم تعد سوى مراوح لضرب الهواء.. (إليوت). حياة الصوفي، في ظاهرها، لا تختلف عن المألوف والشائع، لكنها بقدر ما تظهر رتيبة فاترة بقدر ما تختزن الخصوبة والثراء. ثمة صخب وجيشان، رغم قصر حياة الشاعر، نعجب كيف قاوم الصوفي عبرهما عنف رغباته الكونية وحيوية عاطفته المتوهجة: أنا للصبح، كلما انسكبت الصبح ضلوعي، وصحوتي، وائتلافي لا أجوب الحياة إلا انعتاقا ولعصف الرياح، بعض انعتاقي مطلق.. كالزمان، كالأبد الفافي كخفق الربيع عبر السواقي قدري أن أسير يملأني الوهج وأمضي.. مجنّح الآفاق أنا لي واحتي.. وأطوي ظنوني ثم أمضي.. والكون في أحداقي كذلك الاشتهاء الحارق الى أجنحة الآفاق كان، بشكل مضاد، الاحساس المرهق بالاغتراب والحاجة المتفاقمة الى مكان آخر غير هذا العالم الضائع، يحرّضان تلك الروح المسحورة بالوحدة والانفراد الى مملكة ليست من هذا العالم حيث نقرأ في احدى رسائله: اني غريب.. غريب يا صديقي.. خير لي أن أنتحر بسرعة من أن أنتحر ببطء وأدفن حياً في أحشاء هذه المقاهي والحانات... . ? ? ? المطلق السلطان يجمع الصوفي بميشيما. في دراسة لافتة لمرغريت يوسنار بعنوان رؤيا الفراغ ت: بسام حجار نعثر على (فعل الحكيم الذي كرّس نفسه لتأمل الفراغ، هذا الفراغ الذي هو الامتلاء غير الظاهر). ربما أراد ميشيما تفريغ جسده من جسده، بامتلاك فراغ جسدي لا نهاية لمداه الحسي والذهني، من أجل التفاني الحتمي (الحياة الحتمية كالموت) في سبيل قضية كان يؤمن بها أو كأنه آمن بها. لقد استفحلت أشكال الحياة الحديثة وخاصة بعد توقيع المعاهدة المعقودة مع الولايات المتحدة عام ,1960 دافعة الطاقة النقية الى البذاءة والانحطاط. لقد (رأى) ميشيما ان النجاح المادي لليابان والرفاهية الجاهزة لم يتركا الانسان سوى قشة يائسة بين أسنان الألهة المدمرة فالنجاح المتحقق عبر نظام أخلاقي يشبه نظام العبيد، يفقد البراءة معناها والحب حاجته الى الايمان. النجاح والتفوّق أفسدا الملائكة، وإذا ما افترضنا الرجل، المنضبط والمتحكّم الشديد بنفسه، قد انزلق راغباً في الاستسلام للوطيين والعيش بينهم، (على حد تصريحه هو بذلك، ثم إقدامه على الزواج تلبية لرغبة والدته المريضة..) نفهم ان طلب الحب يوازي طلب المطلق. لكن الحب لدى ميشيما ليس استنفاد رغبات الجسد المتأججة فحسب، بل هو بالدرجة الأولى الرغبة الجامحة، بالغة الغرابة والتفرّد، في إبداع فن كتابة خالص مشبع حد الانتشاء الغائر بهذه الطاقة الجسدية والذهنية التي تجاوزت كل حد. هكذا يكتب ميشيما نفسه قبل ذهابه الى شرفة الانتحار، ما يشبه وصيّة غامضة أو تذكارا شديد التناقض والاغراء: حياة البشر قصيرة، لكنني أود أن أحيا الى الأبد! . ? ? ? 46 سنة تفصلنا عن رحيل انتحار عبد الباسط الصوفي الحالم بفضّ الزمن عن بكارته الذهبية عبر حس رهيف النصل (كنصل سيف ميشيما المرهف درءا لشدة الألم وإسراعا في تحقيق تحفة موت بطولي!) في قلب راعش تغلغل فيه مسمار الصمت ولوّنه، كاحتفاء نبيل، بريشة الموت، حيث تتألق، مثل دمعة بحجم السماء، صحوة الغناء الخلاب. ونحن هنا، بروح متواضعة أمام عنفوان شاعر كالصوفي، نرشد الأزمنة الحديثة الفاترة الى طريق الخيانة ، ونصافح بخجل وبهجة أحد أكثر أبناء سوريا حماسة وجمالا. أنهى ميشيما حياته إيمانا رفيعا بمبدأ حيوي وتقليدي، في مشهد غير مسبوق، بعد فترة مكثفة وعميقة بأحاسيس وأفكار (جسدية) مذهلة عن الموت وفراغ الجسم الإنساني من تطلعاته الحرة النقية، فيما كانت نهاية الصوفي غامضة نائية، فردية ومنعزلة بهدوء خاص ايمانا بشساعة إنسانية يكون فيها الكون متألقاً داخل حدقة عين الشاعر حيث من الصعب حينها فصل الضياء عن الغناء. لكن، كلاهما، غريب و شاذ . وكما حل الزمن الذي عثرنا فيه على (الايمان في قلوب الملحدين)، سيزدهر يوماً ما الفكر الكفيل بحملنا الى ركن عائلي لدى هؤلاء الغرباء. ربما، لا عن تمنّ فحسب، تكون رغبة الموت بيت العالم النظيف، رغم علمنا، كما يحدث دائما، ان لا أحد سيتبع عصا الشاعر العمياء . مات يوكيو ميشيما بعد أن عُذّب بواسطة الزهور التي لم تفلح، رغم حنانها ورقّتها، في منع عبد الباسط الصوفي من السقوط عائداً الى نجمة الموت البيضاء، بعد أن عُذّب، هو ايضا، في صمت العرب وبرد الإنسانية. (دمشق)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة